حين ننظر إلى عتبات مجموعة "ابتسامات مبتسرة" للقاص "فتحي إسماعيل"، وإلى بنائها الداخلي، نجد أنفسنا أمام تصميم دلالي يربط بين العنوان والإهداء وخمسة أقسام يحمل كل منها عنوان "ابتسامة" تحمل أرقاما متتابعة من واحد إلى خمسة.
وحين نقرأ نص الإهداء: "إلى كل روح عانت ثم انطلقت تعزف للآخرين لحنًا للسعادة"، نجد أنه يحدد الحركة الأساسية الحاكمة لعالم المجموعة، هناك معاناة، لكن الإنسان يحاول، رغمها، أن يصنع شيئًا للآخرين، لحنًا أو ابتسامة، لكن عنوان المجموعة يأتي ليضع قيدًا حاسمًا على هذا المعنى، فكل هذه الابتسامات مبتسرة. فبوسع الإنسان أن يبتسم، لكن أثر المعاناة يظل باقيا، هنا نفهم دلالة تصديره للقسم الأول "ابتسامة 1"، يقول: "الناي الذي لم يئن والنار تثقب عوده، حين بثوه أنفاسهم؛ بكى". هكذا يخبرنا أن الأقسام الخمسة هي خمس محاولات للابتسام. وبين ابتسامة وأخرى تتوزع الحكايات عن الحب والفقد والحرمان والوحدة والبحث عن الذات، لكن هذه الابتسامات، مهما تعددت، تظل مبتسرة.
وقد يوحي ترقيم الابتسامات للوهلة الأولى بحركة صاعدة، كأننا ننتقل من مرحلة إلى أخرى، لكن القراءة تكشف أن عالم فتحي إسماعيل أقرب إلى الدائرة، فهناك محاولة ثم فشل، تليها محاولة أخرى ثم فشل ثان وهكذا، في رحلة سيزيفية مستمرة، ومن هنا تبدو الابتسامات الخمس كمحطات في رحلة الإنسان، تمثل محاولات متكررة للنجاة.
ومن أكثر الثيمات حضورًا في المجموعة ذلك الحلم الذي يظل الإنسان يسعى إليه حتى يفقد، أثناء الطريق، القدرة على الاستمتاع به، الطفل في "بيانو" يتمنى أن يصبح عازفًا، ويحلم بشراء بيانو لكن جنيهات أبيه لا تكفي، فينزل إلى الشارع كي يجمع ثمن البيانو. وحين يكتمل الثمن لم تعد لديه أصابع صالحة للعزف.
والشيء نفسه نجده في "درب"، حيث يسير الراوي في طريق طويل، "أستضيء بألق العيون، أعبئ الابتسامات في حقيبة صغيرة أحملها على كتفي"، لكن عند النهاية تصفر الريح داخل الحقيبة الفارغة.
كذلك يحضر الحب بقوة في المجموعة، لكنه نادرًا ما يكتمل، غالبًا ما يكون هناك عاشق ينتظر، أو شخص يتحدث إلى نفسه. في "مقهى قديم" يجلس شاب إلى جوار فتاة حسناء، غارقًا في تفاصيلها، لكنه لا يرى أن عينيها "حرة من شباكه"، تتأمل ما حولها، وتتجه إلى النافذة والعالم الخارجي، بينما الرجل يخرج النمل من فمه، ويعلو التراب المنضدة، ويتقوس ظهر المرأة، وهو لا يتوقف عن الهمس.
وفي قصة "أمل" يكثف الكاتب تجربة الانتظار في جملة واحدة: "رغم علمه يقينًا برحيلهم، ما زال يطرق الباب".
وإذا كان الحب لا يكتمل، فإن الفقد يظل حاضرًا، في "مساحيق" نتابع ممثلًا تجاوز الستين ولا يجد عملًا سوى دور مهين يضطر إلى قبوله. وبين دموعه التي يخشى عامل الماكياج أن تفسد المساحيق، وحياته الليلية مع امرأة تعيش بدورها حياة مزدوجة، يتبقى له في النهاية منديل ملوث بكحلها. وحين يأوي إلى النوم "أخرج المنديل الملطخ بكحلها، تأمله مليًا وبكى".
في هذا العالم تبدو الأشياء أحيانًا أكثر وفاءً من البشر، قطعة من جدار، وردة ذابلة، صورة قديمة، خاتم تغير موضعه، منديل ملوث بالكحل؛ كلها تحمل آثار حياة مضت، ولهذا فإن الفقد لا يظهر دائمًا بوصفه غيابًا صريحًا، قد يكون مجرد تغير في مكان شيء ما، أو بقاء أثر بعد رحيل صاحبه.
ومن الثيمات اللافتة أيضًا حضور المكان القديم في مواجهة ما يحل محله، في قصة "جدار" يتحول الحائط إلى شاهد على حياة الراوي. احتمل اتكاءه في لحظات الغضب والتعب والانتظار، وحين يبدأ هدمه يرجوه ألا يتركه، لكن البناية الجديدة ترتفع مكانه، فيسقط الراوي قطعة من الجدار من يده، ويمضي، وهو لا يخشى شيئًا "قدر خشيتي النظر إلى الوراء".
ونجد الفكرة نفسها في "شجرة السدر" التي تقطع أثناء بناء البيت الجديد، فتسقط معها صور قديمة، في هذه القصص، يأتي الجديد دائمًا فوق شيء اضطر إلى الاختفاء، فما الذي يضيع عندما نبني جديدًا؟ وأين تذهب الأماكن التي كانت تحفظ وجوهنا وأصواتنا وأسرارنا؟
في جانب آخر من المجموعة، يوجه "فتحي إسماعيل" نظره إلى العالم السياسي والاجتماعي، مستخدمًا السخرية والمفارقة، في "مؤازرة" تتحول مأساة أرملة إلى مناسبة لتبادل مشاعر التعاطف، "يا إخوانا حد يساعد الناس دي"، ثم تتكرر العبارة على لسان رئيس الحي والمذيع والرئيس، الجميع يتحدث عن المساعدة، لكن لا أحد يقدمها.
وفي "الرجل المحترم" يخرج العمال والفلاحون من أعمالهم، ويلبسون جميعًا الزي الذي فرض عليهم لأن الرجل المحترم سوف يمر، وبعد مروره يكتشفون أن عليهم إعادة الملابس في اليوم التالي، فيضيع منهم أجر يومين. وتنتهي القصة بالسؤال: "ترى هل لمح الرجل المحترم أنصافنا العارية حين مر؟".
وإذا كانت السعادة نفسها مبتسرة، فإن القيم الكبرى لا تسلم من هذه الرؤية، في "حرية" يخرج الفأر من الجب ويرى القط للمرة الأولى، فيعجبه جماله وألوانه الزاهية فيندفع نحوه، إنها حرية تنقصها المعرفة، لذا قد يتحول التحرر نفسه إلى طريق نحو افتراس آخر.
وفي "عدالة" يبدو أن العالم بلغ لحظة مثالية، فقد "استتب العدل"، واختفى المشردون، وخلت السجون، لكن في اللحظة نفسها، "يجتمع الثوار والشعراء يتبادلون التعازي".
تلخص قصة "السؤال" البعد الوجودي في المجموعة، يبدأ الأمر بسؤال عبر الهاتف، "أين أنت؟" ويحاول الراوي تجاهله، لكنه لا يستطيع، يهرب إلى الشوارع والأزقة، ويصل إلى غرفة ومرآة، لكنه يكتشف أن السؤال يلاحقه في كل مكان، وحين يكسر المرآة، يظل السؤال "منتصبًا أمامي، فالسؤال عن الهوية وليس المكان. وهو الأمر نفسه الذي تطرحه قصة "رفيق"، حيث يطارد الظل صاحبه، وحين يتعب يسقط، "فيدهسني ظلي اللعين ولا يتركني أنزف وحيدًا".
يرتبط اختيار فتحي إسماعيل للنص القصير جدًا بطبيعة رؤيته، فهذه النصوص تلتقط لحظة تكشف الحياة كلها، في "درب" تكفي حقيبة فارغة في النهاية لتلخيص رحلة طويلة. وفي "بيانو" تكفي الجملة الأخيرة عن الأصابع لتغيير معنى القصة كلها. هذه الكتابة تعتمد على الاقتصاد والحذف، لذلك نجد الشخصيات في كثير من النصوص بلا أسماء، والخلفيات غير مكتملة، لكن هذه التقنية لا تنجح إلا عندما تكون الصورة قادرة على حمل أكثر مما تقوله، وهو ما يتحقق في عدد كبير من النصوص.
ويمتد التكثيف إلى عناوين النصوص، ففتحي إسماعيل يمنح أغلب قصصه عناوين من كلمة واحدة، وغالبًا ما تأتي نكرة مجردة من أداة التعريف، كما نجد على سبيل المثال في بيانو، جدار، وسادة، أمل، درب، رفيق، هذا الاختيار ليس منفصلًا عن طبيعة القصة القصيرة جدًا التي تقوم على الاقتصاد والحذف، فالعنوان يضع أمام القارئ كلمة تبدو بسيطة قبل أن تتسع دلالتها داخل القصة. والتنكير ينزع عن الشيء خصوصيته الأولى ويمنحه قابلية للتعميم.
ومن أبرز ملامح أسلوب فتحي إسماعيل ميله إلى التشخيص والفانتازيا، فالأشياء لا تبقى أشياء، بل تدخل في صلب الفعل القصصي، في قصة "لقاء حميم بين خطأين صغيرين" يختبئ خطأ في ملابس العريس، وآخر في شعر العروس، ثم يلتقيان ويتكاثران حتى يمتلئ المكان بالأخطاء، وفي "سيزيف" تسأل الصخرة الرجل الذي يواصل دفعها لماذا لا يستريح، لكنه لا يجيب، هذه القدرة على منح المجرد حياة مستقلة واحدة من أدوات الكاتب في تحويل الفكرة إلى مشهد.
وأخيرا، حين نعود إلى البناء الكلي للمجموعة، يبدو تقسيمها إلى خمس "ابتسامات" أكثر من مجرد تنظيم للنصوص، فالقصة الأولى أعطت الكتاب عنوانه، لكن الابتسامات الخمس أعطته إيقاعه الداخلي، بعد عدد من النصوص نصل إلى ابتسامة جديدة، لكن البداية الجديدة لا تمحو ما قبلها، ولهذا فإن الترقيم من «ابتسامة 1» إلى «ابتسامة 5» يعني أننا نمر بخمس محاولات، تتكرر فيها تجارب الحب والحرمان والفقد والسخرية والبحث عن الذات، وكأنها خمس محطات تتوزع بينها شظايا البشر،
وهنا يلتقي البناء الداخلي بالمجموعة مع إهدائها وعنوانها. فالإهداء يضع أمامنا روحًا عانت ثم انطلقت تعزف للآخرين لحنًا للسعادة، لكن العنوان يذكرنا بأن ما تنتجه هذه الروح ليس إلا "ابتسامات مبتسرة".
----------------------------
قراءة: أحمد رجب شلتوت






