أكد الدكتور محمود البيطار، مدير مركز الاستشراف الإفتائي، أن التقدم العلمي والتقني الذي تعيشه البشرية في الآونة الأخيرة هو تقدم غير مسبوق، كما أن نتائجه وآثاره على مستوى المجالات كافة غير ملحوقة؛ فما كان بالأمس ضربا من الخيال أصبح اليوم واقعا معيشا؛ فيجد الإنسان نفسه أمام عالم يتغير قبل أن يكتمل فهمه للتغير السابق.
وأضاف البيطار، لم يعد أثر هذا التحول مقصورا على المختبرات ومراكز الأبحاث، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى طريقة تفكير الإنسان وتواصله، ووصل إلى أكثر دوائره خصوصية: الأسرة. فالذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والواقع الافتراضي، والتحولات المتسارعة في أنماط التواصل، وتغير منظومة القيم، كلها ليست مجرد ظواهر تقنية أو ثقافية عابرة، وإنما مقدمات لتحولات قد تعيد تشكيل العلاقات الأسرية والاجتماعية وما يطرأ على التكنولوجيا والقيم والاقتصاد والثقافة وأنماط التواصل يجد طريقه في النهاية إلى البيت، وإلى علاقة الزوجين، وإلى علاقة الآباء بالأبناء، وتنتج في المستقبل أسئلة لم تكن مطروحة من قبل.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن للمؤسسة الإفتائية أن تتجاهله: هل تنتظر الفتوى حتى تقع النازلة، أم يمكن أن ترى النازلة وهي في طور التكوين؟
وأشار البيطار، إلى أن هذه هي الفكرة التي يقوم عليها الاستشراف الإفتائي، والذي نعرفه دوما بأنه: «مهارة فقهية للمفتي، تهدف إلى استقراء شواهد الواقع المعيش ومعطياته؛ للوقوف على ما قد يتولد عنها من قضايا إفتائية، لم يسبق التطرق إليها، في محاولة لإيجاد فتاوى استباقية لها قبل الشيوع والانتشار».
ومن هنا تأتي أهمية مركز الاستشراف الإفتائي؛ فهو لا ينظر إلى الاستشراف باعتباره فكرة نظرية، وإنما يسعى إلى تحويله إلى عمل مؤسسي منظم، تتجلى آثاره على المستويات كافة، يقوم على رصد المتغيرات العلمية والتقنية والاجتماعية والثقافية، وتحليل اتجاهاتها، واستقراء آثارها، والبحث عما يمكن أن تولده من قضايا إفتائية في المستقبل، من خلال منهج علمي عملي يقوم على مراحل أربع، تجمع بين: التصوير، ثم التكييف، ثم التدليل، ثم تنزيل الحكم والإفتاء.
وشدد البيطار، على أهمية المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي يعقد تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، على أرض مصر تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث تبرز أهمية موضوع المؤتمر من خلال طرح مقاربة لا تكتفي بقراءة ما وقع، وإنما تنظر أيضا إلى ما يمكن أن يقع؛ وهو ما يبرز في أحد أهم أهدافه، كما أوضحه فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والمتمثل في بناء مقاربة إفتائية متكاملة لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة هويتها.
جدير بالذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء ودور وهيئات الإفتاء في العالم، تستمر أعماله على مدار يومي الثاني والثالث من سبتمبر الجاري 2026 تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور رفيع المستوى يضم نخبة من المفتين، والوزراء، والعلماء، وممثلين من 80 دولة من مختلف أنحاء العالم.
ويناقش المؤتمر الذى ينعقد تحت عنوان "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى ..مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية"، سبعة محاور رئيسة على مدار يومين تشمل: التأصيل المقاصدي للأسرة وبناء المرجعية الشرعية المعاصرة، والتحولات الرقمية والتقنية وآثارها على الأسرة، وعولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية، والسياسات العامة ودورها في دعم الأسرة، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على الاستقرار الأسري، والتحولات القيمية والنفسية في العصر الرقمي، إلى جانب الرؤى المستقبلية واستشراف آفاق حماية الأسرة.






