24 - 08 - 2026

من الخليج إلى أوروبا.. تغيّر جغرافيا الردع الإيراني

من الخليج إلى أوروبا.. تغيّر جغرافيا الردع الإيراني

إن التقرير الأخير لصحيفة فايننشال تايمز بشأن بحث إيران في خيارات محتملة لاستهداف أصول عسكرية أمريكية في جنوب شرق أوروبا، وإن كان لا يثبت بحد ذاته أن مثل هذه العمليات قد أُدرجت بصورة نهائية على جدول أعمال طهران، فإنه يحمل، من منظور استراتيجي، رسالة أكثر أهمية: جغرافيا الردع في المعادلة الإيرانية ـ الأمريكية آخذة في التغيّر.

فقد ذكرت الصحيفة، نقلاً عن شخصين قريبين من الحكومة الإيرانية، أن خيارات لضرب أصول أمريكية في جنوب شرق أوروبا، بما في ذلك بلغاريا، قد جرى بحثها، كما طُرحت قبرص أيضاً ضمن التقييمات.

وتكمن الأهمية السياسية لهذا التقرير تحديداً في هذه النقطة. ففي السابق، كانت معظم حسابات الردع بين إيران والولايات المتحدة تُحدَّد ضمن نطاق الخليج العربي والعراق وسوريا وشرق المتوسط. أما الآن، فإن الرواية الإعلامية الغربية تطرح احتمال أن تمتد التكاليف العسكرية الأمريكية، في حال اتساع نطاق الحرب، إلى مناطق تتجاوز الشرق الأوسط. وهذا يعني أن واشنطن ستكون مضطرة إلى احتساب مسألة «الأمن والعمق الاستراتيجي» لقواتها ضمن جغرافيا أوسع.

ومن منظور نظرية الردع، يكتسب هذا التحول أهمية كبيرة. فالردع لا يعني مجرد امتلاك المزيد من الأسلحة؛ بل يتحقق عندما يقتنع الطرف المقابل بأن أي عمل عسكري ضدك قد يترتب عليه ثمن غير متوقع، وقد يمتد إلى ما وراء ميدان المعركة الرئيسي.

وبالتالي، إذا أدركت الولايات المتحدة أن استخدام قاعدة عسكرية خارجية لتنفيذ عمليات ضد إيران قد يجعل تلك القاعدة وسلسلة الإمداد واللوجستيات المرتبطة بها عرضة للرد، فإن حسابات الكلفة ـ المنفعة المتعلقة ببدء الحرب أو تصعيدها تصبح أكثر تعقيداً.

وفي هذا الإطار، ربما لا تكمن الرسالة الرئيسية لتقرير فايننشال تايمز في التهديد ذاته، بقدر ما تكمن في تغيير حسابات تكلفة الحرب. فإذا كان التصور السائد حتى الأمس أن الولايات المتحدة تستطيع تنفيذ عمليات ضد إيران من مسافة آمنة، مستفيدة من شبكة واسعة من القواعد العسكرية الخارجية، فإن التقارير من هذا النوع تحاول الإشارة إلى أن هذه «الحصانة الجغرافية» لم تعد مطلقة.

وتكتسب بلغاريا أهمية من هذه الزاوية تحديداً. فقد سمح البرلمان البلغاري في 22 يوليو 2026 بالوجود المؤقت لما يصل إلى ثماني طائرات أمريكية من طراز KC-135 وما يصل إلى 250 عسكرياً أمريكياً في قاعدة بزمِر الجوية، دعماً للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، خلال الفترة من 24 يوليو إلى 1 أكتوبر 2026. وقد وصلت أول طائرتين إلى القاعدة في نهاية يوليو.

وعليه، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد «المسافة الجغرافية»، بل بدور كل منشأة ضمن شبكة القيادة والدعم والتموين وإعادة التزود بالوقود والعمليات العسكرية.

ومن جهة أخرى، فإن ردود الفعل داخل حلف الناتو تشير إلى أن هذه القضية يمكن أن تكتسب بعداً ائتلافياً أيضاً. فالحلف، الذي يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي عن أعضائه، ينظر إلى أمن أراضي الدول الأعضاء باعتباره جزءاً من منظومة الردع والدفاع الجماعي.

وهنا تبرز تداعيات مهمة بالنسبة إلى أوروبا: فكلما توسع استخدام الولايات المتحدة للبنية التحتية العسكرية للدول الأوروبية في عمليات خارج المنطقة، ازدادت احتمالات تحول أجزاء من الأراضي الأوروبية إلى ساحة لتداعيات حرب خارجية.

ومن هذه الزاوية، لم تعد القضية تقتصر على إيران والولايات المتحدة؛ بل يمكن أن تتحول إلى نقاش جدي داخل أوروبا حول حجم التكلفة التي ترغب الدول الأوروبية في تحملها مقابل استضافة البنية التحتية العسكرية الأمريكية.

ولا يعني هذا التحول بالضرورة أن إيران أصبحت قوة عسكرية عالمية بالمعنى التقليدي، لكنه يكشف عن اتساع نطاق القدرة الردعية الإيرانية، ولا سيما في الحسابات التي يجريها الخصوم بشأن مدى انتشار المخاطر المرتبطة بأي مواجهة عسكرية.

ومن هذا المنظور، فإن مجرد طرح خيارات عابرة للأقاليم يمكن أن يشكل جزءاً من «الردع الاتصالي»؛ أي إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الحرب المقبلة، إذا اندلعت، لن تبقى بالضرورة ضمن الجغرافيا التي تحددها واشنطن، بل قد تمتد تداعياتها إلى مناطق أخرى، بما فيها أوروبا.

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين «التهديد» و«الردع». فالردع الفعال ينجح عندما يدفع الطرف المقابل إلى الامتناع عن اتخاذ القرار العسكري، لا عندما يؤدي فقط إلى توسيع نطاق المواجهة. ولذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لمثل هذه الخيارات لا تكمن بالضرورة في تنفيذها، بقدر ما تكمن في إحداث حالة من عدم اليقين في حسابات صانع القرار المقابل.

وفي نهاية المطاف، ينبغي النظر إلى تقرير فايننشال تايمز لا بوصفه وثيقة قاطعة تثبت وجود قرار عسكري إيراني، بل باعتباره مؤشراً على تغير الإدراك الاستراتيجي الغربي بشأن نطاق القدرة الإيرانية على الرد. فعندما يضطر الآخرون إلى إدخال سيناريو امتداد الرد الإيراني إلى المنشآت العسكرية الأمريكية خارج الشرق الأوسط ضمن حساباتهم، فهذا يعني أن معادلة الردع قد تجاوزت جغرافيا محدودة.

ولتحويل هذا التغير الإدراكي إلى ردع مستدام، تحتاج إيران، قبل كل شيء، إلى الجمع بين ثلاثة عناصر: قدرة عسكرية موثوقة، وغموض استراتيجي بشأن طبيعة الرد وكيفيته، ودبلوماسية نشطة تحول دون تحول الردع إلى حرب شاملة.

ففي سياسة القوة، لا تكون أهم الانتصارات دائماً في توجيه الضربة؛ بل قد تكون في أن يُجبر الطرف المقابل، قبل توجيه ضربته، على حساب تكلفتها في جغرافيات متعددة وعلى مستويات متعددة.
----------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي - إيران

مقالات اخرى للكاتب

ترامب ومفارقة الحرب الاقتصادية.. حين يرتدّ الضغط على إيران ضغطاً على الاقتصاد الأميركي