05 - 09 - 2026

خطًة الحسم الصهيونية: حين تتحول الأيديولوجيا إلى مشروع لإعادة تشكيل فلسطين البشير عبيد

خطًة الحسم الصهيونية: حين تتحول الأيديولوجيا إلى مشروع لإعادة تشكيل فلسطين  البشير عبيد

لم تعد «خطة الحسم» التي صاغها بتسلئيل سموتريتش مجرد وثيقة أيديولوجية تعبّر عن رؤية اليمين الصهيوني الأكثر تشددًا إلى الصراع الفلسطيني ـ "الإسرائيلي"، بل تحولت تدريجيًا إلى إطار فكري وسياسي يساعد على قراءة جانب مهم من التحولات الجارية في الضفة الغربية. وما يمنحها خطورتها ليس فقط ما تتضمنه من تصورات بشأن الأرض والسكان والسيادة، وإنما انتقال بعض أفكارها من مستوى النص السياسي إلى مستوى الممارسة، حيث يتقاطع الاستيطان مع السيطرة الأمنية، وتتداخل إعادة هندسة الجغرافيا مع إضعاف الحضور السياسي الفلسطيني.

لقد كتب المحلل الإسرائيلي ناحوم برنياع في «يديعوت أحرونوت» في أغسطس/آب 2023، مستعيدًا مضمون الخطة، أن سموتريتش يريد مضاعفة أعداد المستوطنين اليهود في الضفة، وتوسيع البؤر الاستيطانية، ثم تفكيك السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى وضع الفلسطينيين أمام خيارات محدودة. وبعد ذلك بعامين، كتب رون بن يشاي في الصحيفة نفسها أن ما يجري في جنين وطولكرم يمثل، في تقديره، تجسيدًا لخطة الحسم التي وضعها سموتريتش.

بين النصين مسافة زمنية، لكن ثمة خيطًا سياسيًا واحدًا: هل انتقلت «خطة الحسم» من كونها مشروعًا أيديولوجيًا إلى كونها سياسة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني؟

من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه

لفهم خطورة «خطة الحسم»، ينبغي أولًا تجاوز شخص سموتريتش والنظر إلى الخلفية الفكرية التي أنتجت المشروع. فقد ظهرت الخطة عام 2017 في سياق صعود تيار يميني إسرائيلي يرى أن الصراع العربي / الصهيوني لم يعد قابلًا للتسوية عبر صيغة الدولتين، وأن المطلوب ليس إدارة الصراع وإنما إنهاؤه من خلال فرض تفوق إسرائيلي دائم على المجال الممتد بين البحر والنهر.

هذه النقلة الفكرية ليست تفصيلًا ثانويًا.

فإدارة الصراع تعني إبقاء أبواب معينة مفتوحة أمام التسوية، حتى وإن كانت هذه الأبواب ضيقة ومؤجلة. أما «الحسم» فيعني أن التسوية نفسها تصبح موضع شك، وأن المطلوب هو تغيير شروط الصراع بحيث يفقد الطرف الفلسطيني قدرته على فرض خيار سياسي منافس.

وهنا يتحول الاستيطان من سياسة توسع إلى أداة استراتيجية.

فالمستوطنة ليست مجرد مبنى جديد أو تجمع سكاني؛ إنها في منطق المشروع، نقطة ارتكاز للسيطرة على الأرض، وربط المناطق، وتغيير المعادلة الديموغرافية، وتثبيت شبكة جغرافية تجعل قيام كيان فلسطيني متصل وقابل للحياة أكثر صعوبة.

إنها سياسة تقوم على صناعة الوقائع قبل صناعة التسويات.

ولهذا فإن أخطر ما في «خطة الحسم» أنها لا تقدم نفسها بوصفها مجرد رفض لحل الدولتين، وإنما بوصفها مشروعًا لإعادة إنتاج الواقع الذي يجعل حل الدولتين مستحيلًا أو بالغ الصعوبة.

وهنا يتغير السؤال.

لم يعد السؤال فقط: ماذا تريد إسرائيل أن تفعل في المفاوضات؟

بل: ماذا تفعل إسرائيل على الأرض قبل أن تصل المفاوضات أصلًا؟

إن الفارق بين السؤالين هو الفارق بين السياسة باعتبارها تفاوضًا، والسياسة باعتبارها إعادة تشكيل للواقع.

الضفة الغربية بوصفها مختبرًا للحسم

إذا كانت «خطة الحسم» قد بدأت كنص أيديولوجي، فإن الضفة الغربية تمثل المجال الذي يمكن من خلاله اختبار مدى انتقال الأفكار إلى سياسات عملية.

فالسيطرة على الأرض لا تتحقق فقط بالوجود العسكري المباشر، وإنما أيضًا عبر شبكة متداخلة من الاستيطان، والطرق، والمناطق العسكرية، والإجراءات الإدارية، ومصادرة الأراضي، وإعادة تنظيم المجال الجغرافي.

ومن هنا تصبح الجغرافيا نفسها أداة سياسية.

كلما توسع الاستيطان، وتقطعت المناطق الفلسطينية، وتزايدت نقاط السيطرة، تراجعت المساحة المتاحة أمام قيام كيان فلسطيني متصل. وكلما أصبح المستوطنون جزءًا أكثر رسوخًا في المجال الجغرافي، أصبحت أي عملية انسحاب أو تفكيك مستقبلية أكثر تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا.

وهكذا لا يعود الاستيطان مجرد نتيجة للصراع، بل يصبح وسيلة لإعادة تعريف شروط الصراع.

في هذا السياق يمكن فهم تصريحات رون بن يشاي بشأن جنين وطولكرم، باعتبارها محاولة لقراءة العمليات العسكرية ضمن تصور أوسع يتجاوز البعد الأمني المباشر.

لكن المسألة لا تتوقف عند العمليات العسكرية.

فإضعاف السلطة الفلسطينية يمثل الوجه الآخر للمشروع.

لقد نشأت السلطة في سياق اتفاقات أوسلو باعتبارها إطارًا انتقاليًا للحكم الفلسطيني، ثم تحولت بمرور الزمن إلى مؤسسة سياسية وأمنية وإدارية تدير أجزاء من الضفة. غير أن إضعافها أو تفكيك وظائفها يمكن أن يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني تكون نتائجه بعيدة المدى.

هنا تظهر مفارقة أساسية.

إذا كان الهدف المعلن هو تحقيق الأمن، فإن إضعاف البنية السياسية الفلسطينية قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة: مزيد من الفوضى، ومزيد من الاحتقان، ومزيد من الصدام.

أما إذا كان الهدف هو إزالة آخر الأطر التي يمكن أن تتحول إلى نواة دولة فلسطينية، فإن تفكيك السلطة يصبح جزءًا من منطق «الحسم».

وهذا هو أحد أخطر التحولات التي ينبغي الانتباه إليها: لم تعد المعركة فقط على الأرض، وإنما على المؤسسات التي تمنح الأرض معنى سياسيًا.

فالسيطرة على الأرض دون السيطرة على المجال السياسي لا تحقق مشروعًا مكتملًا. ولذلك يتكامل الاستيطان مع إعادة هندسة السلطة، وتتكامل الجغرافيا مع السياسة، ويصبح الاحتلال أكثر قابلية للتحول إلى واقع دائم.

من هنا يمكن فهم ما يوصف أحيانًا بالضم الفعلي أو «الضم الزاحف»: أي بناء واقع سياسي وإداري يجعل الحدود بين الاحتلال والضم أكثر التباسًا، حتى من دون إعلان قانوني شامل في لحظة واحدة.

إنها عملية تراكمية؛ لا تحتاج إلى حدث واحد كبير، لأنها تتحقق عبر عشرات الإجراءات الصغيرة التي تعيد تشكيل الواقع تدريجيًا.

ماذا بعد إغلاق الطريق أمام الدولة الفلسطينية؟

تكمن المعضلة الكبرى في «خطة الحسم» في أنها قد تفترض إمكانية إنهاء الصراع من خلال إلغاء الخيار السياسي الفلسطيني، بينما التاريخ السياسي للصراعات القومية يقول إن إلغاء المطالبة السياسية لا يعني إلغاء أسبابها.

قد تستطيع القوة أن تغير الخرائط، لكنها لا تستطيع وحدها أن تغير الذاكرة والهوية والانتماء.

وقد تستطيع السيطرة العسكرية أن تمنع قيام دولة في لحظة معينة، لكنها لا تستطيع أن تنتج سلامًا دائمًا إذا بقي ملايين الفلسطينيين خارج معادلة الحقوق السياسية الكاملة.

هنا تنتقل القضية من سؤال «الدولة الفلسطينية» إلى سؤال أكثر عمقًا: ما هي طبيعة النظام السياسي الذي سينشأ إذا أُغلقت نهائيًا إمكانية الدولتين؟

فإذا كانت هناك أرض واحدة تحت سيطرة إسرائيلية، وسكان فلسطينيون لا يتمتعون بالحقوق السياسية نفسها، فإن العالم سيجد نفسه أمام واقع سياسي مختلف جذريًا عن الصيغة التي قامت عليها عملية السلام طوال العقود الماضية.

هذا الواقع سيعيد طرح قضايا الاحتلال والضم والتمييز والحقوق والمواطنة والسيادة بصورة أكثر إلحاحًا.

ومن هنا فإن «الحسم» قد يحمل في داخله نقيضه.

فمحاولة فرض حل أحادي الجانب قد لا تنهي الصراع، وإنما قد تنقل الصراع من سؤال الحدود إلى سؤال النظام السياسي والحقوق.

هذا يعني أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة تاريخية شديدة الصعوبة: كلما نجحت في منع قيام دولة فلسطينية، ازداد إلحاح السؤال المتعلق بمصير الفلسطينيين الذين يعيشون في الأرض نفسها؛ وكلما توسعت في فرض السيطرة، ازدادت مسؤوليتها السياسية والقانونية عن الواقع الذي تنتجه.

وهنا تحديدًا تتجاوز المسألة سموتريتش وحزبه وحكومته.

إنها تتعلق بمستقبل فلسطين نفسها، وبمستقبل المشروع السياسي الإسرائيلي، وبمستقبل النظام الإقليمي والدولي الذي تعامل لعقود مع حل الدولتين باعتباره الصيغة المرجعية لإنهاء الصراع.

لقد حاولت «خطة الحسم» أن تقدم إجابة إسرائيلية أحادية عن سؤال فلسطيني ـ إسرائيلي معقد: لا دولة فلسطينية، ولا انسحاب، ولا عودة إلى معادلات التسوية السابقة، بل فرض وقائع جديدة تجعل الفلسطيني أمام واقع سياسي مختلف.

لكن التاريخ لا يضمن أن تكون الوقائع التي تفرضها القوة هي الوقائع التي تستقر عليها السياسة.

فالأرض يمكن السيطرة عليها، أما المستقبل فلا يمكن احتكاره بالقوة وحدها.

ولهذا فإن ما يجري في الضفة الغربية لا ينبغي قراءته باعتباره سلسلة أحداث منفصلة: مستوطنة هنا، عملية عسكرية هناك، مصادرة أرض، أو إجراء إداري جديد. فالمشهد، في مجموعه، يكشف صراعًا على شكل المستقبل نفسه.

بين مشروع يريد حسم فلسطين عبر إعادة تشكيل جغرافيتها وديموغرافيتها وسياساتها، ومشروع فلسطيني يصر على أن الأرض لا يمكن فصلها عن شعبها وحقوقه وتطلعاته السياسية.

في هذه المنطقة الفاصلة بين الخطة والواقع، وبين الاحتلال والضم، و بين القوة والشرعية، ستظل الضفة الغربية إحدى أهم ساحات الصراع على مستقبل القضية الفلسطينية، ليس لأنها مجرد جزء من الأرض المحتلة، وإنما لأنها تمثل السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن فرض نهاية للصراع بإلغاء أحد أطرافه، أم أن محاولة الحسم قد تكون بداية مرحلة جديدة من الصراع؟
-------------------------------
بقلم: البشير عبيد
* كاتب صحفي تونسي وباحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية.

مقالات اخرى للكاتب

الوطن العربي بين عاصفة التحولات وسؤال المستقبل: هل نملك شروط الخروج من الأزمة؟