(هل هذا ال CUT مهني "ولا أنا باستعبط "؟ هذا سؤال حقيقي.. فقد كان مقررا أن ألتزم بمواعيد نشر الحلقة الثانية من حديث "الهوامير والبساريا".. لكن ماحدث في القاهرة امس يجبر الكاتب أنه "يتكلم وما يسكتش.. شرط انه ميتحبسش"!
- البلد "اتشلت" امبارح.. البلد أعني بها العاصمة العريقة.. القاهرة.. مصر العتيقة.. وليس عاصمة أهل الحكم.. وقلعة الحماية الجديدة كما أعلن عنها رئيسنا المفدى حفظه الله.
حينما تئن وتتعب القاهرة لا تتداعي لمرضها العاصمة الإدارية بالسهر والحمى على الإطلاق.. بالعكس.. ربما تنطق جنبات وجدران وطوب الأرض هناك، وتدعو على القاهرة "تتشل"كمان وكمان و "متقومش" أبدا من رقدتها!
"مين السبب"؟ لا نسأل عمن كان السبب في الحب أولا.. وإنما من كان سبب "بلوة القاهرة المسَيَّحة"، التي ساحت تحت بركان غضب الشمس الحارقة، التي اندلعت صباح أمس السبت (٢٩ أغسطس) ولأكثر من ساعتين ونصف.. شُلَّت أثناءها الحركة تماما!
من؟ من هو؟ هل هو شخص محلي.. مدير أمن، رئيس قطاع.. وزير داخلية.. رئيس مجلس.. أحمد موسى مثلا خارجا من العناية المركزة إلى بيته؟ نشأت بيه الديهي "رايح يزوره ومعاه عربية ورد.. مليانه جهنمية وقطيفة وسنديان مرسله من عمرو ولميس وباقي الزمل"؟ متفهمش.. حتما يسري البدري كبير محرري الحوادث اليوم يعرف.. حسين عبد القادر كولمبو المصري الشهير.. محمد صلاح الزهار الإخباري العتيد.. وجب سؤالهم عن سبب شلل المرور في القاهرة لمدة ساعتين، قضاها الناس في سياراتهم وفوق موتوسيكلاتهم وترووسيكلاتهم وتكاتكهم و "على عوض طبعا ، فمايزال موجودا، في عز الحر والناس بتشر عرق.. وشربت من كيعانها ..
متقدم ومتطور جدا في واقع الأمر!
- فكر أمني متقدم يجعلك تلف وتدور حول نفسك كالأبله (استميحك عذرا .. الأبله هذا ليس صنيعة دوستيوفسكي ولا المخرج أكيرا كيروساوا الذي أخرج نسخة يابانية عن القصة وإيفان بيريف الذي اخرج نسخة روسية عنها.. وإنما هذا الأبله كان أنا.. وكل "الابالهة" أمثالي الذين راحوا يكلمون أنفسهم، منذ التاسعة والنصف صباح أمس!
كنت دائما ما أكتب قائلا إن الحكومة بل والنظام كله "مش شايفيننا" (شايفينكو كان هاشتاج مهم ظهر بعد الثورة، يفضح الأخطاء وينقل المظالم، وكان "فُضَحي" حقيقي، لكنه توقف!) وحدث أن زميليّ محمود عابدين و ناصر حسين - رفيقان من رحلة منتدي الأداء النقابي إلى الإسماعيلية مؤخرا - ركبا مع سائق تاكسي اسماعيلاوي، بثهما همومه وقرفه، واستخدم تعبير "همه مش شايفيننا خالص". قالها لي محمود عابدين كأن الجملة صكها في الأصل "سواق التاكسي".. لابأس، أنا لا أطالب بحق أداء علني عن جملتي الأصلية، ولست خياليا حتى أظن أن الرجل قرا مقالاتي وتأثر بها، إلى حد أنه حفظ الجملة التي اكتبها دائما (بمناسبة وليس من دون ذلك أبدا) وبالتالي لا أتصور أنه استخدم تعبيري (مش شايفيننا) حفظا له، وإنما أريد أن أقول إن الناس "بقت مِنَفِده" على بعض.
مشهد الشلل المروري المحزن، كان ممكنا أن يكون شرارة غضب تنفجر بين الناس.. فالطريق المغلقة ابتداء من كوبري شيراتون وصولا إلى شارع رمسيس مرورا بالتحرير والفلكي وقصر العيني.. وكباري أكتوبر ومايو، أغلقت ولم تفلح محاولاتي في الهروب عبر شارع وكالة البلح.. فتحة الدخول إلى ماسبيرو أغلقت.. ويغيظ، أن أسفل طريق الكورنيش المتجه إلى شبرا تتدحرج عليه بعض السيارات "بنت المحظوظة"، أما الطريق الأيمن الموازي لها (من تحت برضه) فلايوجد عليه "صرّيخ ابن يومين ولا تلاته ولا عربية ولا حتى تروسيكل".. تمنيت الهروب من زنقة السيارات.. ربما لو كنت في زنقة ستات إسكندرية في عز الحر، لكان الوضع على قلبي زي العسل (هههه). لم أفلح .. فعناصر الشرطة سدت الثغرة إلى ماسبيرو بالمتاريس الحديدية وأصبح إجباريا الدخول إلى شارع الوكالة "رغم اني لا اشتري الباله، التي يرتدي منها كثيرون ملابس فاخرة وإن كانت "ملبوسة" قبل كده. ماتزال المحال كلها مغلقة.. والناس نيام، بينما يتصاعد أنيننا إلى السماء، بكل مافينا من غضب وضيق، ونُمَنيي انفسنا كل دقيقة بانفراجة قريبة ولكن هيهات. خيالي الخصب ألهمني أن الله أرسل لي طائر "الرخ" فأنشب مخالبه في سقف عربيتي الخنفساء الهتلرية الصغيرة، فحملها وعبر بها فوق السيارات وأنقذني من ذلك السائق الميكروباصي التعس، الذي يضرب ترامادول "عالصبح" وكل شوية يقصف عربيتي من الخلف، وانا أهديء من روعي كابتا مشاعري: لا تكن أنت السبب في شرارة الغضب التي تندلع هذه الساعة.. كان ممكنا أن أنزل غاضبا لأوبخه على سوء قيادته ومعي حق، فهو يضربني من الخلف. وإذا صدمك أحد - يحترم نفسه - من الخلف فسوف يطاطيء رأسه ويعتذر .. لكن "الميكروباصاتجي" لابد أن يتفتق ذهنه عن افتكاسة.. (بزعيق بقا وخدوهم بالصوت: أنت عربيتك قديمة من أيام هتلر.. ايه العربية دي؟ انت مبتعرفش تسوق.. انت اللي ريحت عليا.. انت اللي قتلت الوحش انت على بابا والأربعين حرامي مش دوكهمة!) وبالتالي قد يسحب علىَّ سنجة، وأسحب عليه عصاية الفتيس المخلوعة عندي.. وتبقى حكاية.. وينزل قادة العربيات جميعا (عدا قائدي السيارات من ذوي الأملاك في الساحل الشرير، فسوف يشغلون التكييف ويشاهدون العرض المسرحي من الزجاج "المتْفَمْيه") ولكن ليس هذا وحده ما منعني من سحب عصاية الفتيس - أو حتى الغليَّه - بجانب أنني لم أكن أريد أن أبدا بالضربة الأولى (وقلت لنفسي أتحملها) وانما كل ماشغلني أنني في النهاية إذا ذهبنا إلى البوليس ودخلنا القسم "مش هنلاقي حد يعمل محضر"، فأظن وبعضه إثم عظيم وبعضه الآخر ليس كذلك أن كلهم في الشارع! الجو نار.. لماذا يا ألله اخترت لنا لهذا المشهد العصيب صباح يوم قائظ الحرارة؟ مكثنا عشرات الدقائق في الشارع "لا شغلة لنا ولا مشغلة".. هل ننزل من سياراتنا لنلعب استغماية أو الحكشة "أو نلعب "كورة شراب"، كما حدث من بعضهم والذي كتب بوستا بهذا المعني، تضاحكنا عليه أنا و صديقي اسامة سلامة؟ أم نحاول أن نجلس على قهوة كما اقترح؟ لكن كيف نفعل ذلك ولا يوجد مكان نركن فيه كما تساءل؟ ليس أمامنا سوى احتساء الماء البارد، وقد سخن في الطريق، والسجائر المشتعلة أكثر في صدورنا الغاضبة! نبسمل ونحوقل (قل ادع الله إن يمسسك ضر / ووجه ناظريك إلى السماء)
أتخيل فعلا ان النسر او الرخ حملني بالسيارة قافزا فوق كل السيارات وعبر بي إلي حدائق الزيتون رأسا، بينما نظرات الناس كلها معلقة بي وبعربيتي، حتى أنهم قد يتباركون بي ويعلنوني شيخ طريقة وتنهال على الأموال والذهب والفضة والديوك الرومي والحمام وربما أضاعف الرسوم بحسب كل حالة .. متميزا عن الحكومة التي ترفع الأسعار وتفرض الرسوم "وزي ماتيجي تيجي ومطرح ماترسي دق لها"!
- لن أحدثكم عن ساعة الانفراج، فحتما كلكلم لو كنتم مكاننا ستعلنون الأفراح والليالي الملاح وقد يضرب بعض حائزي "الفرد المحلي والغدارات" الرصاص في الهواء، ابتهاجا بالنصر المظفر وكأننا ذاهبون إلى عكا.. هي عك في عك فعلا!!
- لماذا تغلق الشوارع بهذا الشكل القاسي الفظيع؟ ولماذا يتحمل الناس في القاهرة - غير المحمية الان.. مقارنة بالعاصمة الجديدة.. هذا البلاء والعناء؟ هل تصلح القاهرة لمثل هذه الاستقبالات؟ يقولون ان رئيس الصين كان هو الزائر الذي جاء الينا في هذه الساعة.. يا اهلا ومرحبا.. لكن لماذ يؤتى به منقولا بالعربات؟ الي آين يذهب وفي أي مكان ينزل؟ هل تجرؤون أن تذهبوا به ليلقي رسالة ترحيب أمام النواب أو الشيوح؟ لماذا لا تنقلونه إذا بـ"فكر أمني متأخر عبر الطائرات الهليكوبتر"؟ لماذا تلجأون إلى "الفكر الأمني المتقدم"، حيث تنقلون ضيفا كبيرا عزيزا (من ريحة الحبايب شواين لاي، وماو ، وتلك الايام الجميلة) إلى قلب القاهرة بالسيارات؟ من ابتكر هذه الفكرة؟ من طرائف الأمور أن يتصور سائق أوبر أن السبب هو وزير "هيعدي" من فوق الكوبري.. ويتساءل: "طيب بيقفلوا تحت ليه؟ ماهو فوق واحنا تحت؟ ( هل يمكن إغلاق طرق كبري وكثيرة في مصر من اجل عبور وزير!!
لو أنني جلست أكتب هذا المشهد المريع لـ"جريدة المشهد"، فربما أكتب للصبح! رجاء ورجاء حارا "بلاش تعملوا كده تاني"، وبلاش فكر أمني متقدم .. تأخروا واستخدموا الهليكوبتر قدمكم الله!
-------------------------
بقلم: محمود الشربيني






