صيام العذراء في مصر مختلف عن كل أصوامنا نحن المصريون.. أمسيات نهضة العذراء تضخ موجات إنعاش بأكسجين سماوي يهز الوجدان من الدلتا للصعيد.. وهج روحاني.. تهليل التماجيد المصاحبة لزفة أيقوناتها بالبخور والدفوف وسط الحشود داخل وخارج الكنائس، ترجف الأبدان.. رجفة خشوع تسيل المشاعر دموعا تسحب كل الأوجاع، تطهر النفوس فتتلألأ، كما قطرات الندى على العشب فجرا.. وترفع الأدرينالين.. طابور الشمامسة يدور بأيقونات وثقت محطات حياتها، بدءا من صبية تتلقى بشارة الملاك:- "ستحبلين دون زرع بشر، طفلا سيكون ملكا لليهود!!".. براءة قبولها للبشارة!! عدم هروبها من مجتمع، مستحيل يقبل أو يصدق أن صبية أقل من 15 عاما، مخطوبة لأرمل أصغر أبنائه أكبر منها!! ممكن أن تحمل بلا خطيئة! يوسف خطيبها نجار طيب السمعة يتلقى نفس البشارة بإيمان وسلام، ويرعاها فرٍح!! حكاية أقرب إلى الأساطير، أكدها شهود العيان ووثقها كبار مؤرخين من علماء فلك وتاريخ.. ثم سجلها رسل وتلاميذ المسيح في أربعة اناجيل وأسفار العهد الجديد الذي بدأ بميلاد المسيح.، مكملا العهد القديم (التوراة).
الليالي المريمية تصعد بالقلوب لتلامس السماء.. حشود مصرية تهزم حرارة الجو بحرارة الابتهال.. تظللها سحابة طمأنينة تغطي ربوع مصر، وتطلق زغاريد الإحساس بحضورها.. تماما كأيام ظهورها عام 68 فوق قباب كنيسة الزيتون.. أسبوعي النهضة مظاهرات سلام وفرح توحد مشاعر المصريين وتذيب الفوارق أيا كانت.. تعادل رهبة سكون انتظار مدفع رمضان في مصر مش ايجبت..انفردت العذراء بحب جموع المصريين والثقة في شفاعتها، لكونها المرأة الوحيدة التي كرمها القرآن بذكر اسمها "مريم" 34 مرة.. ذاكرا بشارة الملاك لبتول "عذراء".. وبأن طفلها يسوع تكلم في المهد لاعلان مجده وبراءة أمه.. تاكيدا لحكاية تفوق قدرات استيعاب العقل البشري.. وصفها القرآن الكريم فى سورة آل عمران " ان الله طهرك واصطفاك على نساء العالمين".. ميلاد يسوع من عذراء جاء تأكيدا لنبوءات التوراة (العهد القديم) الذي بدأ بكلام الله مع موسى النبي في العليقة بسيناء.. وتسليمه لوحى العهد الجديد، وتكليفه هو في الثمانين باخراج شعبه المختار من مصر استجابة لانقاذهم من استعباد فرعون.. انتهى عهد العبودية بقصة حياة داود الملك في أورشليم.
وبميلاد يسوع بدأ عهد التوبة عن عبادة الأصنام والايمان بالله الواحد الأبدي.. جال يسوع حاملا رسالة محبة ورحمة انسانية، تشفي النفوس والأجساد، المحبة هي عربون دخول ملكوت السماوات.. صنع معجزات أزعجت رؤساء الكهنة والكتبة مهددة سلطتهم كاشفة نفاقهم واستغلالهم للشعب.. ادانوه بالتجديف وأسلموه للحاكم الروماني طالبين قتله مصلوبا، اعلانا لعار جريمة ادعاء أنه المسيح المنتظر!
تحققت نبوءات العهد القديم حرفيا.. وبات العهد الجديد هو الكتاب المقدس، ميثاق المسيحية و(جي بي اس) سلوكها.. توثقت الأحداث بآلاف المخطوطات باللغة اليونانية القديمة، وترجماتها السريانية واللاتينية والقبطية والأرمينية.. المخطوطات محفوظة حاليا في برديات مابين لندن وروسيا واليونان وسانت كاترين - اللى عليها عين السياحة المفنجلة ربنا يخزيها!! - ومخطوطات مكتبة الفاتيكان من( ق.2: ق.5 ).. لم يكتب العهد الجديد باللغة العبرية ولا الأرامية، اللغتان الأساسيتان لموطن يسوع في الناصرة والجليل واورشليم واليهودية.. كتب باليونانية لأن اليهود لازالوا في انتظار ميلاد يسوع، تنصلا من قتله!! لكن سياحيا وتجاريا احتفظوا بآثار تؤكد أحداث الإنجيل!! مثل بركة بيت حسدا بأورشليم، المطابقة لوصف انجيل يوحنا!! وبركة سلوام حيث معجزة شفاء المولود أعمى.. وبقايا قصر هيرودس موقع محاكمة يسوع.. وموقع القبر المقدس في جثسيماني والجلجثة!! تبجيلا للبيزنس!!
حظيت مصر بأثار عظيمة نتيجة استقبالها للعائلة المقدسة الهاربة من اضطهاد اليهود والرومان - كما النبوءات نصا!!- وأقامتها في ربوعنا مددا متقطعة طالت ثلاث سنوات ونصف.. فحظينا بإرث فتح للمصريين طاقة نور إلى السماء.. باركت منها العذراء مصر مرارا، أشهرها عقب حزن نكسة 67.. وقد وثقتها الكنيسة بشهادات حية لجموع نالت شفاء وجددت رجاء وشددت إيمانا.. وأضحت العذرا نموذجا للإتضاع وتسليم الايمان، وشفيعة مؤتمنة امام عرش النعمة لنصرة المظلوم وشفاء المريض.. ولا زالت تدهشنا تجلياتها وتوابع ظهوراتها بعد أكثر من ألفي عام على صلب يسوع!! عمرا تفككت فيه الامبراطورية الرومانية.. وتبدلت من طاغية إلى شاهد اثبات!! وأصبحت دولة الفاتيكان هى مقر البابا منذ حوالى مئة عام.. ومركزا للكنيسة الكاثوايكية في العالم، تمثل 18% من سكان العالم!! أغلبهم بأمريكا اللاتينية.
بوركت بلادى بمواقع آثار رحلة العائلة المقدسة التي غطت انحاء الجمهورية من المعادي إلى جبل درنكة بمحافظة أسيوط!! وحكايات كالأساطير تثبت الإيمان وتطيب الروح.. تقدس العذراء مريم محبة وإجلالا دون عبادة.. كما شهداء المسيحية القديسين، جنود الجيش الروماني الذي قتلهم بوحشية!! أشهرهم مارجرجس الرومانى وأبو سيفين والأمير تادرس، وعشرات أديرتهم منتشرة في ربوع مصر ملجأ للتعابى، تنشر سلاما يبدد حصار الضغوط، ويجدد الثقة بالله وحده.
عصور احتلالنا واستعمارنا واستنزافنا، واضطهاد المسيحيين تركت بصمات شكلت ملامح الشخصية المصرية، عضلات وأحلام.. تراثا منثورا أمام عيوننا بطول وعرض ضفتي النيل، بلا أسوار ولا تذاكر دخول.. ماض وحاضر التحما عاشقا ومعشوقا صوفيا بديعا ثريا شامخا ملهما للمستقبل، ومثبتا جذورنا وأصولنا..المساس به جريمة.
تاريخنا الحديث سجل نكسة هدم الكنائس واستهداف المسيحيين من آثارها.. مثل جامع بن طولون الوحيد الذي بقي، تدمير كل قصورهم وآثار حكمهم لمصر، ق.19 لمدة 37 عاما فقط!! مجرد أسرة تركية عسكرية صغيرة تخدم الخلافة العباسية، لكنها أول من أذاقتنا طعم الاستقلال عن الحكم العباسي.. أقاموا دولة مؤسسات وجيش واقتصاد، يشهد التاريخ بأنها الفترة الذهبية للمسيحيين.. حيث أمر أحمد بن طولون بوقف هدم الكنائس لاستغلال أعمدتها في بناء الجوامع، تكريما لمهندس مصري كان مضطهدا ومعتقلا لكنه بني جامع الحاكم الفخم بدون أعمدة.. وبوفاة ابنه خماروية ضعفت الدولة، ودُمرت القصور والمبان لكن بقي الجامع شاهدا!
وتبقى مصر أكثر دولة بوركت بظهورات العذراء المعترف بها كنسيا وعالميا.. بداية من تجليها فوق قباب كنيستها بالزيتون 2/4/ 68 لمدة ثلاث سنوات بظهورها للجموع.. ثم في صيامها 8/ 2000 بكنيسة مارمرقص بأسيوط في عهد الأنبا ميخائيل (أسد الصعيد) لمدة عام..ثم 12/ 2009 بكنيستها والملاك ميخائيل بالوراق.
وقبلها ظهرت في المكسيك 1531، وفي فرنسا 1846 ، و 1858، وفي البرتغال 1917، و1989.. وفي رواندا ظهورات مدينة كيبيهو (1981- 1089) تدعو للصلاة، وتحذر بشدة من الكراهية والعنف والدماء، وقيل عن رؤى لطالبات شاهدن أنهارا من الدماء والجثث، سبقت الابادة الجماعية في رواندا بخمس سنوات، حيث قتل 800 ألف مسيحى في فترة قصيرة اعترفت بها الكنيسة الكاثوليكية 2001!! وظهرت في اكيطا باليابان 1973 للراهبة أغنيس، تحملها رسائل روحية.. ثم في البوسنة والهرسك 1981.. وقد تسجل أن ظهورها شمال اليابان، هو الأغرب عالميا.. حيث ظهرت لراهبة صماء في هيئة نور غامض في بيت خبز القربان، تلاه سمعها تكرار صوتا صادرا من تمثال خشبى للعذراء، يدعو للتوبة والصلاة من أجل البابا والأساقفة والكهنة.. قبل ان ينزف التمثال ويبكى 101 مرة خلال 6 سنوات من (1975- 1981).. وذلك بشهادة 500 شخص بينهم الأسقف.. بعد 8 سنوات أعلن أسقف نيغاتا ان ما حدث فاق الطبيعة، لأنه في بلد لها تاريخ طويل في اضطهاد المسيحيين، وبعدما أصبحوا أقلية لا تزيد عن 2.18%.. ليتأكد قول الكتاب المقدس " قوتي في الضعف تكمل" .
كل سنة ومصر بخير فى عيد العذراء اليوم.
-----------------------------
بقلم: منى ثابت






