بعيداً عن المواقف السياسية لفوز مرشحين في الانتخابات النهائية أو التمهيدية في الانتخابات الأمريكية لأعضاء الكونجرس، خصوصاً من بين الرافضين للهيمنة اليهودية، ومن بين أصحاب المواقف ضد سياسات إسرائيل العنصرية، وموقف دونالد ترامب المؤيد المطلق للكيان الصهيوني المحتل، فإن هذا الفوز يمثل صفعات مقلقة ومتتالية لترامب.
وزحف التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ لعام 2026، قوبل بهجوم شديد من دونالد ترامب، ومن اللوبي اليهودي في أمريكا، بعد فشل الحملات الممولة بعشرات ملايين الدولارات في وقف هذه الانتصارات المتتالية، ووصل الأمر إلى اتهامهم بالإرهاب.
وهذا يوضح حجم القلق الذي ينتاب ترامب ومن حوله من المستقبل الغامض له، والفشل الذي تعيشه "الولايات المتحدة – عصر ترامب"، في العديد من الحروب والأزمات التي دخلت فيها أمريكا بالتمويل أو بشكل مباشر، وليس ببعيد ما جرى في غزة، وفشل ترامب بالتضامن مع الإرهابي "بنيامين نتنياهو"، في القضاء على حركة حماس، واضطراره للتفاوض معها في نهاية الأمر.
ومازلت "حرب ترامب – نتنياهو"، عالقة مكانها، وتعيش "أمريكا – ترامب"، واحدة من أكبر أزماتها، بل يستجدي الحوار مع طهران للخروج من حرب تسببت في أزمات أمريكية داخلية تهدد مستقبله وستصبح وصمة عار في تاريخه، هذا بخلاف أزمات أخرى مع دول أوروبية، ومع دول في الشرق الأوسط، لتأتي لطمة داخلية على وجهه بفوز عدد من معارضيه في الانتخابات التمهيدية للانتخابات مجلس الشيوخ.
ويخرج دونالد ترامب بكل ما بداخله، من خوف وليس حقد ورعب ضدهم، خصوصاً هؤلاء من هم ينتمون للتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، وتمثل أعلى رد فعل حول فوز المرشح التقدمي ذو الأصول المصرية عبد الرحمن (عبدول) السيد بمقعد ترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ.
مؤشر سباب الهجوم الشخصي من جانب ترامب ضد عبد الرحمن السيد، يكشف حجم المعاناة التي يواجهها الرئيس المقاول، حيث اختار الأيديولوجية طريقا للسباب، بوصفه عبر منصته Truth Social، بـ "الخاسر الشيوعي ويكره اليهود وإسرائيل"، معتبرا صعود التيار التقدمي يمثل انتقال الديمقراطيين من الاشتراكية مباشرة إلى "الشيوعية"، وهم يهددون بتدمير نمط الحياة الأمريكي.
وتمثل الرعب والقلق الذي يواجهه ترامب في التوظيف السياسي في الانتخاب، مشيراً إلى أن فوز تيار تقدمي راديكالي يُعد فرصة ذهبية للمرشح الجمهوري، بل أن مواجهة مرشح يساري متطرف يسهل من مهمة الحزب الجمهوري في كسب أصوات الناخبين المعتدلين والمستقلين في الولايات المتأرجحة، إلا أن الشكوك جاءت بعكس ما سعت إليه الحملات الضخمة الممولة من لجان الدعم المؤيدة لإسرائيل.
ولأن ترامب مهووس بقضية التزوير، حاول التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية في اختيار "عبدول" عبر الادعاء بوجود تزوير، مستغلا الفجوة في فرز الأصوات والتقارب الشديد في النتائج للتحذير من ظهور "بطاقات اقتراع مزيفة عبر البريد في اللحظات الأخيرة"، ووصل به الأمر إلى دعوة أنصاره للاستعداد لـ"الانتخابات المزورة" في التجديد النصفي في نوفمبر بالذهاب والقتال في صناديق الاقتراع والتظاهر، وذلك في تأكيد لخشيته من التقدميين لمحاولة عزله ومحاكمته.
الصفعات التي تقلق ترامب توالت عليه وعلى المؤيدين لإسرائيل، واللوبي اليهودي المؤيد للسياسات الصهيونية، خاصة تلك التي يحققها التيار التقدمي في الانتخابات الأمريكية، لتمثل مصدر قلق مستمر لترامب المحاصر.
والقائمة اتسعت مع فوز مرشحين أخرين، بينهم رشيدة طليب فى "ميتشجان"، و"عبير قواس" في نيويورك، و"الهان عمر"، و"بيجي فلانجان" في الانتخابات التمهيدية فى "مينسوتا"، و"أسماء على" ذات الأصول اليمنية، في ولاية "مسيسيبي".
وتأتي قبل أيام صفعة مقلقة وقوية أخرى لدونالد ترامب في تأكيد على تقدم واسع للتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، بفوز "عائشة عبد الوهاب"، أو "عائشة وهاب"، ذات الأصول الأفغانية، لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني تفوز بمقعد في الكونجرس، محققة هذا الفوز في انتخابات تكميلية محلية داخل الحزب الديمقراطي في مواجهة منافستها "ميليسا هيرنانديز"، وحتى كتابة هذا السطور لم يصدر عن ترامب أية تعليقات على هذا الفوز وغيره، في مؤشر على أن ما يجري هو واقع معاش ورغبة في التغيير للسياسات الداعمة لإسرائيل، وأن تكون الأولوية لما يهم حياة الاميركيين، مع رؤية بضرورة حياة عادلة للفلسطينيين في توجهات البعض من الفائزين في تلك الانتخابات للبرلمان، ومجلس الشيوخ الأمريكيين.
------------------------------
بقلم: محمود الحضري






