لا توجد دولة معاصرة تستطيع تحقيق أهدافها التنموية أو ترسيخ استقرارها المجتمعي دون منظومة إعلامية حديثة، تمتلك القدرة على بناء الوعي العام، وتقديم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب. فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو التعليق على الأحداث، بل أصبح أحد أهم أدوات القوة الوطنية الشاملة، وأحد المكونات الرئيسية للأمن القومي، في ظل عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، وتتسابق فيه الروايات المختلفة على التأثير في العقول قبل الوقائع.
لقد تجاوزت وظيفة الإعلام التقليدية فكرة الإبلاغ إلى صناعة الفهم، ولم يعد نجاح أي سياسة عامة مرهونًا فقط بجودة تنفيذها، بل بقدرة المجتمع على استيعاب أهدافها، وفهم أبعادها، والإيمان بجدواها. وبين التنفيذ والتأييد الشعبي تقف منظومة إعلامية احترافية، قادرة على ترجمة لغة الخطط الحكومية إلى خطاب مبسط، قريب من المواطن، قائم على الحقائق والأرقام والشفافية.
ومن هنا تأتي أهمية المرحلة الجديدة التي تبدأ مع تولي الكاتب الصحفي ضياء رشوان مسؤولية وزارة الدولة للإعلام. فالرجل ينتمي إلى مدرسة مهنية عرفت قيمة المعلومة، وأهمية التحليل، ويدرك بحكم خبرته الطويلة أن الإعلام لم يعد ساحة لنقل التصريحات، وإنما أصبح مؤسسة لإدارة المعرفة، وبناء الثقة، وصناعة الإدراك العام.
والتحدي الحقيقي أمام الوزارة ليس في زيادة حجم الإنتاج الإعلامي، وإنما في إعادة تعريف دور الإعلام الحكومي نفسه. فالعالم تغير، والجمهور تغير، ووسائل التأثير تغيرت، بينما لم تعد الأدوات التقليدية قادرة وحدها على تحقيق الأثر المطلوب. المواطن اليوم يحصل على أخباره من هاتفه المحمول، ويتفاعل مع فيديو لا تتجاوز مدته دقيقة واحدة أكثر من تفاعله مع ساعات من البث التلفزيوني، وهو ما يفرض على المؤسسات الرسمية أن تعيد التفكير في أدواتها، دون أن تتخلى عن رسالتها الأساسية.
ولعل أهم ما تحتاج إليه الوزارة هو الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة صناعة المبادرة. فالدولة لا ينبغي أن تنتظر انتشار الشائعة حتى تبدأ في نفيها، ولا أن تنتظر سوء الفهم حتى تشرح الحقائق، بل المطلوب أن تصبح المعلومة الرسمية حاضرة قبل المعلومة المضللة، وأن يكون الخطاب الإعلامي قادرًا على استباق الأزمات، لا مجرد التعامل معها بعد وقوعها.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق منصة وطنية موحدة تحمل اسم "مصر تشرح"، تكون بمثابة المرجعية الرقمية الأولى للمواطن، تقدم شرحًا مبسطًا للسياسات العامة، والمشروعات القومية، والقرارات الحكومية، باستخدام لغة واضحة، وفيديوهات قصيرة، ورسوم معلوماتية، وإجابات مباشرة عن الأسئلة الأكثر تداولًا. فالخبر وحده لا يكفي، والمواطن يحتاج إلى تفسير يربط بين القرار وحياته اليومية، ويجيب عن السؤال الذي يشغل الجميع: ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟
وفي السياق نفسه، يصبح إنشاء المركز الوطني للرصد والاستجابة السريعة للشائعات ضرورة وطنية، لا مجرد مشروع إداري. فالشائعة في العصر الرقمي لم تعد خبرًا كاذبًا فحسب، بل أصبحت أداة للتأثير النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وقد تتحول في ساعات قليلة إلى رأي عام يصعب تصحيحه. ولهذا فإن امتلاك منظومة ذكية للرصد المبكر، تعتمد على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وإصدار ردود موثقة وسريعة، سيشكل نقلة نوعية في إدارة المشهد الإعلامي.
غير أن بناء الوعي لا تصنعه المؤسسات الرسمية وحدها. فهناك ملايين الشباب الذين يشكلون القوة الأكبر على منصات التواصل الاجتماعي، وهؤلاء يمكن أن يكونوا شركاء في نشر المعرفة الصحيحة إذا أُحسن إعدادهم. ومن هنا تبرز أهمية إطلاق برنامج "سفراء الوعي الرقمي"، الذي يقوم على تدريب شباب الجامعات والمحافظات على التحقق من المعلومات، واكتشاف الأخبار المضللة، وإنتاج محتوى رقمي إيجابي يعكس الحقائق بلغة يفهمها أبناء جيلهم.
ومن الضروري كذلك أن تمتلك الدولة قاعدة بيانات إعلامية موحدة للمشروعات القومية، تكون متاحة للصحفيين والباحثين والإعلاميين، وتضم أحدث البيانات والأرقام والصور والمواد الفيلمية وقصص النجاح. فالمعلومة الدقيقة هي أساس الإعلام الجيد، وهي أيضًا أفضل وسيلة لمواجهة الاجتهادات غير الصحيحة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يظل الاهتمام الإعلامي محصورًا في العاصمة، بينما تشهد المحافظات حراكًا تنمويًا واسعًا. إن مشروع "صوت المحافظات" يمكن أن يعيد التوازن إلى الخريطة الإعلامية، من خلال تقديم قصص النجاح المحلية، وتسليط الضوء على المبادرات المجتمعية، ورواد الأعمال، والمشروعات الصغيرة، بما يعكس صورة أكثر اكتمالًا للتنمية في مصر.
ولأن الإعلام صناعة تعتمد على الإنسان قبل التكنولوجيا، فإن إنشاء الأكاديمية الوطنية للإعلام الرقمي سيكون استثمارًا في المستقبل. فالتطور المتسارع في أدوات الاتصال يفرض تدريبًا مستمرًا للعاملين في الإعلام على استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى الرقمي، وإدارة الأزمات، والتواصل عبر المنصات الحديثة.
كما تحتاج الدولة إلى مرصد دائم للصورة الذهنية لمصر في الخارج، يتابع بصورة علمية كيف تُقدم مصر في وسائل الإعلام الدولية، وما هي القضايا الأكثر تأثيرًا في تشكيل الانطباعات عنها، بحيث تصبح عملية تحسين الصورة الذهنية مبنية على التحليل والبيانات، وليس على ردود الأفعال المتفرقة.
ولأن الإعلام الحديث يقوم على سرعة الوصول إلى المعلومة، فإن إنشاء منصة موحدة للمتحدثين الرسميين والخبراء سيحقق قدرًا أكبر من التنسيق، ويضمن وصول وسائل الإعلام إلى المصادر المتخصصة بسهولة، بما يعزز دقة الرسائل الإعلامية ويحد من تضارب المعلومات.
ومن المهم أيضًا أن تتجه الوزارة إلى إنتاج وثائقيات رقمية قصيرة موجهة لمنصات التواصل الاجتماعي، تقدم للمواطن قصصًا حقيقية عن المدن الجديدة، وشبكات الطرق، والمناطق الصناعية، والمشروعات الزراعية، وتجارب النجاح الفردية، لأن لغة الصورة أصبحت أكثر تأثيرًا من الخطاب التقليدي.
ويبقى العنصر الأكثر أهمية هو قياس الأثر. فالإعلام الناجح لا يعمل وفق الانطباعات، وإنما وفق مؤشرات واضحة. ولذلك فإن إطلاق مؤشر وطني لقياس الوعي العام سيتيح معرفة مستوى إدراك المواطنين للمشروعات والسياسات، ودرجة الثقة في المعلومات الرسمية، واتجاهات الرأي العام، بما يجعل القرار الإعلامي مبنيًا على بيانات علمية لا على التخمين.
إن الجمهورية الجديدة، التي تضع بناء الإنسان في مقدمة أولوياتها، تحتاج إلى إعلام يواكب هذا المشروع الوطني الكبير. إعلام يشرح ولا يكتفي بالإعلان، ويستمع بقدر ما يتحدث، ويقيس أثر رسائله، ويطور أدواته باستمرار، ويؤمن بأن الثقة تُبنى بالمعلومة الدقيقة، والشفافية، والسرعة، والاحترافية.
ولعل البداية الأكثر واقعية تتمثل في تنفيذ أربعة مشروعات ذات أثر سريع: مركز الرصد والاستجابة للشائعات، ومنصة "مصر تشرح"، وبرنامج "سفراء الوعي الرقمي"، ومرصد الصورة الذهنية لمصر دوليًا. فهذه المبادرات لا تحتاج إلى سنوات حتى تؤتي ثمارها، لكنها تحتاج إلى إرادة مؤسسية، وإدارة محترفة، وتنسيق بين مختلف أجهزة الدولة.
إن مستقبل الإعلام الحكومي في مصر لن تحدده كثرة المنصات أو حجم المحتوى، وإنما ستحدده القدرة على بناء الثقة، وتحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى قوة تدفع المجتمع إلى المشاركة في التنمية. وعندما يصبح الإعلام شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد شاهد عليه، فإنه يكون قد أدى رسالته الوطنية بأفضل صورة.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






