أتعجب ممن يقيمون الدنيا ولا يقعدونها بعدما تدور عليهم الدوائر ويلحقهم الأذى على الرغم من علمهم بالمفسدين.
لكن عندما يلحقهم الضرر يتحركون في كل اتجاه.
السؤال الملح،،
لماذا تنتظرون وقوع الضرر حتى تتحركوا.
لماذا لا تتحركون لتمنعوا أذاهم عن خلق الله.؟!
أم أصبحت الأنانية والأنا هي المسيطرة طالما لم ينلنا سوء نبقى مكاننا.
أم إنها الإباثيا فلسفة اللامبالاة.
لا يمكن بحال من الأحوال أن تستقيم الأمور بهذه الصورة.
فحتما إذا ما وقع ضرر على(س)، أو (ص)، أو (زيد)، أو (عمرو)، ولم يتحرك القوم لمنع الضر، فبالحتمية المنطقية، سيتكرر الفعل مرات ومرات حتى لو اختلفت الشخوص، وتبدلت دورات الفلاك والأزمان.
ولنضرب على ذلك أمثلة فلنفترض جدلا أن فلان وقع عليه ضرر وهو يسير في طريقه كأن تنزلق قدمه في بالوعة صرف صحي فى الشارع، ويحدث له مكروه، يقيم القيامة ويقلب الدنيا على الحي ويتقدم بشكاوى هنا وهناك، لأنه تعرض للأذى، على الرغم أنه يمر يوميا بجوار هذه البالوعة ولا يتحرك له ساكنا، وقد يسمع أن طفلا ما كان يسير فوقع فيها، لكن طالما المشكلة لا تخصه فلا يهمه شيئا ولا يعير للمشكلة انتباها.
وهذا مثال حي نعاينه ونعايشه في واقعنا المصري المعاصر وواقعنا العربي والإسلامي على حد سواء.
ولنضرب مثالا آخر، حال واقعنا الثقافي وخصوصا جوائز الدولة ولجان الإشراف عليها والتصويت النهائي على القوائم النهائية، وجميع مثقفي مصر يعلمون ما يحدث في آليات الاختيار، ويحدث على مرأى ومسمع من الجميع مما يجعل كثيرين يحجمون عن التقدم بالترشح في مثل هذه الجوائز.
لكن عندما يقع ضرر على أي متقدم يقلب الدنيا رأسا على عقب، بعدم شفافية اللجان، وأخطاء إدارية وخلافه وشكاوى هنا وهناك.
وهذا جد أمر مهم قد يحدث حلحلة لحالة الصمت الرهيب عند الناس.
لكن لماذا تحركتم الآن، ألا تعلمون بكل هذه الخروقات من ذي قبل، على الأقل وأقل تقديره، كنتم تسمعون أن فلان حصل على الجائزة دون وجه حق.
أم لأنكم وقع عليكم ظلم بين تحركتم، السؤال، أين كنتم من ذي قبل.؟!
ليس في مجال جوائز الدولة فقط، بل في كل المجالات، في مجال التعليم، نرى الكوارث أمام أعيننا، لكن طالما بعيدة عنا وعن أولادنا لا نتحرك ولا نفعل شيئا، لكن عندما تحصل عندنا الكارثة نتحرك بسرعة البرق.
حتى في تولي المناصب القيادية العليا، نعلم جيدا أن فلانا ليس مكانه وإذا وضع فيه سيفسد ولن يصلح لكن طالما بعيد عني وعن الكرسي الذي أجلس عليه فلا ضير يجلس ويفعل ما يحلو له ونصفق له تصفيقا حادا.
أو كالذين يرون بأم أعينهم أن الديون ستأكل الأخضر واليابس ولن تبقي شيئا ستأتي عليه إلا ستجعله كالرميم، ويصر على الاستدانة الداخلية والخارجية طالما الأمر بعيدا عنهم وعن ذويهم فلتزيدوا من ديونكم وتنهكوا الفقراء والشعوب المعدومة وتنهكوا أجيالا قادمة لسنوات طويلة بديون ليس لهم ذنب فيها ولم يستدينوها.
على الرغم من أن خبراء الاقتصاد وخبراء المال، نبهوا مرارا وتكرارا أن الحلول ليست فى الاستدانة ولدينا النموذج الأمريكي الذي بلغت ديونها بتريليونات الدولارات وقد تتسبب هذه الديون فى القضاء على الغطرسة الأمريكية.
ليس أمريكا وحسب، بل كل دولة تجعل من الاستدانة دأبها وديدنها.
حتى على مستوى الأسر الفقيرة، التي يستدين أولياء أمورها ليطعموا ذويهم، هل الديون هي الحل، لكن يقول استدين اليوم ويسدد عني أولادي فيما بعد.
مالكم كيف تحكمون، بدلا من السعي على الرزق الحلال وتنمية دخل للأسرة نعيش على السلف والدين.
أو كالذي يشاهد الإخوة في غزة يقتلون ويبادون وتهدم منازلهم فوق رؤوسهم ويهجرون من دورهم ويعانون أيما معاناة ولا يتحرك ساكنا لأحد، طالما المشكلة بعيدة عنه.
لكن أقول لهؤلاء جميعا، من الذي قال أن المسألة بعيدة عنكم ولا تخصكم، العدو التاريخي واحد، إذا انتهى من غزة وسيطر على فلسطين فسيتجه إلى جميع الدول العربية والإسلامية ولن يوقفه أحد.
إن اللامبالاة إذا سيطرت على حياتنا فلن نستطيع أن نتواءم مع بعضنا البعض، فما نراه بعيدا عنا وعن بيوتنا واعمالنا وأسرنا حتما سيزحف علينا، وقتها سنندم أشد الندم، لكن لن ينفع الندم ولن يجدي شيئا.
----------------------------
بقلم: د. عادل القليعي
* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق






