27 - 08 - 2026

إبداعات | أم وئام والنجوم الكونية - قصة قصيرة

إبداعات | أم وئام والنجوم الكونية - قصة قصيرة

فجأة ومن دون سابق إنذار كما يقولون رأيتني الجاهل الوحيد في المحيط العائلي كله بأمر أم وئام، فالجميع يسألني عنها: كيف حال أم وئام اليوم؟

هل رأيت أم وئام هذا الأسبوع؟ هل تحسنت صحتها؟

لم يكن هناك رابطٌ يربطني بأم وئام سوى أنها كانت جارة قديمة، ثم تزوجت وهجرت الحي بل والمنطقة كلها إلى مكان بعيد لا أعرفه، ثم لما مات زوجها أبو وئام عادت للعيش في بيت أبيها، حيث ورثت فيه شقة كاملة، وقيل وقتها إنها حصلت على ميراثها وميراث ابنها من زوجها الذي مات في مطاردة للشرطة لبعض الخارجين عن القانون، أخذت هذا الميراث وعادت للحي القديم.

هذه مجرد معلومات عامة، الجميع يعرفها، ولست أذكر كيف تناهت إلى مسامعي.

لكن هذا كله حدث منذ سنوات لا أتذكر عددها؛ فأنا مشغول بأمور غاية في الدقة والأهمية، مثل تحركات النجوم المشعة في المجرات البعيدة، وما الذي حدث بالضبط عقب الانفجار العظيم الذي يُقال إنه كان السبب في خلق الكون مباشرة، ومتى تكون نهاية المادة والكتلة والطاقة وكافة هذه الأمور التي تتعلق بالعالم نشأةً ونهايةً.

بل إنني أحياناً يمرُّ عليَّ اليوم واليومان دون أن أتناول أي طعام، بالكاد أشرب الماء وأحتسي بعض القهوة؛ لطول التفكر في أمور الكون الغامضة والتي كلما توصل العلماء لفك لغز فيه ظهرت ألغاز أشد غموضاً من سابقها، بل إنني توصلت لحقيقة علمية خطيرة يصعب نشرها على الناس بل والعلماء تتمثل في خطورة الكشف عن ألغاز الكون، وكأن الكون يغار من تسللنا على أسراره، فكلما فهمنا جانباً فيه طوى الوضوحَ في جوانب كثيرة، وأظهر لنا الغموض الرهيب.

وسط كل هذه الأشغال يسألني الناس والأقارب والجيران وزملاء العمل عن أم وئام، فأرد بتلقائية طبيعية، هي بخير.

حتى قابلتني أختي في الطريق وأنا عائد من العمل أحمل بعض الخضروات والفاكهة، رغم المحاذير الشديدة من تناول الطعام كله، لكنني اشتريت عدة حبات من الطماطم عديمة الفائدة والخيار ذي المفعول المضاد والباذنجان ذي الشحم دون اللحم، وبعض حبات التفاح ذي الألف جين وراثي وألف شكل عند الباعة.

قالت أختي: ما للرجال وهذه الأمور؟ أنت لا تُحسن اختيار الخضار والفاكهة، والبيت عندك رائحته كلها تراب، أما كانت أم وئام أولى بهذا كله؟

سألتها متعجباً: وما علاقتها بحياتي الخاصة؟

رفعت حاجبيها متعجبة وقالت: كيف ذلك؟ ألم تحددا بعد موعد الزفاف؟

امتلكني العجب من سؤالها الاستنكاري هذا. فلم أجد ما أقوله، فاستطردت تقول: الجميع ينتظر تحديد موعد الزفاف؛ فقد وعدتْ بعمل مأدبة غداء كبيرة للأصدقاء والأهل والأحبة، فهل ستفي لها ولنا بهذا الوعد؟

لم أجد ما أقوله.

فقالت وهي تمضي: أم وئام صالحة فلا تضيعها منك، ستندم.

قلت لها: مَن قال إنني سأتزوجها؟

نظرت مندهشة ومضت.

أم وئام ذات الأربعين ربيعاً سيدة كاملة، عاقلة ورشيد، وذات دلال وجمال ومال ودين، ولكن لا أذكر أنني تحدثتُ معها في مرة من المرات عبر الأربعة عقود الماضية من حياتها، فكيف أخبرت الناس بزواجنا؟ وكيف تتزوج امرأة رجلاً لم يجمعها به حوار قط؟

ولكن هل يمكنني الزواج بها من خلال ما يتناهى لي عنها؟ إنها أمور مُحيرة، كثير من قصص الحب تبوء بالفشل والخسران المبين، وكثير من زواج الصالونات ينجح ويدوم، لكن أم وئام أرملة ووئام في المرحلة الإعدادية، وأنا لم يسبق لي الزواج، وأصغرها ببضع سنوات، ومنهمك في فهم غموض الكون الذي لا تنتهي غرائبه وعجائبه، ولم أحط بعد بكل النظريات الفيزيائية التي تفسر نشأة الكون وحركة المجرات والنجوم والكواكب والتوابع وغيرها، فهل أترك الفسيح لأنغمس في الضيق؟

ثم هل أترك هذا البراح ليكون مبلغ علمي مهبل امرأة قد جرت فيه مياه كثيرة قبل اليوم، فأنتجت وئاماً ابنها؟

لا .. لا ، فلتخبر العالم كله، ولتترصدني كما شاءت، ولتنشر خيوطها العنكبوتية حولي، إني ناجٍ من حبائلها، ولن يجبرني هذا المجتمع الصغير مهما كثر أعضاؤه على النزول من العلياء الشاهقة إلى القاع السحيق، ثم هل أنا أحتمل امرأة ذات تجارب وكيد ووسوسة وخُنس؟ أنا الذكر الضعيف جنوسةً إزاء المرأة ذات القوى الغاشمة، كيف لي أن أتماهى مع ذكور النحل في خدمة الملكة العظيمة؟ 

لا.. لا، إن سألوني عنها بعد اليوم فسأجيب إنها هناك في السديم الأسود، مع النجوم التي احترقت وتلاشت من الكون، ومازلنا نرى وميضها كما حكى القرآن عن مواقع النجوم، ولتذهب أم وئام إلى وئام ومَن على شاكلته، ولأتفرغ أنا لحل مشكلات الكون التي تبدو بسيطة وسلسة إزاء مشكلات المرأة التي تتمثل أعظم مشكلاتها في السؤال اليومي قبل تناول الغداء: ماذا سنأكل غداً؟
--------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش
(الصورة لوحة «العروسة» للفنان التشكيلي جمال السجيني)