12 عامًا صنعت تقاربًا استثنائيًا بين مصر والصين.. "شي" يعود إلى القاهرة بعد عقد في عام الذكرى السبعين للعلاقات
لم تعد العلاقات المصرية الصينية مجرد علاقة دبلوماسية تقليدية بين دولتين تجمعهما مصالح سياسية واقتصادية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر العلاقات الآسيوية العربية حضورًا وتنوعًا، بعدما امتدت من دوائر السياسة والاقتصاد إلى التعليم والثقافة والسياحة والآثار والتكنولوجيا والتبادل الشعبي، وصولًا إلى فضاء جديد لم يعد يحتاج إلى سفارات أو موائد مفاوضات، وإنما يكفيه هاتف محمول ومنصة للتواصل الاجتماعي.
وفي عام 2026، تبدو القاهرة وبكين أمام لحظة استثنائية في تاريخ علاقاتهما؛ فبينما تحتفل الدولتان بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، تستعد مصر لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينج في زيارة رسمية هي الأولى له إلى القاهرة منذ عشر سنوات، في توقيت يحمل دلالات سياسية واستراتيجية وشعبية بالغة الأهمية. فقد بدأت العلاقات رسميًا في 30 مايو 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين.
لكن اللافت في مسيرة السنوات الأخيرة أن التقارب لم يعد يتحرك فقط من أعلى إلى أسفل، أي من القيادة إلى المؤسسات والشعوب، وإنما أصبح يتحرك في الاتجاهين؛ فكما أصبحت الصين شريكًا رئيسيًا في مشروعات مصر الكبرى، أصبحت مصر في المقابل حاضرة بقوة في الوعي الشعبي الصيني، ليس فقط باعتبارها بلد الأهرامات والفراعنة والنيل، وإنما كوجهة سياحية وثقافية وإنسانية تحظى باهتمام متزايد لدى الصينيين.
السيسي وشي .. بداية مرحلة مختلفة
يصعب الحديث عن الطفرة التي شهدتها العلاقات المصرية الصينية خلال العقد الأخير دون التوقف أمام التزامن اللافت بين وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في مصر، وتولي الرئيس شي جين بينج قيادة الصين.
ففي ديسمبر 2014، قام الرئيس السيسي بزيارة إلى الصين، والتقى الرئيس شي جين بينج، وفي 23 ديسمبر من العام نفسه قرر الرئيسان الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، لتدخل العلاقات بين القاهرة وبكين مرحلة جديدة من حيث حجم التنسيق وطبيعة المشروعات وأهداف التعاون.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد الشراكة مجرد عنوان سياسي، بل بدأت تتحول إلى مشروعات واقعية على الأرض.
الصين شاركت في مشروعات مصرية كبرى، من بينها حي المال والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي للعاشر من رمضان، ومشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، كما امتد التعاون إلى الفضاء من خلال إطلاق القمر الصناعي المصري «مصر سات-2»، فضلًا عن التعاون في مجالات النقل والبنية التحتية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.
وفي المقابل، تطورت العلاقات الاقتصادية لتشمل توجهًا مصريًا واضحًا نحو جذب مزيد من الاستثمارات الصينية، خصوصًا في مجالات التصنيع وتوطين التكنولوجيا والسيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة الشمسية والصناعات الكيماوية ومواد البناء والتكنولوجيا الزراعية.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات العلاقة الجديدة: مصر لا تريد فقط استيراد التكنولوجيا الصينية، وإنما تسعى إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة داخل السوق المصرية.
من الشراكة الاستراتيجية إلى «مجتمع المستقبل المشترك»
في مايو 2024، وخلال زيارة الرئيس السيسي إلى الصين، أكد الرئيسان التطور الكبير الذي شهدته العلاقات منذ إطلاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، واتفقا على الارتقاء بها إلى آفاق أرحب، وصولًا إلى هدف بناء «مجتمع المستقبل المشترك في العصر الجديد».
كما أطلق البلدان «عام الشراكة المصرية الصينية» في 2024، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وشهد العام فعاليات اقتصادية وتجارية واستثمارية وثقافية وسياحية متعددة.
ولم تكن هذه الخطوة مجرد احتفال رمزي؛ فقد وقّع البلدان البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للأعوام 2024-2028، باعتباره خارطة طريق لتطوير العلاقات، مع التركيز على توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة الاستثمارات الصينية في مصر، وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والإعلام والثقافة والتعليم والسياحة.
وهكذا انتقلت العلاقة تدريجيًا من «التعاون» إلى «الشراكة»، ومن الشراكة إلى محاولة بناء مصالح مشتركة طويلة الأمد.
القصة الأهم.. حين انتقلت العلاقة من الحكومات إلى الشعوب
لكن ربما يكون التطور الأكثر إثارة في العلاقات المصرية الصينية هو ذلك الذي لا يظهر في بيانات القمم والاتفاقيات، إنه التطور الذي حدث في الشارع، فالصيني الذي كان يعرف مصر من صور الأهرامات وأبو الهول وكتب التاريخ، أصبح اليوم قادرًا على أن يعيش تجربة مصر قبل أن يزورها؛ يشاهد شوارع القاهرة، ويتابع حياة المصريين، ويشاهد الأسواق والمطاعم والنيل والأقصر وأسوان، ويتعرف على عادات المصريين من خلال مقاطع الفيديو التي ينشرها صينيون يعيشون في مصر أو يزورونها.
وفي الاتجاه الآخر، أصبح المصريون أكثر قربًا من الثقافة الصينية، مع انتشار تعلم اللغة الصينية وازدياد عدد الجامعات والمؤسسات التعليمية التي تدرسها، وتوسع أنشطة معاهد كونفوشيوس والتبادل الطلابي والثقافي.
وتشير وزارة الخارجية الصينية إلى أن البلدين يتبادلان الطلاب منذ عام 1955، وأن مصر تضم حاليًا 10 جامعات تدرس اللغة الصينية، إلى جانب ثلاث معاهد كونفوشيوس وأربع فصول كونفوشيوس، كما دخل تدريس اللغة الصينية النظام التعليمي المصري تدريجيًا منذ السنوات الأخيرة.
ومن هنا يمكن فهم أن العلاقة لم تعد علاقة حكومات فقط، وإنما أصبحت علاقة أجيال جديدة تتعلم لغة بعضها، وتسافر إلى بلد بعضها، وتعمل وتدرس وتعيش وتتفاعل مع ثقافة الطرف الآخر.
الصينيون في مصر.. سفراء غير رسميين للحضارتين
في القاهرة، وفي المناطق السياحية، وفي المدن الجديدة والمناطق الصناعية، أصبح وجود الصينيين أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة.
هناك رجال أعمال ومستثمرون وعاملون في الشركات والمشروعات الصينية، وطلاب ومدرسون وباحثون وسائحون، فضلًا عن مجموعات من الصينيين الذين اختاروا مصر لفترات أطول من مجرد زيارة سياحية.
وتتجاوز أهمية هؤلاء وجودهم الاقتصادي؛ فالكثير منهم أصبح ينقل تجربته اليومية في مصر إلى الجمهور الصيني عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وهنا نشهد ظاهرة جديدة في العلاقات بين البلدين: المصري الذي لم يزر الصين يستطيع أن يتعرف إلى الصين من خلال الصيني الموجود في مصر، والصيني الذي لم يزر مصر يستطيع أن يتعرف إلى مصر من خلال صيني يعيش تجربتها يوميًا.
وهذه الدائرة الشعبية تخلق صورة مختلفة عن الصورة الرسمية التي تصنعها البيانات السياسية.
«مصر كما يراها الصينيون».. الأهرامات ليست وحدها
الصورة التقليدية لمصر لدى الصينيين ارتبطت طويلًا بالحضارة الفرعونية؛ الأهرامات، أبو الهول، المومياوات، والمعابد.
لكن الاهتمام الجديد يتجاوز ذلك، فمصر أصبحت بالنسبة إلى قطاعات متزايدة من الصينيين بلدًا يمكن زيارته للسياحة، والدراسة، والعمل، والاستثمار، واستكشاف الثقافة.
وتكشف بيانات وزارة الخارجية الصينية أن عدد المواطنين الصينيين الذين زاروا مصر بلغ نحو 360 ألفًا في عام 2025، بزيادة كبيرة عن السنوات السابقة. كما شهدت حركة الطيران المباشر بين البلدين توسعًا عبر خطوط تربط القاهرة بعدد من المدن الصينية.
وتشير تقارير صينية إلى أن السياحة الصينية إلى مصر سجلت نموًا لافتًا خلال 2025، بينما أصبحت التجربة المصرية موضوعًا حاضرًا في المحتوى الذي ينتجه الصينيون على الإنترنت.
واللافت أن بعض المحتوى الرقمي لا يتعامل مع مصر باعتبارها مجرد «مقصد سياحي»، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية.
صينيون يتحدثون عن المصريين، عن الكرم، عن الطعام، عن الحياة في القاهرة، عن النيل، وعن الاختلافات الثقافية بين البلدين، وفي أحيان كثيرة عن أوجه التشابه بين المصريين والصينيين، خصوصًا فيما يتعلق بقيمة الأسرة، واحترام الكبار، والاعتزاز بالحضارة والتاريخ.
منصات التواصل.. جسر جديد بين القاهرة وبكين
ربما تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي المساحة الأكثر وضوحًا التي تكشف حجم التحول الشعبي.
فمنصات مثل Xiaohongshu وDouyin وWeChat أصبحت مساحة يشارك فيها الصينيون تجاربهم مع مصر، وينشرون صور الأهرامات والنيل والأقصر والأسواق المصرية، ويتحدثون عن الأماكن التي زاروها والأطعمة التي جربوها والمواقف التي عاشوها مع المصريين.
وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن المحتوى الذي يصنعه الفرد يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من حملة سياحية رسمية كاملة؛ لأنه يقدم التجربة من منظور شخصي.
فالفيديو الذي يصوره سائح صيني أمام الأهرامات، أو صانع محتوى صيني يتحدث عن يوم عادي عاشه في القاهرة، أو شاب صيني يتعلم كلمات عربية من المصريين، كلها رسائل صغيرة لكنها تصنع صورة ذهنية تراكمية عن مصر.
وفي المقابل، أصبح المصريون يتابعون صينيين يعيشون في مصر، ويشاهدون الصين من خلال عيون هؤلاء، ويتعرفون إلى تفاصيل الحياة اليومية والثقافة والعادات الصينية.
وهكذا تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى دبلوماسية شعبية رقمية بين البلدين.
«الحضارة تتحدث إلى الحضارة»
وربما لا توجد علاقة بين مصر والصين يمكن فهمها بعيدًا عن عنصر الحضارة، فكل من القاهرة وبكين ينتميان إلى دولتين صاحبتَي حضارتين ضاربتين في القدم، وهو عامل يمنح العلاقة عمقًا يتجاوز المصالح السياسية المؤقتة.
وخلال 2026، شهدت العلاقات الثقافية فعاليات متعددة بمناسبة مرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية، من بينها فعاليات للحوار الحضاري بين القاهرة وهانغتشو، تناولت أصول الحضارات ودور المتاحف وحفظ التراث ونشر المعرفة.
كما تواصلت أنشطة معاهد كونفوشيوس في مصر باعتبارها جسورًا للتواصل الثقافي وتعليم اللغة الصينية.
وفي المقابل، شهدت الصين اهتمامًا واسعًا بالحضارة المصرية، من خلال المعارض الأثرية الكبرى، ومن بينها معرض «على قمة الهرم: حضارة مصر القديمة» في متحف شنغهاي، الذي عُرضت خلاله مئات القطع الأثرية المصرية وشهد إقبالًا جماهيريًا كبيرًا.
زيارة شي.. عودة بعد عشر سنوات
وسط هذا المشهد، تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر لتكتسب أهمية خاصة.
فالزيارة المرتقبة ستكون أول زيارة رسمية له إلى مصر منذ زيارته التاريخية في يناير 2016، عندما شارك في احتفالات الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وفعاليات العام الثقافي المصري الصيني.
وبحسب وزارة الخارجية الصينية، فإن زيارة شي المقبلة تأتي بعد مشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر، على أن يتوجه بعدها إلى مصر، حيث يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي لبحث العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي في العام السبعين للعلاقات الدبلوماسية، وبعد أكثر من عقد شهدت خلاله العلاقات الثنائية تحولًا كبيرًا.
ومن المنتظر أن تكون ملفات الاقتصاد والاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي والتعاون الثقافي والسياحي والتنسيق السياسي من أبرز الملفات المطروحة على أجندة العلاقات، لكن هناك ملفًا آخر لا يقل أهمية: مستقبل العلاقة بين الشعبين.
من «طريق الحرير» إلى «طريق الناس»
ربما كانت الصين ومصر تتحدثان في السابق عن طريق الحرير باعتباره طريقًا للتجارة، لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن هناك طريقًا آخر لا يقل أهمية؛ طريقًا تصنعه الزيارات والطلاب والسياح والعمال ورجال الأعمال وصناع المحتوى.
هذا الطريق لا تحكمه الاتفاقيات وحدها، إنه يتشكل من صيني يزور الأقصر ويكتب عن تجربته، ومصري يتعلم اللغة الصينية، وطالب مصري يدرس في بكين، وسائح صيني يصور القاهرة، وباحث صيني يعمل مع عالم مصري في موقع أثري، وشركة صينية تستثمر في مصر، وشاب مصري يتابع الحياة الصينية عبر الإنترنت.
كل هؤلاء، بصورة أو بأخرى، أصبحوا جزءًا من العلاقة.
ولهذا فإن أقوى ما حققه التقارب المصري الصيني خلال السنوات الأخيرة ربما لا يكمن فقط في حجم المشروعات أو عدد الاتفاقيات، وإنما في أن صورة كل شعب عن الآخر أصبحت أكثر واقعية وأقل اعتمادًا على الصور النمطية.
سبعة عقود من العلاقات.. ومرحلة جديدة تبدأ الآن
بعد سبعين عامًا من إقامة العلاقات الدبلوماسية، تبدو مصر والصين أمام مرحلة جديدة لا تقوم فقط على استعادة الماضي، وإنما على بناء المستقبل.
فالقاهرة تمثل بالنسبة إلى الصين بوابة مهمة إلى العالم العربي وأفريقيا، وموقعًا استراتيجيًا على طرق التجارة العالمية، وقوة سياسية وثقافية ذات تأثير إقليمي.
وبكين، في المقابل، تمثل لمصر شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا واستثماريًا مهمًا، وقوة دولية كبرى يمكن أن تسهم في دعم مسار التنمية وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
لكن ما يجعل العلاقة مختلفة هو أن المصالح الرسمية وجدت خلال السنوات الأخيرة طريقها إلى الشعوب.
ومع زيارة شي جين بينج المرتقبة إلى القاهرة، لا تستقبل مصر فقط رئيس دولة كبرى، وإنما تستقبل قائدًا لدولة أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة المصرية، من المشروعات والبنية التحتية إلى الهواتف والسيارات والتكنولوجيا، ومن الجامعات ومعاهد كونفوشيوس إلى السياح الصينيين الذين يتجولون في شوارع القاهرة والأقصر وأسوان.
وفي المقابل، لم تعد مصر مجرد صورة للأهرامات في الوعي الصيني؛ أصبحت بلدًا يحبه كثير من الصينيين، ويزورونه، ويكتبون عنه، ويصورونه، ويتحدثون عن شعبه وثقافته وحضارته على منصاتهم الرقمية وهنا تحديدًا يمكن قراءة مستقبل العلاقات المصرية الصينية:
من علاقة بين دولتين إلى علاقة بين مجتمعين، ومن شراكة في المصالح إلى تقارب في المشاعر، ومن تعاون سياسي واقتصادي إلى جسر إنساني بين حضارتين.
وبين القاهرة وبكين، يبدو أن السنوات السبعين الماضية لم تكن نهاية قصة، وإنما كانت مجرد الفصل الأول من علاقة مرشحة لأن تصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا في العقود المقبلة.





