24 - 08 - 2026

ترامب ومفارقة الحرب الاقتصادية.. حين يرتدّ الضغط على إيران ضغطاً على الاقتصاد الأميركي

ترامب ومفارقة الحرب الاقتصادية.. حين يرتدّ الضغط على إيران ضغطاً على الاقتصاد الأميركي

يهدّد دونالد ترامب إيران بتصعيد الضغوط الاقتصادية والعقوبات، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي نفسه ارتفاعاً في تكاليف الطاقة والتضخم وضغوطاً متزايدة على معيشة الأسر. فالحرب والتوتر مع إيران ينقلان، عبر سوق الطاقة، جزءاً من كلفة المواجهة مباشرةً إلى الاقتصاد الأميركي.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك سوق الديزل. فقد أظهرت تقارير لـ«رويترز» أن هامش ربح تكرير الديزل في الولايات المتحدة تجاوز، في آب/أغسطس 2026، للمرة الأولى مستوى 100 دولار للبرميل، فيما شكّلت اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، والحرب مع إيران، والقيود المفروضة على حركة النقل، عوامل رئيسية وراء هذا الارتفاع.

وانعكس هذا الضغط بصورة مباشرة على المزارعين الأميركيين أيضاً. ووفقاً لتقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس الأميركي، دفع المزارعون في الولايات المتحدة خلال موسم الزراعة الربيعي لعام 2026 نحو 1.4 مليار دولار إضافية لشراء الديزل مقارنة بالعام السابق، أي بزيادة بلغت 63 في المئة.

من جهة أخرى، أفادت «رويترز» بأن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت بنحو 60 في المئة منذ اندلاع الحرب مع إيران، فيما أدت الاضطرابات التي طالت المصافي في الشرق الأوسط ومسارات نقل الطاقة إلى خلق ضغوط تضخمية كبيرة.

وتتناقض هذه المعطيات مع الوعد الانتخابي الذي قطعه ترامب بخفض تكاليف المعيشة وجعل الطاقة أرخص. بل إن تقريراً حديثاً لـ«رويترز» حول المشهد السياسي أمام ترامب أشار إلى أن ارتفاع التضخم وأسعار البنزين تحوّل إلى قضية سياسية بالنسبة إلى إدارته، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

ومن هذه الزاوية، تحمل تصريحات ترامب بشأن أن انتهاء الحرب يمكن أن يؤدي إلى خفض أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة في الولايات المتحدة رسالة استراتيجية مهمة: فإذا كان إنهاء الحرب قادراً على خفض أسعار الطاقة، فإن استمرارها يمكن أن يؤدي، في المقابل، إلى زيادة كلفتها الاقتصادية على المجتمع الأميركي.

كما أن انخفاض أسعار النفط بنحو 7 في المئة بعد إعلان ترامب وقف هجوم كان مخططاً له ضد إيران، أظهر مجدداً مدى حساسية سوق الطاقة تجاه مستوى التوتر بين البلدين.

وعليه، فإن إيران لا تمثّل بالنسبة إلى واشنطن مجرد ملف في الحسابات العسكرية أو الدبلوماسية؛ بل أصبحت، في ظل أزمة الطاقة، أحد المتغيرات المؤثرة في الاقتصاد الأميركي الداخلي. وهنا تحديداً تتحول «القوة الجيوسياسية» إلى «كلفة اقتصادية».

لكن من المهم عدم اختزال جميع المشكلات الاقتصادية الأميركية في العامل الإيراني. فالدين العام الذي يقترب من 40 تريليون دولار، والعجز في الموازنة، والرسوم الجمركية، وارتفاع أسعار الفائدة، والمشكلات البنيوية للاقتصاد الأميركي، كلها عوامل مستقلة. وقد أشار تقرير حديث لـ«فايننشال تايمز» إلى أن تزامن الدين البالغ 40 تريليون دولار مع ارتفاع معدلات فوائد الرهن العقاري وأسعار الوقود، يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الأميركي.

لكن النقطة الاستراتيجية الأساسية تكمن هنا: واشنطن تريد تحويل «الحرب الاقتصادية» إلى أداة ضغط على إيران، في حين أن استمرار المواجهة يمكن أن يعيد جزءاً من كلفتها إلى المستهلك والمزارع والناخب الأميركي.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة حديث ترامب عن انخفاض تكاليف المعيشة بعد انتهاء الحرب بوصفه أكثر من مجرد وعد سياسي؛ فهو، على المستوى الاقتصادي على الأقل، يمثل نوعاً من الإقرار بأن استمرار المواجهة مع إيران له كلفة على الاقتصاد الأميركي أيضاً.

في المحصلة، تتمثل المسألة الأهم بالنسبة إلى طهران في أن «الكلفة التي تُفرض على الطرف المقابل» هي أيضاً جزء من معادلة القوة في الحرب الاقتصادية. وكلما ازداد اعتماد سوق الطاقة والاقتصاد العالمي على استقرار المنطقة، ازدادت قدرة إيران على تحويل موقعها الجيوسياسي إلى ورقة ضغط اقتصادية.

إنها فرصة استثنائية ينبغي للفاعلين السياسيين وأصحاب المنابر في البلاد أن يدركوا قيمتها، وألا يقدّموا للعدو إشارات سلبية تشجعه على مواصلة العدوان. فالولايات المتحدة بحاجة إلى إنهاء الحرب أكثر بكثير من إيران؛ لكنها، من خلال الدعاية والحرب النفسية، تحاول أن تظهر نفسها بمظهر الطرف الأقوى، القادر على خوض الحرب من دون أن يتأثر بمفاعيلها الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الحرب النفسية: ليس المطلوب من واشنطن أن تكون بلا أزمات، بل أن تمنع خصومها من رؤية حجم هذه الأزمات وتأثيرها الحقيقي في القرار الأميركي.
------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي - إيران

مقالات اخرى للكاتب

ترامب ومفارقة الحرب الاقتصادية.. حين يرتدّ الضغط على إيران ضغطاً على الاقتصاد الأميركي