تُعدّ القضية الفلسطينية، منذ احتلال فلسطين عام 1948 وإقامة الكيان الصهيوني، واحدةً من أكثر القضايا تعقيدًا واستعصاءً في النظامين الإقليمي والدولي. وقد تعددت القراءات والتحليلات بشأن مستقبل هذه القضية وسبل تسويتها، إلا أن الرؤى المطروحة لا تزال متباينة بصورة كبيرة.
ومن وجهة نظر قائد الثورة الإسلامية، الشهيد الإمام الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية )، فإن السبيل الحقيقي للخروج من الأزمة يكمن في إعادة الأراضي المحتلة إلى أصحابها الأصليين أي الفلسطينيين ، بما في ذلك القدس وسائر الأراضي الفلسطينية، بما يفتح الطريق أمام تحقيق الاستقرار والأمن على هذه الأرض.
وقبل ذلك، كان الإمام الخميني الراحل (رضوان الله عليه) قد أعلن الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك يومًا عالميًا للقدس، في خطوة أعادت القضية الفلسطينية إلى موقعها المركزي في الوعي الإسلامي، ودعت الأمة الإسلامية إلى توحيد صفوفها في مواجهة الاستكبار العالمي والمشروع الصهيوني.
ومنذ ذلك الحين، شهدت مناطق مختلفة من العالم، ولا سيما في الدول الإسلامية، مسيرات وفعاليات واسعة للتنديد بالاحتلال الإسرائيلي وسياساته، وأسهم هذا الحراك في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي، وتسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني، وتعزيز الضغوط الشعبية والسياسية على الكيان الإسرائيلي.
وفي المقابل، يؤمن فريق آخر من المحللين بإمكان الوصول إلى حل يقوم على أساس «الدولتين»، وهو الطرح الذي أخذ يحظى بدعم متزايد لعدد من الدول، بما فيها دول أوروبية كانت تقليديًا أكثر قربًا من إسرائيل. غير أن استمرار الاستيطان والتوسع في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، يجعل مستقبل هذا الخيار موضع تساؤل متزايد.
ومن هنا، فإن مستقبل فلسطين لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، ولا عن التغيرات التي طرأت على موازين القوى الإقليمية والدولية.
القضية الفلسطينية: جذور تاريخية وصراع متراكم
لا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في نزاع ديني أو خلاف حدودي فحسب؛ فهي نتاج مسار تاريخي وسياسي طويل، يبدأ من مرحلة الاستعمار البريطاني ونظام الانتداب، مرورًا بوعد بلفور، ثم إقامة الكيان الإسرائيلي عام 1948 وما رافقها من تهجير واسع للفلسطينيين، وصولًا إلى احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في حرب عام 1967، وما أعقب ذلك من صراع حول حق تقرير المصير، وفشل متكرر في مسارات التسوية السياسية، بما في ذلك مسار أوسلو.
ويمكن استشراف مستقبل القضية الفلسطينية من خلال أربعة متغيرات استراتيجية رئيسية:
أولًا: تعثر نموذج الدولتين وظهور وقائع جديدة
أدى التوسع المستمر في الاستيطان وتغيير المعطيات الجغرافية والديموغرافية في الضفة الغربية إلى تراجع فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًا.
وقد أسهم ذلك في بروز طروحات بديلة، من بينها نموذج الدولة الواحدة القائمة على المساواة في الحقوق بين جميع السكان، إلى جانب استمرار نموذج المقاومة والصراع الممتد، في ظل غياب تسوية سياسية قادرة على معالجة جذور القضية.
ثانيًا: تدويل القضية وتصاعد المسار القانوني
أصبح مستقبل القضية الفلسطينية مرتبطًا بصورة متزايدة بالمحافل والمؤسسات القانونية الدولية، وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تصاعد الحركات المدنية العالمية المناهضة للاحتلال.
كما انتقل جزء من الحراك الدولي تدريجيًا من إصدار البيانات والمواقف الدبلوماسية إلى اتخاذ إجراءات قانونية وسياسية أكثر وضوحًا، الأمر الذي وضع شرعية السياسات الإسرائيلية أمام تحديات متزايدة.
وفي هذا السياق، شكّل إصدار مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو مثالًا بارزًا على تنامي المسار القانوني الدولي المرتبط بالحرب على غزة والقضية الفلسطينية.
ثالثًا: ضرورة الوحدة السياسية الفلسطينية
تُعد الانقسامات الداخلية الفلسطينية من أبرز نقاط الضعف التي تؤثر في قدرة الفلسطينيين على إدارة الصراع سياسيًا وميدانيًا. ولذلك، فإن مستقبل القضية ونجاح أي مسار سياسي يتطلبان تجاوز الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والعمل على تشكيل مظلة سياسية فلسطينية جامعة وقادرة على تمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
إن وحدة القرار السياسي الفلسطيني لا تمثل مجرد خيار تنظيمي، بل تشكل عنصرًا أساسيًا في بناء استراتيجية وطنية قادرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
رابعًا: التحول في موازين القوى الإقليمية
أدى استمرار السياسات الإسرائيلية التوسعية والاعتداءات المتكررة في المنطقة إلى ارتفاع الكلفة السياسية والأمنية المترتبة على استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل، الأمر الذي دفع بعض حلفائها التقليديين إلى إعادة النظر في مواقفهم.
وفي الوقت نفسه، أسهمت التحولات في موازين القوى الإقليمية، وظهور معادلات ردع جديدة، في جعل الحسابات الأمنية الإسرائيلية أكثر تعقيدًا، وأصبحت قدرة الكيان الإسرائيلي على إدارة الصراع وفق المعادلات السابقة تواجه تحديات متزايدة.
وعليه، يبدو أن حالة «اللاحرب واللاسلم» ستبقى حاضرة في المدى القريب والمتوسط، في ظل غياب تسوية شاملة، واستمرار جذور الصراع، وتعقّد المعادلات الإقليمية والدولية.
الجذور التاريخية
في نهاية فترة الانتداب البريطاني، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 خطة تقسيم فلسطين، التي نصت على إقامة دولة يهودية ودولة عربية، مع وضع خاص لمدينة القدس.
ولم يحظَ المشروع بقبول الجانب العربي، لتندلع المواجهات التي انتهت عام 1948 بإقامة الكيان الإسرائيلي.
وفي الخطاب السياسي الإسرائيلي، يُقدَّم هذا الحدث باعتباره «استقلالًا»، بينما يُنظر إليه فلسطينيًا باعتباره «النكبة»، التي أدت إلى تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم ومنازلهم.
وبحلول عام 1949، كان الكيان الإسرائيلي قد فرض سيطرته على نحو 77% من أراضي فلسطين الانتدابية، الأمر الذي أسقط عمليًا الحدود المقترحة في خطة التقسيم الأممية.
وبعد حرب عام 1967، وقعت الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وفي هذا السياق، شكّل قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي أكد مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، أحد الأسس التي استندت إليها مفاوضات السلام اللاحقة، وهو المبدأ الذي أعاد القرار 338 تأكيده.
العقد العالقة
تتسم القضية الفلسطينية بأبعاد سياسية وقانونية وأمنية وإنسانية متشابكة، الأمر الذي جعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة.
ويمكن تلخيص أبرز العقد التي لا تزال دون حل في خمسة محاور أساسية:
1. ترسيم الحدود
يمثل تحديد الحدود النهائية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المحتملة إحدى أبرز القضايا الخلافية. ويُطرح عادةً خط ما قبل حرب عام 1967 أساسًا للتفاوض، مع إمكانية بحث تبادل محدود للأراضي.
2. وضع القدس
تظل القدس واحدة من أكثر قضايا الصراع حساسية. فالفلسطينيون يتمسكون بالقدس الشرقية عاصمةً لدولتهم المستقبلية، بينما أعلن الكيان الإسرائيلي القدس عاصمة موحدة له.
3. قضية اللاجئين
يمثل مصير اللاجئين الفلسطينيين قضية محورية، وتشمل المطالب المطروحة حق العودة، والتعويض وجبر الضرر، وإعادة التوطين، أو الجمع بين عدد من هذه الخيارات وفق ترتيبات قانونية وإنسانية متفق عليها.
4. الاستيطان
أسهم التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية في تغيير المعطيات الجغرافية والديموغرافية، وتقويض التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية، وإضعاف فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بالسيادة ووحدة الأراضي.
5. المعادلات الأمنية
يظهر التباين بوضوح في الرؤى الأمنية؛ إذ يركز الجانب الإسرائيلي على منع الهجمات المسلحة وضمان أمنه، في حين يرى الفلسطينيون أن تحقيق أمن مستدام لا يمكن أن يتحقق من دون إنهاء الاحتلال ورفع الحصار ومعالجة أسباب العنف المستمر.
الوضع الراهن
لا يزال قطاع غزة يمثل بؤرةً لأزمات إنسانية وأمنية وسياسية متشابكة. وقد أدى الدمار الواسع والنزوح وتضرر البنية التحتية والخدمات الأساسية إلى تعقيد الوضع الإنساني بصورة كبيرة.
وتؤكد هذه المعطيات أن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة جذور الأزمة؛ إذ إن أي هدنة ستظل عرضة للانهيار ما لم تترافق مع إطار سياسي واضح لإدارة قطاع غزة، وخطة لإعادة الإعمار، وضمان استمرار دخول المساعدات الإنسانية، وتوفير الحماية للمدنيين، وإعادة بناء الروابط السياسية والجغرافية بين غزة والضفة الغربية.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: إدارة الأزمة بدلًا من تحقيق سلام مستدام
يبدو هذا السيناريو الأكثر احتمالًا على المدى القصير، حيث قد تستمر الهدن المحدودة، وتبادل الأسرى، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإعادة تأهيل جزء من البنية التحتية، في حين تبقى القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والسلاح وإدارة غزة والاستيطان دون حل.
وفي هذه الحالة، قد تنخفض حدة الحرب في فترات معينة، من دون أن يعني ذلك انتهاء الصراع بصورة بنيوية.
السيناريو الثاني: ترسيخ الاحتلال والضم التدريجي للأراضي
إذا استمر التوسع الاستيطاني وتزايدت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، من دون فرض كلفة دولية وسياسية واقتصادية مؤثرة، فإن إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة ستتراجع بصورة أكبر.
وقد يؤدي هذا المسار إلى موجات جديدة من العنف، وتصاعد التوتر والتطرف، وتفاقم حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
السيناريو الثالث: العودة الجادة إلى حل الدولتين
يتطلب هذا السيناريو وقف الاستيطان، وتحديد الإطار الحدودي والوضع القانوني للقدس، ودمج قطاع غزة والضفة الغربية ضمن كيان سياسي فلسطيني واحد، فضلًا عن توفير ضمانات أمنية موثوقة ومتبادلة.
وقد يشكل الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية أرضية سياسية لهذا المسار، إلا أن الاعتراف وحده لن يكون كافيًا ما لم يقترن بآليات تنفيذ وضغوط سياسية وقانونية عملية.
السيناريو الرابع: التحرك التدريجي نحو دولة واحدة بحقوق متساوية
إذا أصبح قيام دولتين منفصلتين أمرًا متعذرًا من الناحيتين الجغرافية والعملية، فقد تتزايد الدعوات السياسية والقانونية والمدنية نحو إقامة كيان سياسي واحد يقوم على المساواة الكاملة في المواطنة والحقوق، بما في ذلك حق التصويت وحرية التنقل ومعالجة قضية اللاجئين.
غير أن هذا الخيار يواجه بدوره عقبات عميقة تتعلق بهوية الدولة وتركيبتها السكانية وتوزيع السلطة ومعادلات الأمن، ولذلك يبدو تحقيقه في المدى القريب أمرًا بالغ الصعوبة.
التقييم النهائي
تشير المعطيات الواقعية إلى أن تحقيق سلام شامل في فلسطين خلال السنوات المقبلة يبدو أكثر صعوبة من الوصول إلى تفاهمات مؤقتة وهشة.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى حل مستدام يبقى ممكنًا فقط إذا عولجت جذور الصراع، وفي مقدمتها قضية الاحتلال، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ووقف الاستيطان، وضمان أمن المدنيين، واحترام القواعد القانونية الدولية، وتوفير ضمانات حقيقية لأي تسوية سياسية.
فالأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يستند بصورة دائمة إلى استمرار الاحتلال، كما أن تحقيق السلام لن يكون ممكنًا عبر تجاهل الحقوق الفلسطينية.
وأي خطة، سواء قامت على أساس دولة واحدة أو دولتين، لن تكون قادرة على إنهاء الصراع ما لم تستند إلى مبادئ العدالة والمساواة في الحقوق، ومعالجة قضية اللاجئين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتوفير ضمانات دولية موثوقة وقابلة للتنفيذ.
ومن بين السيناريوهات المطروحة، يبدو أن أحد أبرز التحولات الاستراتيجية يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على الحفاظ على معادلات الردع والسيطرة السابقة، بالتزامن مع اتساع الوعي العالمي بمعاناة الشعب الفلسطيني وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياسات الاحتلال والاستيطان.
كما أن المواجهة المتزايدة بين الحكومة الإسرائيلية وبعض المؤسسات الدولية، ولا سيما المؤسسات القضائية، أسهمت في تسليط الضوء على حدود النظام الدولي وآليات عمله، وأثارت في الوقت نفسه نقاشًا متصاعدًا حول فاعلية المؤسسات الدولية في حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي.
وعليه، فإن مستقبل القضية الفلسطينية لن يتحدد فقط داخل قاعات التفاوض، بل سيتأثر أيضًا بما يجري على الأرض، وبقدرة الفلسطينيين على بناء وحدة سياسية ومجتمعية، وبالتغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية.
وفي ظل استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني، ستبقى المقاومة، بمختلف أشكالها التي يقرها القانون الدولي، عنصرًا حاضرًا في معادلة الصراع، بينما يظل الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة مرتبطًا بإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.
إن القضية الفلسطينية، في جوهرها، ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل قضية شعب وحقوق وأرض وذاكرة تاريخية. ولذلك فإن أي معالجة لا تتعامل مع هذه العناصر مجتمعة ستبقى عاجزة عن إنتاج سلام مستدام، وستؤدي، في أفضل الأحوال، إلى إدارة الصراع بدلًا من إنهائه.
وفي هذا السياق، يستحضر الخطاب الديني قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
[الحج: 40]
ويقول سبحانه وتعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾
[القصص: 5-6]
ويبقى السؤال المفتوح: هل تتجه المنطقة نحو تسوية تاريخية تعالج جذور القضية، أم نحو مرحلة جديدة من الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل فلسطين وحدها، بل ستسهم في تحديد شكل النظام الأمني والسياسي في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي _ إيران







