24 - 08 - 2026

أحلام القيد.. وجراح المهنة

أحلام القيد.. وجراح المهنة

أدرك أن هذه الرسالة ستثير الكثير من الاعتراضات، وستفتح الباب أمام هجومٍ لا يتوقف.

 لكن، أمام مستقبل المهنة، وحقوق ممارسيها، ومستقبل العاملين بها، لا سبيلَ إلا التعامل الجاد مع الوضع الراهن، وما خلّفه من تشوهات.

 فمعالجة الجراح لن تكون أبدًا بالتغطية عليها، بل بالتعامل الجاد مع مسبباتها، حتى لو كان آخر الدواء هو الكي، كما يقول المثل العربي، بدلًا من ترك هذه الجراح للتعفن، أو أن تُصاب بغرغرينا التيبس، بما يهدد بتسميم كامل للجسد.

١- أزمة القيد.. والقضايا المؤجلة

لقد جاءت أزمة تقدم شريف عامر للقيد بنقابة الصحفيين لتفتح من جديد جرحًا شديد العمق في جسد المهنة، وتُعيد إلى السطح قضيةً مسكوتًا عنها، تمثل واحدة من أخطر أزمات الصحافة المصرية في الوقت الراهن: وهي قضية مدّ الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة، وقطاعات واسعة محرومة منها، وهم المتدربون والصحفيون العاملون في المواقع الإلكترونية. وهي القضية المعروفة بأزمة قيد صحفيي المواقع الإلكترونية. فقطاع كبير من الصحفيين، رغم الاعتراف بهم رسميًا من قبل الدولة، ورغم صدور القانون (180) لسنة 2018، الذي اعترف بالصحافة الإلكترونية والرقمية، ووضع تعريفات واضحة لها، لا يزالون يعملون بلا حماية نقابية، ولا ملاذ لهم، في ظل نصوص الدستور المصري، التي جعلت لكل مهنة نقابةً مهنيةً واحدةً، سوى الحصول على حماية نقابة الصحفيين، ولكنها مغلقة في وجوههم بفعل تفسيرات للنصوص القانونية يتحتم علينا البحث عن مخارج لها؛ حفاظًا على المهنة وبنيان النقابة.

كما كشفت أزمة تقدم شريف عامر للقيد أيضًا عن حجم الغضب المكبوت داخل قطاعات واسعة من الصحفيين والممارسين للمهنة، دفاعًا عن حقهم المشروع والمسلوب في الحصول على هذه الحماية. وهو حق يعترف به غالبية ممارسي المهنة، لكن الوصول إليه لن يأتي إلا عبر نقاش جاد يتجاوز الانفعالات الحادة، والغضب غير المؤطر، ويرسم خريطة واضحة للمستقبل تراعي مصالح جميع الأطراف، وتتجاوز تخوفات قطاع واسع من أبناء المهنة.

٢- وقفة مع النفس: خطوات إضافية 

على الرغم من أن مجلس النقابة الحالي اتخذ عددًا من الخطوات لصالح الاعتراف ببعض حقوق ممارسي المهنة من غير النقابيين، بدءًا من الإعلان بوضوح عن أن المجلس يدافع عن جميع ممارسي المهنة، والسعي الجاد للتفاعل مع شكاواهم، والتدخل في قضايا العمل لصالح قطاعات كبيرة منهم، والدفاع عن حقهم في ممارسة المهنة، وضم المحبوسين منهم إلى قوائم النقابة، وخوض معركة الإفراج عن عددٍ ممن تم القبض عليهم من غير النقابيين، وفتح أبواب النقابة لهم، وإتاحة الفرص لتدريبهم، وعدم التفرقة بين أعضاء النقابة، والمتدربين في قضية مؤقتي الصحف القومية، والمطالبة بتفعيل النصوص القانونية على المتدربين من خلال إلزام الجهات بإرسال قوائم بأسمائهم كشرط لقبول القيد في المستقبل، إلا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى ضرورة تحويل هذه الخطوات إلى فعل قانوني ومؤسسي يعيد لهم حقهم المسلوب في الحماية النقابية، من خلال فتح الباب بشكل قانوني أمام قيدهم، والاعتراف بهم مؤسسيًا وقانونيًا، وهي خطوة صارت فرضَ عينٍ على الجميع.

٢- لماذا هذا الطرح؟: مكاسب المهنة والنقابة والسوق

ولعل الرسالة الأهم، التي يجب أن يدركها جميع الأطراف، أن هذه الخطوة ليست مجرد إقرار بحق مسلوب، ولكنها أيضًا السبيل للحفاظ على المهنة وإصلاح أوضاعها وملاحقة أشكال تطورها، فضلًا عن كونها لازمة لضبط السوق الصحفي. فمدّ مظلة الحماية النقابية للجميع سيسمح في الوقت نفسه بإغلاق الأبواب الخلفية أمام المنتحلين، وتفعيل سبل محاسبة المتجاوزين. فضلًا عن أن مستقبل النقابة وقدرتها على التعبير عن الصحفيين ورعاية مصالحهم سيظل مرهونًا بانفتاحها على المستقبل، ومدّ الحماية لجميع الممارسين لها وتمثيلها لجميع ممارسي المهنة، تطبيقًا للنصوص الدستورية.

إن مستقبل المهنة وتطورها رهن بأن تمد النقابة مظلتها لحماية جميع العاملين بها، وهو ليس حقًا للصحفيين الإلكترونيين فقط، ولكنه سيحقق أيضًا مصلحة جميع الأطراف، وفي مقدمتها الجماعة الصحفية، بل والجهات التنفيذية أيضًا، من خلال تطبيق الضوابط النقابية على الجميع، وعدم استغلال أخطاء بعض المواقع كذريعة للتضييق على عمل الصحف أو العصف بحرية الصحافة، فضلًا عن أن المواقع الإلكترونية هي "الباب المفتوح" حاليًا على اتساعه لتوسيع السوق الصحفي، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تحيط بالصناعة، والتكاليف العالية للطباعة، وكذلك تراجع البنية التحتية والمؤسسية لصناعة وشركات التوزيع، بعد خروج عددٍ كبيرٍ من الموزعين ومنافذ التوزيع من السوق، وهو الباب الذي يضمن استيعاب أكبر عددٍ من ممارسي المهنة والعاملين والمبدعين داخل السوق الصحفية.

٣- نظرة على فلسفة القانون: إعادة التفسير لا التعديل

أعتقد أننا نحتاج لنقاش جاد حول سبل مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة بما يحافظ على حقوق جميع الأطراف. ولعل أحد الأبواب هو إعادة تفسير النص القانوني الحالي لصالح المستقبل، مع وضع ضوابط صارمة وحادة تمنع دخول منتحلي الصفة، وتضمن في الوقت نفسه ألا تصبح المواقع بابًا خلفيًا للعضوية، من خلال تشديد الشروط ووضع ضوابط صارمة لقبول المتقدمين، من خلال قصر القبول على المواقع ذات البناء المؤسسي، التي تضمن علاقة عمل حقيقية مقابل أجر عادل، وتكفل ضمانات لاستمرار علاقة العمل، وتحفظ الحقوق المتبادلة بينها وبين النقابة، مع تحديد حد أقصى للمقيدين طبقًا لطبيعة الموقع والمؤسسة، التي تنطبق عليها هذه الشروط المؤسسية، وبما يضمن في الوقت نفسه ألا يتم استغلال عدم شمول الحماية النقابية لقطاعات واسعة من الصحفيين لفتح أبواب لتمثيلهم عبر مؤسسات نقابية ناشئة يسهل إخضاعها، بدعوى أن نصوصها القانونية تسمح بذلك، في محاولة لتقليص دور نقابة الصحفيين على المدى الطويل.

إن نظرة متأنية على فلسفة القانون وقت وضعه عام 1970، ستكشف أن المشرّع كان حريصًا على مدّ الحماية النقابية لجميع العاملين في المهنة، باختلاف تنوعاتها وقت صدور القانون. فتحدث عن "الصحافة المطبوعة"، كما مدّ الحماية لصحفيي الوكالات، الشكل الوحيد خارج أدوات الطباعة ومفهومها وقت صدور القانون، ولم يقف عند هذا الحد، بل إنه فتح باب الحماية النقابية من خلال الانتساب لمَن يمارسون مهنة الصحافة حتى لو كانوا يعملون بوظيفة أخرى، وكذلك للصحفيين الأجانب، والعرب المقيمين على أرض مصر طوال مدة إقامتهم، وهو الحق الذي تم نقله من النقابة لجهات أخرى، وهو ما يجب علينا فتح نقاش ممتد  حول مسبباته ونتائجه، وأثره على النقابة والمهنة.

وهكذا تتضح فلسفة القانون، التي أدركتها الجمعية العمومية في مراحل مختلفة، وحرصت دائمًا على الحفاظ على هذه الفلسفة من خلال توسيع مفهوم النص وتجاوز التفسيرات الضيقة والإمساك بعصا التطور. حدث ذلك عندما ظهرت الصحافة الحزبية، ثم الخاصة، ثم مواقع الصحف الورقية، فأعيد تفسير القانون في كل مرة لصالح مدّ الحماية النقابية لكل ممارسي المهنة، وهو ما حمى المهنة لفترة طويلة. لكن هذه الرؤية المنفتحة تراجعت خلال السنوات الماضية وهو ما فتح الباب لاستغلال الوضع لصالح مؤسسات أخرى تدخلت للسيطرة على جانب من السوق، ومنحت صفة "صحفي" وتركت الباب على اتساعه لتغول منتحلي الصفة في ظل  تراجع أدوات المحاسبة وضبط السوق، وهو ما تحاول النقابة حاليا التعامل معه لكن ترك مسببات المشكلة دون حل سيساهم في تكريس الوضع الحالي وتفاقم الأزمة.

ان نظرة مدققة لمواد القيد في القانون تظهر بوضوح أنها لم تقف عند حدود الصحف الورقية كما تروج بعض التفسيرات، للنص الخاص ب "الصحافة المطبوعة" – رغم ان مفهوم الطباعة في حد ذاته قد يتسع ليتجاوز التفسير الضيق – بل أن هذه المواد  شملت وسائل نقل المحتوى الصحفي المتاحة وقتها ومنها الوكالات، وهي في طريقة وشكل عملها المهني أقرب للمواقع الإلكترونية ولا تقوم على الطباعة ولا تشترط وجود إصدار ورقي.

وسط كل ذلك يبقى الامل معلقا على تعديل النص أو توسيع مفهومه، وفي ظل مخاوف متصاعدة من تعديل القانون حاليا حتى لا يتم فتح الباب لمجهول ينال من المكاسب التي كفلها خاصة ما يتعلق بمواد الحقوق والحريات، فإن أحد الحلول التي ينبغي على الجمعية العمومية مناقشتها، هو إعادة تفسير النص لصالح المستقبل، من خلال الجمعية العمومية نفسها، لتصبح سيدةً على نصوصها وطريقة تطبيقها، وتستعيد ما تم سلبه من صلاحيات النقابة لصالح مؤسسات أخرى، وبما يتيح لها التدخل لإصلاح السوق وضبط نصوص القيد بما يتناسب مع التطورات التي لحقت بالمهنة، خاصة أن قطاعًا واسعًا من أعضاء النقابة أنفسهم صاروا يمارسون الصحافة من خلال المواقع، ويتزاملون مع صحفيين حقيقيين بهذه المواقع، لكن التفسير النصي الضيق يحول بين زملائهم، وبين الالتحاق بالنقابة، أو اكتساب عضويتها.

٤ - أزمة خطاب التفرقة بدلا من  الدفاع عن الحق

أدرك أن جانبًا من الأزمة قد يصنعه بعض صحفيي المواقع أنفسهم، عندما يدفعهم غضبهم لمقارنات غير محسوبة، وغير منضبطة بينهم وبين الزملاء أعضاء النقابة، مما قد يستغله البعض لإثارة نعرات ومقارنات هي وليدة مشكلة الحرمان من الحماية، ليتم استخدامها دون قصد لتكريس هذا الوضع المؤسف، والتفرقة بين أبناء المهنة الواحدة على الجانبين، بدعوى فروق الكفاءة تارة، وبدعوى فقدان المعايير المهنية وغياب التطوير تارة أخرى.

لقد أعاد القانون (180) تعريف الصحفي، معترفًا بالصحافة الإلكترونية والمواقع والعاملين بها. وجاءت مخاطبات نقابة الصحفيين للجهات التنفيذية لتستجيب جزئيًا لهذا التطور، مؤكدةً أن الصحفيين هم مَن يحملون كارنيه النقابة، أو العاملون في الصحف والمواقع المعتمدة من المجلس الأعلى للإعلام، أو المتقدمة لتوفيق أوضاعها بشرط الحصول على مؤهل عال.

الآن، آن الأوان لإكمال الطريق من خلال نقاش جاد داخل المهنة، يمر عبر الجمعية العمومية للنقابة، يعيد صياغة اللائحة التنفيذية للقانون وقواعد القيد بما يتوافق مع فلسفة القانون ومستقبل المهنة، ويضع ضوابط تسمح بمدّ الحماية النقابية لممارسي المهنة، وتفتح الباب واسعًا للتصدي لظاهرة انتحال الصفة ومحاسبة المنتحلين.

٥- آثار مد الحماية: مواجهة البطالة وضبط للسوق وتطوير للمحتوى

 هذا النقاش لا بد أن يشمل الأثر المترتب على مدّ هذه الحماية. فالمؤسسات القديمة لم تعد قادرة على حل العديد من المشاكل المتراكمة، مثل مشكلة البطالة، التي لن يمكن استيعاب المتضررين منها إلا من خلال المؤسسات الجديدة، خاصة أن غالبية المشروعات الجديدة في عالم الصحافة تسعى لتأسيس مؤسسات رقمية، وعبر إخضاعها للقواعد القانونية والنقابية تكون بوابة للحل. كما أن ضم هذه المؤسسات يفتح الباب لضبط السوق من خلال اشتراطات الحد الأدنى، والحصول على تدريبات بعينها للاستمرار، وكذلك يفتح الباب للخبرات داخل المؤسسات القديمة، التي تسعى لتقليص الأعداد أو التخلص منها، عبر فتح مجالات أوسع للاستفادة من هذه الخبرات، فضلًا عن أن قدرة هذه المؤسسات على الوصول إلى أعداد أكبر من المواطنين والمستخدمين الجدد، عبر ملاحقة مستمرة للتطورات، تفتح الباب لمناقشة سبل تطوير الصحف الورقية وتحويلها إلى مراكز للتأثير عبر صحافة أكثر عمقًا، وأكثر تخصصًا.

٦- تنقية الجداول والتصدي لتجارة العضوية

إن هذا الانفتاح، مع وضع قواعد شديدة الصرامة للقيد، سيفتح الباب أيضًا لاتخاذ إجراءات نقابية لتنقية الجداول – وهو ما بدأته النقابة حاليًا – دون ضغوط اتساع رقعة البطالة، وكذلك تحديد حجم السوق والعاملين فيها، بما يسمح بمواجهة جادة مع منتحلي الصفة، استكمالًا للإجراءات التي بدأتها النقابة مؤخرًا، ويعيد استيعاب المهنيين الحقيقيين داخل السوق المتسع.

إن المخاوف من ضم الصحافة الإلكترونية، لابد من مواجهتها وبحث سبل السيطرة عليها  في ظل استيعاب أعداد كبيرة من العاملين فيها عبر التراخيص القديمة، التي اتسعت نسخها الرقمية، بينما تراجعت طبعاتها الورقية، لمجرد الحفاظ على باب لدخول النقابة، وربما اعادة تفسير النصوص لصالح تجاوز هذه العقبة سيوجه جانبا كبيراً من هذه الأموال التي تنفق للحفاظ  على الشكل، لصالح تطوير هذه المؤسسات، وتطوير وسائطها (ورقية ورقمية) بما يلائم السوق، وإنتاج محتوى صالح للوسائط المتعددة، ويلبي احتياجات القارئ، وهو ما سيساهم كثيرًا في التصدي لتجارة العضوية واستغلال بعض المؤسسات ضيق السوق الصحفي الورقي للتجارة بأحلام ممارسي المهنة وحل أزمات قيد صحفيي المواقع حاليا عبر طرق خلفية.

ولعل ما يثيره البعض، من أن السماح بدخول المواقع سيفتح الباب للنشطاء، مردود عليه بقوة، بأن جميع المواقع التي حصلت على تراخيص مرت عبر بوابة ومراجعة الجهات الرسمية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للإعلام، وجميعنا يعرف الشروط الضاغطة والإجراءات المشددة للترخيص، التي تكافح الجماعة الصحفية من أجل ضبطها لصالح العمل الصحفي، فضلا عن ان الأمر متروك للجمعية العمومية لوضع ضوابط من يتم القبول منه من المواقع وضرورة ضبط الشكل المؤسسي لهذه المواقع.

٧- رفض الحلول القسرية.. دعوة لنقاش ديمقراطي حر عبر الجمعية العمومية

أؤكد مرة أخرى أن هذا النقاش لا بد أن يمر عبر بوابة الجمعية العمومية، وأي محاولة لفرضه بالقسر هي باب سيفاقم من الأزمة بدلًا من حلها، وهو ما ألاحظه في خطابات تدعو مجلس النقابة لفرض هذه الرؤية على الجمعية العمومية كجزء من انحيازاته، باعتباره سلطة عليا وليس قيادة منتخبة – وهو أمر مرفوض تمامًا، فهو خطاب يكرس السلطوية بدلًا من أن يفتح الباب لنقاش ديمقراطي حقيقي وحر يحافظ على مصالح جميع الأطراف.

 فالحلول القسرية لا تصنع مستقبلًا، وإنما تعبر عن انحيازات أصحابها فقط، بما يخلق مقاومة قد تتسبب في تقويض أي مكتسبات لاحقًا.

٨- احتمى أبوك بالنصوص فدخل (…….) .. خطر الانغلاق 

علينا أن نعمل معًا للمستقبل، ونسعى لإزالة مخاوف قطاعات الخائفين على مستقبل المهنة والنقابة، ونثبت لهم أن الحل هو الاندماج مع هذا المستقبل وملاحقة أدوات تطوره، لا الاحتماء بالنصوص القديمة، التي تفتح الباب للصوص القيد، أو مستغلي الأوضاع الحالية للنيل من قوة النقابة وإضعافها، بإضعاف تمثيلها لجموع ممارسي المهنة، فتنشأ سلطات موازية، أو يتم نقل قطاعات من الصحفيين إلى مؤسسات نقابية أخرى بحثًا عن الحماية، ليتم إضعاف جميع الأطراف، أو تنشغل بصراع داخلي على حساب المهنة. لكن الحل سيبقى دائمًا بيد الجماعة الصحفية، وبيد نقابتهم، التي لا بد أن تبقى الممثل الحقيقي لجموع ممارسي المهنة، وأن تصادر كل محاولات شق الصف حولها.

٩- المستقبل يفرض نفسه، والتحدي في استباقه

المستقبل، شئنا أم أبينا، سيفرض نفسه. لكن كل الخوف أن نصحو لنجد نقابة الصحفيين قد تيبست أوردتها، وتكلست الدماء في عروقها، بينما تسعى مؤسسات أخرى لتحل مكانها، وتفرض سطوتها على السوق الصحفي، بينما يتراجع تأثير النقابة وصوتها بتراجع قدرتها عن الدفاع عن المهنة والمنتمين لها وممارسيها بمختلف تنوعاتهم.

ولندرك جميعًا أن غلق الأبواب أمام المنتحلين لن يكتمل إلا عبر بسط الحماية النقابية على ممارسي المهنة الحقيقيين، بما يسمح للنقابة بضبط السوق الصحفي، ومحاسبة المتجاوزين.

وفي النهاية، هذه دعوة لبدء نقاش جاد داخل أروقة النقابة حول سبل وعقبات مد المظلة النقابية لتشمل جميع ممارسي المهنة الحقيقيين، بما يتيح حمايتهم ومحاسبة المتجاوزين، أو مَن ينتحلون صفة صحفي لتحقيق مكاسب شخصية.

أدرك أن هذه الدعوة ستثير الكثير من الاعتراضات، لكن إغلاق النوافذ أمام النقاش هو الخطر الحقيقي على المهنة والنقابة، بل وعلى الصحفيين أنفسهم، حينما يجدون أنفسهم محاصرين بين أروقة الماضي، دون أي محاولة لتطويع المستقبل لصالح مهنتهم.

دعونا نبدأ هذا النقاش فورا، من خلال جلسات مفتوحة لجميع الأطراف تحت مظلة النقابة،وليكن هدفنا أن نصنع معا رؤية متماسكة للمستقبل تقدم حلولا متنوعة لا يتم اقرارها إلا من خلال الجمعية العمومية.
---------------------------------------
بقلم: خالد البلشي
* نقيب الصحفيين المصريين

مقالات اخرى للكاتب

أحلام القيد.. وجراح المهنة