إن استقالة «دان دريسكول»، وزير الجيش الأميركي، بعد أشهر من الخلافات والتوترات مع «بيت هيغسيث»، وزير الحرب، ليست مجرد عملية تغيير إداري داخل بنية الحكومة الأميركية؛ بل يمكن أن تكون مؤشراً على انقسام أعمق بين صانعي القرار السياسي في البيت الأبيض وبين المؤسسة المهنية والعسكرية في البنتاغون. وتشير التقارير إلى أن الخلافات احتدمت بشأن إقالة كبار القادة العسكريين، ومسار تطوير الجيش، وكيفية إدارة الحرب مع إيران.
وخلال الأشهر الماضية، أطاح هيغسيث بعدد من كبار قادة الجيش الأميركي من مناصبهم، من بينهم الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش، وعدد من القادة العسكريين الآخرين. واليوم، تأتي استقالة وزير الجيش في وقت لاتزال فيه الولايات المتحدة منخرطة في حرب مع إيران، لتكشف بصورة أكبر عن حجم الانقسام السياسي والعسكري. وأصبحت المؤسسة العسكرية الأميركية تفتقر الآن إلى قيادة منسجمة تستند إلى التقييمات المهنية، فيما باتت القرارات السياسية تتغلب على الحسابات العسكرية.
والأهم من ذلك أن التقارير المنشورة من داخل البنتاغون تشير إلى أن غالبية القادة العسكريين الأميركيين حذّروا من مواصلة العمليات الواسعة في المنطقة، واعتبروا أن استمرارها غير مستدام، من منظور استنزاف القدرات العسكرية الأميركية، والضغط على القوات، وتراجع القدرة على مواجهة التهديدات الأخرى.
ولا يمكن بالضرورة اعتبار هذا الوضع مؤشراً على القوة. ففي أي مؤسسة عسكرية مهنية، يُعدّ اختلاف وجهات النظر بين القادة العسكريين وصانعي السياسات أمراً طبيعياً؛ لكن عندما تتزايد، في خضم الحرب، عمليات إقالة كبار القادة واستقالات المسؤولين رفيعي المستوى، فإن المسألة تتجاوز الخلاف الشخصي لتتحول إلى قضية تتعلق بـ«عملية صنع القرار الاستراتيجي».
ويتمثل أحد أبرز تحديات إدارة ترامب في الوقوع في الفجوة بين «الهدف السياسي» والواقع العسكري». فإذا جرى تحديد الأهداف السياسية من دون أخذ التقييمات العسكرية وتكاليف الحرب طويلة الأمد بالقدر الكافي من الاعتبار، فإن العمليات العسكرية تتحول من أداة لتحقيق الأهداف السياسية إلى عامل لاستنزاف القوة السياسية، بل وحتى إلى عامل يؤدي إلى الانهيار السياسي.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار الحرب من دون استراتيجية واضحة لإنهائها سيكون مكلفاً لواشنطن، وسيؤدي إلى هزيمة حتمية. فالحرب لا تُقاس بمجرد القدرة على بدئها؛ وإنما يتمثل المعيار الأساسي في القدرة على تحديد الهدف، وإدارة الكلفة، والحفاظ على تماسك القيادة، وفي نهاية المطاف تحقيق نتيجة سياسية يمكن الدفاع عنها.
وفي الداخل الأميركي أيضاً، لا يمكن فصل الحرب مع إيران عن تداعياتها الاقتصادية والسياسية. فقد أصبح ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط على أسعار السلع قضية انتخابية، ولا سيما إذا شعر الرأي العام الأميركي بأن تكاليف الحرب آخذة في الارتفاع، من دون أن تحقق واشنطن مكاسب سياسية واضحة.
ومن جهة أخرى، يمكن للانتخابات المقبلة أن تغيّر موازين القوى في واشنطن. فالجمهوريون يتمتعون في الوقت الراهن بتفوق سياسي، وقد أدى ذلك حتى الآن إلى تقليص قدرة الديمقراطيين على الحد من سياسات إدارة ترامب. لكن تغيير تركيبة الكونغرس يمكن أن يبدّل المشهد بصورة جدية.
وفي مثل هذا السيناريو، يستطيع الديمقراطيون زيادة الضغوط الرقابية والسياسية على الإدارة، وتقييد هامش مناورة ترامب في السياسة الخارجية والحرب. بل إن هذا المسار قد يؤدي حتى إلى عزل ترامب.
ذلك أن النظام السياسي الأمريكي يتيح عزل الرئيس من خلال عملية المساءلة «الاستيضاح» في مجلس النواب وإدانته في مجلس الشيوخ.
وعليه، فإن ما يحدث اليوم في البنتاغون يجب أن يُنظر إليه ضمن إطار أوسع: أزمة محتملة في التنسيق بين السياسة والاستراتيجية العسكرية الأميركية.
فإذا طال أمد الحرب، وارتفعت التكاليف الاقتصادية، واستمرت الخلافات داخل البنتاغون، وفي الوقت نفسه لم يتحقق لواشنطن إنجاز سياسي واضح، فإن قضية الحرب ستنتقل من ملف عسكري إلى أزمة سياسية داخلية.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى واشنطن هو: «هل تملك الولايات المتحدة القدرة على مواصلة الحرب؟» وهل تعرف لأي هدف تواصل الحرب، وأين تقع نقطة نهايتها؟
ذلك أن أي قوة عسكرية، من دون استراتيجية سياسية واضحة، يمكن أن تتحول، بدلاً من أن تكون أداة للقوة، إلى عامل لاستنزافها. وتُظهر المؤشرات، ومنها إبعاد كبار القادة عن مركز صنع القرار، أن الولايات المتحدة تتجه نحو الاستنزاف، وتسير باتجاه الإنهيار السياسي.
وهذا ما وعد الله به ؛
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، التوبة / ١٤
----------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران






