25 - 08 - 2026

بناء الصين الجميلة يقود محركا جديدا للتنمية الخضراء المنخفضة الكربون

بناء الصين الجميلة يقود محركا جديدا للتنمية الخضراء المنخفضة الكربون

في المسيرة الطويلة التي قطعتها البشرية سعيا نحو التحديث، غالبا ما جرى النظر إلى النمو الاقتصادي وحماية البيئة باعتبارهما خيارين متعارضين لا يجتمعان. وقد ترك مسار التنمية الاستغلالية الذي سلكته الدول الغربية في مراحل التصنيع المبكرة، لدى العديد من الدول التي بدأت مسيرة التصنيع في وقت متأخر، هاجسا راسخا مفاده أن تشديد الحوكمة البيئية لا بد أن يؤدي إلى إبطاء وتيرة التنمية وإضعاف القدرة التنافسية للصناعات. 

غير أن الصين، من خلال الدفع الشامل نحو بناء الصين الجميلة، تعمل على تجاوز هذا التفكير القائم على معادلة المحصلة الصفرية. فمن خلال التحول الأخضر الشامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لم تحقق الصين تحولا تاريخيا في جودة البيئة فحسب، بل فتحت أيضا مسارا يجعل حماية البيئة قوة دافعة للارتقاء بالصناعات، ويجعل التنمية الخضراء منخفضة الكربون محركا اقتصاديا جديدا، بما يثبت أن التنمية الاقتصادية وتحسين البيئة يمكن أن يعزز كل منهما الآخر.

إن تجاوز التصور الخاطئ القائم على التعارض بين التنمية والحماية يكمن أساسا في إعادة تشكيل القوة الكامنة وراء النمو الاقتصادي. فقد فرضت الضغوط التي خلفها التوسع المكثف خلال العقود الماضية على البيئة سؤالا لا يمكن للصين تجاهله: ما نوع التنمية التي يمكن أن تستمر؟ ولم تلجأ الصين ببساطة إلى إغلاق الصناعات أو إيقافها وإعادة هيكلتها، بل جعلت التحول الأخضر نقطة اختراق محورية لتشكيل محركات جديدة للتنمية العالية الجودة. ومن خلال وضع مجموعة متكاملة من أدوات السياسات المالية والضريبية والمالية والاستثمارية وسياسات الأسعار، تعمل الصين على توجيه رؤوس الأموال والتقنيات نحو المجالات منخفضة الكربون، لتحول حماية البيئة من "تكلفة سلبية" إلى قوة داخلية تدفع التحول بصورة استباقية.

وقد أدى إدخال آليات السوق إلى إيجاد قيود داخلية وحوافز اقتصادية تدفع القطاعات ذات الانبعاثات المرتفعة إلى ترشيد استهلاك الطاقة وخفض انبعاثات الكربون. ويعد التوسع التدريجي في السوق الوطنية لتداول حقوق انبعاثات الكربون إنجازا بارزا في استخدام الأدوات الاقتصادية لدفع التحول. وحتى 10 يوليو 2026، بلغ إجمالي حجم تداول حصص انبعاثات الكربون في السوق الوطنية 923 مليون طن، فيما بلغت القيمة الإجمالية للصفقات 8.7 مليارات دولار. وقد توسعت سوق الكربون من قطاع توليد الكهرباء إلى قطاعات الحديد والصلب والأسمنت وصهر الألمنيوم، لتغطي أكثر من 65 بالمئة من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في البلاد، مع إدراج أكثر من 3700 وحدة رئيسية للانبعاثات. وأدى التسعير الواضح لحصص الكربون إلى تحويل انبعاثات الكربون إلى تكلفة ظاهرة تتحملها الشركات، وحفز مختلف الجهات على زيادة استثماراتها في البحث والتطوير في مجال التقنيات منخفضة الكربون وتحديث المعدات. وفي المرحلة المقبلة، ستتوسع سوق الكربون لتشمل أيضا قطاعات البتروكيماويات والصناعات الكيميائية وغيرها، بما يتيح رقابة فعالة على نحو 80 بالمئة من إجمالي انبعاثات الكربون في البلاد.

إن ترسيخ الأساس المتين للتنمية الخضراء لا ينفصل عن إزالة الكربون بعمق وإعادة هندسة العمليات في الصناعات التحويلية التقليدية. فدفع التحول منخفض الكربون لا يعني التخلي عن الصناعات التقليدية، بل يعني إضفاء حيوية جديدة على الصناعات القائمة من خلال تمكينها بالتكنولوجيا. وفي الوقت الراهن، حققت 95 بالمئة من القدرة المركبة لتوليد الكهرباء بالفحم و90 بالمئة من الطاقة الإنتاجية للصلب في الصين انبعاثات منخفضة للغاية، كما أقامت الصين أكبر منظومة في العالم لتوليد الكهرباء النظيفة من الفحم وأكبر منظومة لإنتاج الصلب. وقد أسهمت عملية تحديث قطاع الصلب لتحقيق الانبعاثات المنخفضة للغاية في جذب استثمارات تجاوزت 56 مليار دولار، كما حفزت نمو صناعات ناشئة تشمل ترشيد استهلاك الطاقة وحماية البيئة والنقل النظيف ومركبات الطاقة الجديدة.

وبالتوازي مع تحديث الصناعات التقليدية والارتقاء بها، تشهد التجمعات الصناعية الناشئة، وفي مقدمتها صناعة معدات الطاقة النظيفة، صعودا سريعا. وحتى نهاية يونيو 2026، بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة في الصين 2.455 مليار كيلوواط، بما يمثل 60.7 بالمئة من إجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في البلاد، منها نحو 1.95 مليار كيلوواط من القدرة المركبة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية مجتمعتين. وخلال النصف الأول من العام الجاري، بلغت الزيادة الجديدة في القدرة المركبة للطاقة المتجددة 117 مليون كيلوواط، بما يمثل 73.9 بالمئة من إجمالي القدرة المركبة الجديدة. وفي مجال مركبات الطاقة الجديدة، بلغت حصة سيارات الركاب العاملة بالطاقة الجديدة في الصين من السوق العالمية 62 بالمئة خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، فيما بلغت حصة السيارات الكهربائية بالكامل 58 بالمئة من السوق العالمية. ولم تقتصر هذه الصناعات الخضراء الراقية على خلق عدد كبير من فرص العمل، بل أعادت أيضا تشكيل البنية التقنية للصناعات الوطنية ككل.

إن التحول الأخضر في أشكال الصناعات لا يمكن أن يتحقق من دون منظومة إمداد بالطاقة تتسم بالنظافة والأمان والكفاءة بوصفها دعامة أساسية. واستنادا إلى اتساع أراضيها وقدراتها القوية في تنفيذ المشروعات الهندسية، تخطط الصين على نطاق واسع لبناء عدد من قواعد طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكبرى في مناطق الصحار والسهوب القاحلة والأراضي الجرداء في غرب البلاد، بالتزامن مع شبكة عالمية المستوى لنقل الكهرباء ذات الجهد الفائق، بما يتيح نقل كميات هائلة من الكهرباء الخضراء إلى مراكز الأحمال الاقتصادية في المناطق الوسطى والشرقية. ويسهم الإسراع في بناء هذا النظام الكهربائي الجديد بقوة في إعادة ضبط هيكل استهلاك الطاقة بعمق، وترسيخ قاعدة موثوقة منخفضة الكربون لتوفير الطاقة اللازمة للإنتاج الصناعي وتشغيل المدن.

 ويؤدي الاندماج المتبادل بين التحول الأخضر والتحول الرقمي إلى مضاعفة أثر التكنولوجيا في تمكين الارتقاء بالصناعات. ففي المجمعات الصناعية ومراكز الخدمات اللوجستية ومراكز البيانات الكبرى، أتاح الاستخدام الواسع لأنظمة المراقبة الذكية لاستهلاك الطاقة وإدارة البصمة الكربونية تتبع استهلاك الطاقة في الوقت الفعلي وتحسينه عبر الخوارزميات. ولا يقتصر تغلغل التقنيات الرقمية على خفض استهلاك الكهرباء في المنشآت كثيفة استهلاك الطاقة، بل يوفر أيضا دعما تقنيا لخفض الانبعاثات بدقة على امتداد سلسلة القيمة بأكملها.

في مواجهة الزخم القوي الذي تشهده الصناعات الخضراء في الصين، ظهرت في الخطاب الدولي ادعاءات تتحدث عما يسمى "الطاقة الإنتاجية الفائضة". غير أن النظر إلى الصورة العالمية يكشف أن فجوة كبيرة لا تزال قائمة بين إمدادات الطاقة النظيفة واحتياجات مختلف الدول إلى التحول المنخفض الكربون، فيما تزداد الحاجة بصورة ملحة، ولا سيما في البلدان النامية، إلى معدات الطاقة الجديدة عالية الجودة والميسورة التكلفة. وبالاعتماد على تراكم تقني طويل الأمد، ومنظومة صناعية متكاملة، ومنافسة سوقية كاملة، توفر الصين للمجتمع الدولي منتجات خضراء تتمتع بقدرة تنافسية عالية من حيث التكلفة، مما يخفض بصورة ملموسة عتبة التحول الأخضر العالمي وتكاليفه.

ولا تعيد التنمية الخضراء تشكيل طبيعة الصناعات بعمق فحسب، بل تسهم أيضا في رفع جودة النمو الاقتصادي. ففي السنوات الأخيرة، واصلت الصين خفض كثافة استهلاك الطاقة وكثافة انبعاثات الكربون بالتوازي مع تحقيق نمو اقتصادي مستقر. وللمرة الأولى، أدرج تقرير عمل الحكومة لعام 2026 خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3.8 بالمئة ضمن الأهداف الرئيسية المتوقعة للتنمية خلال العام. ومع التحول الشامل لآلية الحوكمة نحو نظام مزدوج للتحكم في إجمالي انبعاثات الكربون وكثافتها، حددت الخطة الوطنية للتعامل مع تغير المناخ خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة هدف خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 17 بالمئة بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2025. وتثبت الممارسات الراسخة أن التحول الأخضر لم يضعف مرونة الاقتصاد، بل ضخ في مسيرة التحديث قوة دفع طويلة الأمد أكثر أمانا واستقرارا واستدامة.

إن حماية البيئة وتعزيز التنمية الاقتصادية لم يكونا يوما خيارين منفصلين أو متعارضين. وكما أشار الرئيس الصيني شي: "إن حماية البيئة والتنمية الاقتصادية ليستا في علاقة تعارض وتناقض، بل في علاقة وحدة جدلية. فحماية البيئة هي حماية للقوى الإنتاجية، وتحسين البيئة هو تنمية للقوى الإنتاجية." وتثبت الصين من خلال ممارساتها الحية أن التحديث لا يحتاج إلى إعادة سلوك الطريق الغربي القديم القائم على الاستهلاك المرتفع والتلوث الشديد، وأن التنمية الخضراء المنخفضة الكربون يمكن أن تصبح بالفعل مصدرا متجددا لدفع الازدهار الاقتصادي. وهذا النموذج الناجح المتجذر في التجربة الشرقية لا يقدم للعالم حلا مقنعا وقابلا للتطبيق للتوفيق بين التنمية والحماية فحسب، بل يضيء أيضا اتجاها جديدا نحو مستقبل مستدام للحضارة الإنسانية.

……………………

بقلم/ نور يانغ إعلامي صيني 

مقالات اخرى للكاتب

بناء الصين الجميلة يقود محركا جديدا للتنمية الخضراء المنخفضة الكربون