26 - 08 - 2026

خبراء التعاون المصري الصيني في مجالات الإعلام والسينما يمتلك فرصاً واعدة

خبراء التعاون المصري الصيني في مجالات الإعلام والسينما يمتلك فرصاً واعدة

أكد البروفيسور محمد شومان، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس ونائب رئيس أكاديمية الشروق، أن التعاون المصري الصيني في مجالات الإعلام والسينما والثقافة يمتلك فرصاً واسعة للانتقال إلى مرحلة جديدة، تستند إلى بناء المعرفة المشتركة وتطوير القدرات والاستفادة من التطور التكنولوجي، بما يعزز الشراكة بين البلدين ويفتح آفاقاً أرحب للتعاون العربي والأفريقي مع الصين.

جاء ذلك خلال كلمته في فعالية إطلاق المجموعة الصينية للإعلام «تشاينا ميديا جروب» برامج صينية للأفلام والتلفزيون، حيث أشاد بالدعوة إلى هذه الفعالية، مؤكداً أنها تأتي في توقيت مهم يتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية.

وأوضح شومان أن العلاقات بين القاهرة وبكين تطورت على مدار سبعة عقود لتصبح نموذجاً مهماً للتعاون بين دولتين تمتلكان تاريخاً وحضارة وتجربة ثقافية عميقة، مشيراً إلى أن التعاون الاقتصادي والسياسي حقق خطوات مهمة، فيما يمكن للإعلام والثقافة والسينما أن تضيف بعداً جديداً لهذه الشراكة، نظراً لدورها المباشر في تشكيل الصورة، وصناعة المعرفة، وتعميق فهم الشعوب لبعضها البعض.

إرث إعلامي وسينمائي يؤسس لشراكة أوسع

وأشار أستاذ الإعلام إلى أن التعاون بين مصر والصين يستند إلى قاعدة قوية من التجارب التاريخية والإعلامية والثقافية، موضحاً أن مصر تمتلك تاريخاً راسخاً في مجال الصحافة والإعلام والسينما، حيث صدرت «الوقائع المصرية» عام 1828، بينما عرفت مصر العروض السينمائية عام 1896، بعد أشهر قليلة من العرض الأول للأخوين لوميير في فرنسا، لتصبح لاحقاً إحدى أبرز قلاع صناعة السينما في العالم العربي والقارة الأفريقية.

وأكد أن هذا الإرث المشترك من التجربة الإعلامية والثقافية يتيح للبلدين بناء نموذج متقدم للتعاون في مجالات الإعلام التقليدي والرقمي والصناعات الإبداعية.

نحو «قوة ناعمة ذكية» 

وطرح شومان رؤية متكاملة لتعزيز التعاون المصري الصيني في الإعلام والسينما والثقافة، تقوم على توظيف ما وصفه بـ«القوة الناعمة الذكية»، من خلال الانتقال من مجرد تبادل المحتوى والخبرات إلى بناء شراكات مؤسسية مستدامة.

وتتضمن الرؤية عدداً من المسارات الرئيسية، أبرزها:

أولاً: التعليم والتدريب وتبادل الخبرات

تطوير برامج مشتركة بين الجامعات والمعاهد والمؤسسات الإعلامية المصرية والصينية، مع تعزيز تبادل الأساتذة والطلاب والوفود، وتنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل، إلى جانب زيادة فرص المنح والبعثات وبرامج التدريب المتخصصة.

ثانياً: البحث العلمي والابتكار الإعلامي

إطلاق مشروعات بحثية مصرية صينية متخصصة في الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والإعلام الجديد، والصناعات الإبداعية، واقتصاديات الإعلام، ومستقبل السينما، وتأثير التكنولوجيا في صناعة المحتوى، فضلاً عن دراسة كيفية تشكيل صورة الآخر في وسائل الإعلام.

ثالثاً: السينما والإنتاج المشترك

توسيع التعاون السينمائي والفني عبر تبادل الوفود، وتنظيم أسابيع سينمائية ومهرجانات مشتركة، وتشجيع إنتاج الأفلام والبرامج بصورة مشتركة، مع تبادل الخبرات في مجالات الإخراج والإنتاج وكتابة السيناريو والتصوير والمونتاج وما بعد الإنتاج.

شراكة تكنولوجية لتطوير ماسبيرو والإعلام المصري

ومن أبرز المقترحات التي طرحها شومان، تعزيز التعاون مع الجانب الصيني في تطوير مبنى الإذاعة والتليفزيون «ماسبيرو»، إلى جانب دراسة إنشاء مبنى جديد للإذاعة والتليفزيون في العاصمة الإدارية الجديدة، يعتمد أحدث تقنيات البث الرقمي والإنتاج وإدارة المحتوى والذكاء الاصطناعي.

واقترح أن يتضمن المشروع إنشاء استوديو نموذجي للإنتاج الافتراضي، ليصبح نموذجاً متقدماً للتعاون التكنولوجي المصري الصيني، ورمزاً للشراكة بين البلدين، يمكن أن تستفيد منه دول أخرى في القارة الأفريقية.

كما دعا إلى تعزيز التعاون في رقمنة وحفظ تراث ماسبيرو، والتوسع في أرشفة الصحافة المصرية الورقية، خصوصاً مع اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على صدور أول صحيفة مصرية عام 2028، إلى جانب تطوير تقنيات البث الرقمي والإنتاج السحابي وتوزيع المحتوى عبر منصات متعددة.

الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في قلب التعاون

وأكد شومان أهمية الاستفادة من الخبرات الصينية المتقدمة في مجال الرصد الإعلامي والتحليل الآلي للمحتوى الرقمي، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف المحتوى المضلل والمصطنع، مع تدريب الكوادر المصرية على هذه التقنيات وتكييفها بما يتناسب مع البيئة القانونية والمؤسسية في مصر.

كما شدد على ضرورة إدراج الأمن السيبراني واستمرارية البث ضمن أولويات التعاون، من خلال حماية مراكز البيانات والشبكات وأنظمة البث والمنصات الرقمية من الاختراق أو التعطيل، وتطوير خطط متقدمة لضمان استمرار العمل والبث الإعلامي خلال حالات الطوارئ.

القاهرة مركز للتدريب الإعلامي والتكنولوجي في أفريقيا

وطرح نائب رئيس أكاديمية الشروق مقترحاً لإنشاء مركز مصري صيني للتدريب الإعلامي والتكنولوجي لأفريقيا يكون مقره القاهرة، ويستهدف تدريب الإعلاميين المصريين والأفارقة على أحدث التقنيات في مجالات الذكاء الاصطناعي والبث الرقمي والإنتاج الافتراضي وإدارة الأرشيف والأمن السيبراني.

وأوضح أن المركز يمكن أن يتولى أيضاً إعداد مدربين قادرين على نقل المعرفة والخبرات إلى أجيال جديدة من الإعلاميين، بما يضمن استدامة التعاون وتحويل القاهرة إلى منصة إقليمية للتدريب الإعلامي والتكنولوجي.

المحتوى المشترك.. جسر بين الشعوب

ودعا شومان إلى زيادة تبادل المحتوى الإعلامي بمختلف أشكاله، بما يشمل البرامج والأفلام والأعمال الوثائقية، وإطلاق مشروعات إنتاج مشتركة تسهم في التعريف بثقافة وتجربة الشعبين المصري والصيني، وإبراز قصص النجاح والتجارب التنموية المشتركة، بما يمكن تقديمه أيضاً إلى دول الجنوب كنموذج للتعاون والعمل المشترك.

وأكد أن الإعلام والسينما لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد أدوات لنقل المعلومات أو الترفيه، وإنما باعتبارهما أدوات استراتيجية لبناء الصورة وتعزيز التفاهم وتقديم تجارب الشعوب بصورة أكثر عمقاً وموضوعية.

لجنة مشتركة لضمان التنفيذ

وفي ختام رؤيته، اقترح شومان تشكيل لجنة مصرية صينية مشتركة تتولى متابعة تنفيذ المقترحات وتحويلها إلى مشروعات عملية، على أن تعمل اللجنة على تحديد الاحتياجات والأولويات، واختيار المشروعات القابلة للتنفيذ، وإعداد دراسات الجدوى، ووضع آليات التمويل، سواء من خلال المنح أو التمويل الميسر أو المساعدات الفنية والتكنولوجية والبشرية.

وأكد أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تبادل الخبرات، وإنما في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على بناء المعرفة المشتركة، وتطوير القدرات، ونقل التكنولوجيا وتوطينها.

واختتم البروفيسور محمد شومان بالتأكيد على أن الهدف النهائي يتمثل في جعل الإعلام والسينما منصة متقدمة للتعاون بين مصر والصين، وجسراً جديداً للصداقة والتفاهم بين الشعبين، ونموذجاً يمكن أن يمتد تأثيره إلى الدول العربية والأفريقية.

وقال إن الشراكة الإعلامية المصرية الصينية، إذا ما اقترنت بالتكنولوجيا والتعليم والتدريب والإنتاج المشترك، يمكن أن تتحول إلى إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة في العلاقات بين البلدين، وأن تفتح أمامهما مساحة أوسع لصناعة محتوى مشترك يخاطب شعوب المنطقة والعالم.