يقول ابن القيم في كتابه مدارج السالكين "الدين كله خُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين". هذه المقولة الشهيرة تدل على أن الأخلاق جوهر الدين وليست من المكملات أو لزوم الديكور ، وبالنظر إلي الواقع المعاش أصبحت الأخلاق في أجازة رسمية على المستويين الرسمي والشعبي، نتيجة فوضى المعرفة وفوضى الطرح التي تحدث عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الإحتفال بالمولد النبوي الشريف.
فوضى المعرفة والطرح ليست قاصرة على مايبث في قنوات الإخوان من أجل التأثير على المصريين، بل أصبحت هذه الفوضي تعج بها وسائل التواصل الإجتماعي وتلاحقها المواقع الصحفية الإلكترونية من أجل زيادة المشاهدات.
فقد ادت الفوضى إلى استباحة حياة وخصوصيات المصريين، وأصبح الكل يتابع ماذا حدث مع الديلفري الذي أعطاه احد العملاء طعاما ليس جيدا وكأن هذه هي أزمة المجتمع، او زميله الصائم الذي يفطر في الحديقة فيطرده احد السكان. او هذه الفتاه التي تشكو امها، وذاك الصبي الذي يعاني من تقصير ابيه وتلك المرأة تخون زوجها، وهذه البنت تخدع اهل بيتها من أجل حبيبها، والطالبة التي رقصت مع المطرب الشهير فتمايل على خصرها كل المصريين، وغيرها من القصص والحكايات التي تحدث في كل وقت وكل مكان بشكل معتاد، ولكن الفراغ الذي يعيشه الناس في ظل تراجع دور العلم وانهيار قيمة العمل وغياب المعرفة وانحسار دور الدين والمسجد واقتصارهما على أداء عدة صلوات. والموت السريري للمؤسسات الثقافية والحزبية.
لقد ساهم هذا الغياب الشعبي وذاك التقصير الرسمي في جعل هذه السفاهات البديل الذي يملأ حياة الناس وتأخذ حيزا واسعا من وسائل التواصل الإجتماعي والإعلام، وغدت هذه التفاهات تتصدر المشهد ومنحت اللاشىء الضوء ليصبح شيئا في عيون متابعي اللا شيء.
في الوقت نفسه سارت الصحف ووسائل الإعلام في هذا المستنقع، فتضع عناوين خاليه من كل شىء، سوى الإثارة والتفاهة.
هذه الفوضي في الطرح حولت المصائب والأحداث الفردية العادية إلى قضايا رأي عام مصطنع، دون أن يدري هؤلاء الفوضويون أن المصيبة اذا خصت هالت واذا عمت هانت، أي أن تناول هذه المصائب بهذا الشكل الفج يعزز انتشارها في المجتمع. في حين يؤكد علم الاجتماع أن مثل هذه الأحداث يجب معالجتها داخل الأسرة لمنع انتشارها واستسهالها.
أمام هذه الفوضي تراجعت قيمة وقامة العمل الحقيقي، والإنتاج الفعلي، وبات الكل يبحث عن السبوبة والوظيفة المريحه التي لا تتطلب التزاما ولا إنتاجا.
وهذه الفوضى في المعرفة والطرح جعلت العروسة الترند الأكثر مشاهدة، والعريس النذل الأكثر قراءة، ليس لاحتواء موضوعاتهما على شىء جديد، او مفيد، بل لملء فراغ عقول متابعي ومستحدمي وسائل التواصل الإجتماعي.
هذه الفوضي كشفت عورات المجتمع رسميا وشعبيا، فالمسجد لايقوم بدوره في تعليم الناس بعضا من القيم ولا ترسيخا للأخلاق. والمدرسة فقدت دوريها التربوي منذ زمان بعيد وكذلك دورها التعليمي بعدما منحته لسناتر الدروس الخصوصية في مشاهد لا يوجد لها نظير في أفقر دول العالم.
اما الإعلام بكل مشتملاته ومن بينها وسائل التواصل الإجتماعي فقد أصبح وسيلة للتسطيح ونشر سفاسف الأمور والزج يمعلومات مغلوطة في ظل غياب الرقابه عن الدور الاجتماعي والنربوي والديني وحصرها في الجانب السياسي فقط.
أما مراكز البحوث والدراسات الاجتماعية فغائبة تماما عن دراسة تلك الظواهر ومحاصرتها قبل انتشارها.
هذه الأخطار تعدت حدود الوطن وأصبحت عنوانا مثيرا في الكثير من المواقع والصحف العربية والأجنبية، مما دفع اكاديمي سعودي لنشر تفريدة على موقع اكس عن هذه الثقافة التافهة وتلك الممارسات غير الأخلاقية، فتنهال عليه عشرات التعليقات التي تشكو مما اصاب المصريين وتستنكر التغير في سلوكهم.
ووصل الأمر أن قالت كريستالينا جورجيف مديرة صندوق النقد الدولي أن مشكلة مصر إدارية وأخلاقية.
فلم يكن الفقر يوما عيبا ولا نقصا ولكن العيب الحقيقي أن يصبح المجتمع فربسة لهذا الطرح وضحية لهذه الفوضي. محليا ويتم معايرته بها عربيا ودوليا.
-------------------------------
بقلم: رمضان العباسي






