26 - 08 - 2026

في ضرورة التحرر من منطق "إما أو" | السياسة مشروع للتغيير والواقعية لا تعني الاستسلام لكنها ترشيد للمقاومة

في ضرورة التحرر من منطق

لا أرى في مقال الأستاذة بيسان عدوان ردا على مقالي المعنون "هل يمكن الخروج من أزمة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني دون الاشتباك مع الواقع؟"، أي رد على ما جاء في هذا المقال أو في المقالين السابقين، إذ تحدثت فيهما عن السياسة كمشروع للتغيير وليس استسلاماً للواقع، كما تصورت الأستاذة بيسان، وكأن هذه العبارة لم تكن كافية لتبديد مثل هذا التصور الذي أسهبت في الرد عليه. والحقيقة أنني متفق معها في كل ما قالته ردا على المنطق الذي يختصر الواقعية في فكرة الاستسلام لإرادة الآخر، خصماً كان أم عدواً. ربما أرادت الأستاذة بيسان عدوان أن تتخذ من المقالين فرصة لمحاسبة السلطة، التي أصرت على ضرورة وضع هذه المحاسبة جنبا إلى جنب مع محاسبة المقاومة. 

لا أعرف من أين جاءها الانطباع بأن المقال الأخير يتضمن دعوة للتكيف أو للتطبيع مع واقع مرفوض ونسعى لتغييره، لكن سؤال السياسة دائما سيظل، كيف يمكن إحداث هذا التغيير، في حين أن سؤال الأخلاق ينصرف إلى ضرورة أو وجوب إحداث هذا التغيير، وبهذا المعني يكون مشروع السياسة دائماً هو بناء القدرة على تغيير الواقع وليس الاستسلام له كما استرسلت في مقالها. ربما كانت الأستاذة بيسان عدوان ترد في مقالها الأخير، وفي المقال الذي سبقه، على مواقف على الساحة السياسية الفلسطينية، وهذا حق مطلق لها كفلسطينية، لاسيما أن إجابتي على السؤال الأساسي الذي طرحته في المقال الأخير، "من يرسم حدود الممكن الفلسطيني؟"، كانت وستظل أن من يرسم هذه الحدود ومن يقرر كيفية التعامل مع هذا الواقع هم الفلسطينيون أنفسهم. فمن الواضح من المقالات التي كتبتها من خلال موقع المشهد، أنني من أشد المعارضين لمنطقة الوصاية على الشعب الفلسطيني بدعوى أن القضية الفلسطينية قضية مركزية للعرب أو للمسلمين، وهي الدعوى التي وظفت لفرض الوصاية والتدخل في الشأن الفلسطيني، أكثر مما وظفت لتقديم الدعم والعون لهذه القضية. 

لا يفوتني هنا الإشارة إلى أن هذه الوصاية لم تمارس فقط من قبل أنظمة وطنية دأبت على التدخل للتأثير على المقاومة الفلسطينية، وأن بعض هذه الأنظمة انخرط في حروب مع المقاومة الفلسطينية، أكثر من حروبه مع إسرائيل، وإنما أشير إلى الوصاية التي تفرضها التصورات والرؤى الأيديولوجية لبعض القوى والتيارات التي توظف القضية الفلسطينية في صراعاتها على السلطة والنفوذ، الأسوأ من هؤلاء جميعا بعض فصائل المقاومة الفلسطينية التي قبلت أن تكون جزءا من حسابات أنظمة وقوى أيديولوجية، الأمر الذي تم على حساب المصلحة الوطنية الفلسطينية في كثير من الأحيان. من الأولى تنبيه هذه الفصائل التي قبلت أن ترهن قضية الشعب الفلسطيني لدى حسابات أخرى إلى خطورة ما فعلت، ومحاسبتها إذا تمادت في هذا الأمر. لكن النهج الذي سرت عليه في المقالين، وفي سلسلة المقالات الأخرى فيما يخص وضع المسألة الفلسطينية ومستقبلها منذ اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، لم ينشغل كثيراً بمسألة المحاسبة، بقدر انشغاله برصد التغيرات الحادثة في البيئتين الإسرائيلية والفلسطينية وفي البيئة الإقليمية والبيئة الدولية، وتحليل تأثير هذه التغيرات على الصراع ومساراته. 

تحديد الأولويات في بيئة متغيرة 

لم أدع في أي من هذه المقالات إلى الاستسلام، لكن الدعوة ركزت أساساً، في البداية، على أمرين أساسيين: الأول، هو تحقيق مصالحة تاريخية بين فكرة المقاومة وبين منطق التسويات السياسية والمكاسب المرحلية. الأساس في هذه الدعوة التحرر من عقلية "إما أو"، الذي ظلت تطغى على الخطاب الفلسطيني منذ توقيع مصر اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978، استناداً إلى تقدير القيادة المصرية آنذاك ضرورة السير في نهج التفاوض من أجل استكمال تحرير سيناء المصرية وإعادتها كاملة للسيادة المصرية. قوبلت هذه الاتفاقيات ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية بانتقادات من الأنظمة العربية التي قاطعت مصر وأنشأت جبهة "الصمود والتصدي". اختارت القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت الانحياز لتلك الجبهة التي لم تفعل شيئاً لمنع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد حرب عام 1982، ولا في منع المجزرة التي تعرض لها الفلسطينيون في مخيمي صبرا وشاتيلا، بل ارتكب طرف رئيسي في هذه الجبهة، هو نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مجازر ضد المقاومة الفلسطينية، ولم تمنع قواته التي كانت موجودة على الأرض في لبنان وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا، بل كان فاعلاً رئيسيا فيما عرف بحرب المخيمات في لبنان بين فصائل منشقة للمقاومة الفلسطينية من أجل ملء الفراغ الناجم عن خروج منظمة التحرير الفلسطينية. 

كان الخروج من بيروت بداية مرحلة جديدة في التفكير السياسي والاستراتيجي الفلسطيني، وكان حدث انتفاضة أطفال الحجارة في ديسمبر عام 1987، إشارة مهمة إلى أن تحرير فلسطين يبدأ من داخل فلسطين وبأيدي أبناء فلسطين وليس من خارجها، ومن هنا، برزت أهمية دعم صمود الفلسطينيين في وطنهم وعلى أرضهم. بدأت الهوامش الجغرافية المتاحة للفلسطينيين تضيق، بينما اتسعت الهوامش الديموغرافية وأتاحت لهم آفاقا أرحب، وبدأ التفكير جديا في استراتيجية تمزج بين الكفاح المسلح وبين المقاومة اللاعنفية والكفاح السياسي والدبلوماسي لكسب المزيد من مساحات التحرك على أرض فلسطين وكسب الاعتراف والتأييد الدوليين بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقهم في إقامة دولة. 

ينقلنا هذا التحول إلى الأمر الأساسي الثاني الذي ركزت عليه في مقالتي بعد حرب غزة، وربما قبل ذلك بسنوات، وتحديدا بعد انتفاضة الأقصى عام 2002، وهو كيفية دعم الصمود الفلسطيني على الأرض، وقطع الطريق على كل خطط تهجير الفلسطينيين، وخصوصاً من قطاع غزة، والتي باتت هدفاً معلناً لإسرائيل، وتعمل من أجل تحقيقه، خصوصا مع صعود قوى اليمين الصهيوني والمستوطنين، وبدأت حكوماتها تعمل على تحقيقه بكل الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو هدف لا يقتصر على الفلسطينيين في قطاع غزة فقط، وإنما يشمل كذلك الفلسطينيين في الضفة الغربية وفلسطيني 1948، وسخرت كل ما يمكن تسخيره من أدوات لتحقيق هذا الهدف، ولم تفوت أي فرصة بل سعت إلى تهيئة الفرصة وممارسة الضغوط من خلال الولايات المتحدة لتنفيذه عبر المساومات والضغوط.

حددت الأستاذة بيسان عدوان المشكلة في الشق الثاني من عنوان مقالها، وربما في صياغة غير واضحة بما يكفي لمعرفة ما هي المشكلة الفلسطينية تحديدا من وجهة نظرها، هل المشكلة في طلب "المستحيل"، أم أنها في قبول "الممكن" الذي يحدده الطرف الأقوى. إذا كان المقصود بالطرف الأقوى الاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، ففي تقديري أنه يسعى إلى تحقيق هدف مستحيل، وهو "إبادة شعب"، وكأن العالم لا يزال يعيش في القرن السابع عشر أو الثامن عشر. ربما كان الفارق بين استراتيجية العدو وبين الاستراتيجية التي تنتهجها الفصائل الفلسطينية المختلفة، يتمثل أساسًا في تقييم نقاط الضعف لدى الخصم واستغلالها، فيما يعرف باستراتيجيات التمايز، وأيضاً في تقييم نقاط القوة والتفوق والعمل على تحييدها. وكي لا تندفع الأستاذة بيسان عدوان لاتهامي بمحاكاة سياسة العدو مثلما فعلت في المقال الأول، فإن هذه الاستراتيجية جرى تطويرها في مجال الأعمال والشركات وحكمت الصراع الدولي منذ نهاية السبعينات، ولا تزال تحكمه حتى هذه اللحظة. 

لقد حالفني الحظ، حينما أتيحت لي الفرصة للوقوف على عملية تغيير الفكر الاستراتيجي الفلسطيني في منتصف الثمانينات من خلال عملي مساعدا للدكتور محجوب عمر الذي كان يشرف في مركز التخطيط الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية على الترجمات الاستراتيجية التي تقدم للقيادة الفلسطينية، والانفتاح على مدارس التفكير الاستراتيجي المختلفة في العالم، كذلك كنت على إطلاع ومشارك في دعم الانتفاضة الفلسطينية في عام 1987، من خلال اللجنة المصرية لدعم الانتفاضة الفلسطينية والتي لعب الأستاذ لطفي الخولي دورا أساسيا في تشكيلها، وهي تجربة في العمل السياسي المصري، يصعب تكرارها إذ ضمت ألوان السياسي في مصر في ذلك الوقت، لكنها لم تصمد كثيرا أمام الخلافات الأيديولوجية، وهي تجربة تستحق مقالات منفصلة. تعلمت من هذه التجارب أن الأفكار تتطور مع تطور الواقع الاجتماعي والاقتصادي. ربما كانت المشكلة مع رافضي النهج السياسي لإدارة الصراع هي الإصرار على منهج "إما أو"، وخوض صراعات صفرية، لكن مشكلتهم الأكبر أنهم يعارضون السياسة لا شيء إلا بسبب تصوراتهم الخاصة عما تعنيه السياسة والدبلوماسية، رغم أنها أداة رئيسية من أدوات السياسة الخارجية، قد لا تقل أهمية عن القوة المسلحة بالأساس. 

طرحت في مقال بعنوان "الحرب امتداد للسياسة إلا في غزة"، بعد أسابيع من اندلاع الحرب على غزة السؤال التالي: هل الحرب التي اندلعت في غزة جرت وفق حسابات سياسية أم أنها محكومة فقط بحسابات العسكريين وميدان المعركة؟  ثمة عوامل كثيرة تبعد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي عن منطق السياسة، في مقدمتها أننا لسنا بصدد صراع دولي بين دولتين تتمتعان بالسيادة، لكننا بصدد حالة شعب يقاوم سلطة الاحتلال وممارساتها، في ظل انقسام على المستوى الدولي وكذلك على المستوى الإقليمي حول مشروعية الوسائل التي تستخدمها المقاومة. لم يكن هذا الانقسام ملازما للحالة الفلسطينية وحدها، وإنما لازم الكثير من الصراعات في العالم، وظل الانقسام محكوماً بالمواقف السياسية لهذا الطرف أو ذاك. وحينما نسرد أمثلة للمقارنة أو لتحليل لا نقصد أن نفرض مساراً محدداً لمقاومة الاحتلال، وإنما للتدليل على إمكانية اللجوء إلى أساليب أخرى غير القوة المسلحة لتحقيق الهدف.

علينا أن ننظر إلى اللحظة الراهنة ومقتضياتها وترتيب الأولويات بما يحول دون تصفية القضية الفلسطينية، والبحث عن نقاط الضعف والانقسامات لدى الخضم لتعميقها. صحيح أن هجوم السابع من أكتوبر، أحدث صدمة لدى الإسرائيليين أدت إلى توحدهم خلف القيادة بعد أن كان الصراع فيما بينهم على وشك الانفجار بسبب سياسات حكومة اليمين المتطرف التي يتزعمها بنيامين نتنياهو، في حين عمقت الحرب الانقسامات، ليس فقط على الساحة الفلسطينية وإنما أيضاً في ساحات أخرى في المنطقة، هذه القدرة على استغلال نقاط الضعف لدى الخصم تدخل في حسابات ميزان القوة، وكذلك تدخل المناورة السياسية والقدرة على الصمود والتحمل، التي أرى أن نقطة القوة الأساسية التي تضمن النصر للشعب الفلسطيني وهزيمة المشروع الصهيوني، على الأقل من المنظور التاريخي بعيد المدى. 

نقاط للاتفاق وأخرى مفتوحة للنقاش العام

في تقديري، أن النقاش أوصلنا إلى نقاط اتفاق أساسية، من المهمة بلورتها من أجل البناء عليها للمضي قدمًا فيه من أجل التحفيز على التفكير في البدائل المتاحة وتلك التي يمكن تطويرها. أولى هذه النقاط هي أهمية هذه المقالات بوصفها "جزءً من نقاش عام يحتاج إليه الفلسطينيون أولًا، وتحتاج إليه الدوائر الداعمة للصمود والنضال الفلسطيني، ثانيًا، وأن هذه المسألة تحديدًا على قدر كبير من الأهمية والخطورة في هذه اللحظة الدقيقة. السؤال الآن، كيف نخرج من منطق السجال لننتقل إلى نقاش يتحول إلى حوار نسعى من خلاله إلى بناء تصورات وبدائل للمضي قدما نحو المستقبل.. وكما ذكرت في تعليق على ما كتبه الأستاذ خالد عطية تعليقا على مقال الأستاذة بيسان، فإن الميزة الأساسية لهذه المقالات والردود أنها تساعدنا أكثر على بلورة أفكارنا، ومن هنا تأتي قيمتها. وتساعدنا أيضا على رؤية المشهد من مختلف جوانبه وتفاصيله وقراءة دلالات الأفعال وردود الأفعال. لا شك أن السؤال المهم الذي طرحته الأستاذة بيسان، والذي وصفته بالسؤال الأصعب، هو "كيف نمنع الهزيمة من أن تتحول من واقع نريد تغييره إلى مرجعية تحدد لنا ما يجوز أن نريده؟" 

واتساءل بدوري هل في سؤال الأستاذة بيسان إقرار بالهزيمة في حرب لا تزال مستمرة ولا نعرف كيف ستنتهي؟ من المؤكد أن للطرف الإسرائيلي مصلحة واضحة في مواصلة الحرب في غزة وفي جنوب لبنان كي يقوم بتنفيذ مهمة نزع سلاح المقاومة بنفسه، وهي مهمة شبه مستحيلة في ظل الوضع الراهن، وقد تستمر لعشرات السنين، فإلى متى يمكن تحمل هذا الوضع. ومن واقع الوضع في غزة وفي جنوب لبنان، فمن المرجح أن يكون الوضع أصعب إذا تولت أي سلطة وطنية أخرى هذه المهمة الصعبة. وربما لم أعلن موقفي من مسألة الإبقاء على السلاح في يد المقاومة، ليس فقط في غزة ولبنان وإنما في يد الأكراد في سوريا وفي تركيا، رغم اختلاف السياقات وتبادلها. وأكدت في ندوات عقدت في القاهرة لمناقشة مبادرة الزعيم عبدالله أوجلان أن يكون نزع السلاح جزء من تسوية شاملة وعادلة. منطق الواقعية السياسة يفرض على اتخاذ هذا الموقف، فهذا المنطق لا يمضي فقط لصالح الخضوع للأمر الواقع المفروض.

من نقاط الاتفاق الأخرى التي وردت في مقال الأستاذة بيسان وأكملتها أسئلة الأستاذ خالد عطية. إذا كنت أرى السياسة كمشروع للتغيير، فإن الانطلاق من الواقع يكون له هدف أساسي وربما وحيد، وهو معرفة من أجل الإجابة على سؤال من أين نبدأ التغيير؟ إن مفهوم "الحامل الوطني" الذي أشار إليه هو مفهوم أساسي للتمسك بالهدف الأول والأسمى في اللحظة الراهنة؛ والمتمثل في دعم الصمود الفلسطيني على الأرض وفي الشتات، خصوصا إذا كان المقصود بالحامل الوطني، ذلك "الحامل التاريخي والاجتماعي الذي حفظ استمرارية الوجود الفلسطيني والإرادة الوطنية عبر النكبة والتشتت والمنافي وتعدد الجغرافيات". المهم الآن التفكير في الأشكال السياسية والتنظيمية التي تحفظ استمرارية هذا الحامل بوصفه المعبر الرئيسي عن الإرادة الوطنية الفلسطينية؟ الإجابة التي اقترحتها هو الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها التجسيد المؤسسي للهوية الفلسطينية وتطوير السردية الفلسطينية بوصفها آلية أساسية للحفاظ على الذاكرة الوطنية الفلسطينية، لكني لا أصادر في الوقت نفسه على حق الفلسطينيين في طرح إجابتهم على هذا السؤال، والذي أراه سؤالا تأسيسيًا للتعامل مع مشكلة بلورة "برنامج عمل" جديد، يقوم على اتصال السياسة بالحامل الوطني الفلسطيني، وقد يكون من المهم هنا السؤال عن جدوى الانتخابات العامة الفلسطينية، في وضع قد تزيد فيه الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني، أو كيف يمكن تأطير هذه الانتخابات كي تكون آلية لتعزيز الهوية الوطنية وبلورة مشروع وطني أوسع؟ الإجابة على هذا السؤال يجب أن تكون فلسطينية بالأساس ومؤسسة على التوافق العام.

إن المحاسبة أحد الآليات الأساسية لأي نظام ديمقراطي فعَّال، لكن في ظل الوضع الفلسطيني الراهن، وفي ظل مقتضيات التصدي إلى مشروع التهجير الذي تباشره الحكومة الإسرائيلية الحالية، أليس من الأجدى التفكير في كيفية التأثير من خلال انتخابات الكنيست القادم وكيفية تفعيل الصوت الفلسطيني في هذه الانتخابات. رغم تحفظي على كثير من المواقف التي اتخذها السيد منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة، إلا أن تصريحه الخاص بحل الدولتين فرض القضية الفلسطينية على أجندة انتخابات الكنيست كقضية سياسية، وليست كملف أمني. لقد أشارت الأستاذة بيسان في مقالها إلى الجزائر، الأمر الذي أعاد إلى ذاكرتي ما قاله إريك رولو، الذي رحل عن عالمنا، والخبير في الشؤون العربية بحكم مولده ونشأته في مصر قبل أن يهاجر إلى فرنسا، وكان يتحدث في مؤتمر نظمته مبادرة "الجامعات من أجل سلام إسرائيلي فلسطيني"، حين قال إن على الفلسطينيين أن يدركوا أن الثورة الجزائرية لم تنتصر إلا بعد أن فرضها الجزائريون كقضية فرنسية. وبالرجوع إلى كل الأمثلة التي وردت في رد الأستاذة بيسان يثبت هذه الحقيقة.

إسرائيل تتغير بالفعل من الداخل ويقود هذا التغيير الأحزاب اليمينية المتطرفة والمستوطنون، ومن الثابت أنه بسبب تلك التغيرات يواجه الشعب الفلسطيني في الداخل، وتواجه دول المنطقة سلوكا عدوانيا مسلحا في ظل بيئة جديدة للحرب والأسلحة المستخدمة فيها، حيث تعمل الفجوة العلمية والتكنولوجية لصالح العدو. لقد قررت الحكومة الإسرائيلية الانسحاب من الشريط الحدودي في جنوب لبنان بشكل أحادي بسبب التفوق المعلوماتي لحزب الله وحاضنته الاجتماعية، الأمر انقلب بعد اختراق أجهزة البيجر وتمكن إسرائيل من الوصول إلى حسن نصرالله والذي كان هدفا عصيا بالنسبة لهم لما يقرب من عشرين عامًا. لا أقول ذلك لبث اليأس في النفوس وإنما للتبصير بالتغيرات التي يتعين أخذها في الحسبان ونحن نفكر في المستقبل.

لم يكن الهدف من مقالي الأول فتح هذا النقاش الذي أراه مهما لكنه فرض مبكرًا، وإنما كان المقال تمهيدا لسلسلة مقالات بمناسبة الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة التي أرى أن كثيرا من الأمور سيتوقف على نتيجتها، وسوف أحرص على استئناف ما بدأت لكنني مستعد في الوقت نفسه لمواصلة الحوار الذي أتطلع إلى مشاركة آخرين فيه.
---------------------------------
بقلم: أشرف راضي


مقالات اخرى للكاتب

في ضرورة التحرر من منطق