في عصر تتدفق فيه المعلومات بغزارة، وتتنافس الأخبار العاجلة ومقاطع الفيديو القصيرة والفضائح المتلاحقة على جذب الانتباه، يغدو المشهد الإعلامي أشبه بعاصفة لا تهدأ، ففي كل ثانية ينهمر فيض من الرسائل وكأن الكون كله يصرخ دفعة واحدة يريد أن يقول كل شيء فلا يصل منه شيء، ولكن في خضم هذا الطوفان الهادر يتسلل إلى الوعي سؤال خافت: ما الذي اختفى بين هذه الكثافة المفرطة؟ إنه الصمت، ليس صمت الأصوات بل صمت الأسئلة الكبرى.
ففي المشهد الذي يزخر بالحديث يختفي سؤال الخبز وتتلاشى كلمة الكرامة وتضيع العدالة، هذا الفيض العارم ليس فوضى عابرة بل هندسة دقيقة للوعي الجمعي تتقنه مراكز القوة منذ أمد بعيد، ففي عام 1922 كشف والتر ليبمان مفهوم "صناعة الموافقة" (Manufacturing of Consent)، وهو تلك العملية غير المعلنة، والتي تنتج بها النخب توافق الجماهير على سياساتها ليس بالعنف بل بتشكيل الصور الذهنية التي ترى بها الجماهير واقعها، وبعد عقود طوَّر نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان هذا المفهوم في "نموذج الدعاية" (Propaganda Model) الذي يتتبع خمسة مرشحات إعلامية تعمل بتناغم لتقرير ما يُعرض وما يُحجب: تركيز الملكية والاعتماد على الإعلانات ومصادر الأخبار والانتقادات المضادة والخوف كآلية رقابية، ليكون الجمهور في النهاية متلقياً لما يُراد له لا باحثاً عما يحتاجه.
وهنا في قلب هذا النموذج يكمن سر المأساة الراهنة: التشتيت، تلك الإستراتيجية المتقنة التي تهدف إلى تجريد المحتوى من مضامينه السياسية وتحويل الأخبار إلى سلع سريعة الاستهلاك وإعادة توجيه الغضب الشعبي من جذوره الاقتصادية إلى صراعات هامشية، وكأن الإعلام يعمل كقناع بصري يخفي ولا يكشف ويُشغل العقل ولا يوقظه، وحين ينجح في إقناع الرأي العام بأن كلبة مفقودة في التجمع الخامس هي أولى بالبحث من 66 مليون إنسان يعانون الجوع تكون الآلة قد حققت غايتها واستُكملت خطة الإفقار دون أن تُطلق رصاصة واحدة.
ففي زمن تتضاعف فيه أثمان الخبز وتُباع مفاصل الدولة ويفقد الملايين قوتهم، يجد الجمهور نفسه منشغلاً بكل شيء إلا بما يئن منه، كلبة مفقودة تُعلن عنها مكافأة بمليونين وخلاف بين نجمين يتصدر وسائل التواصل وفضيحة سياسية هامشية تملأ النشرات، وليس هذا تدافعاً عفوياً للأخبار بل هندسة إلهاء تضبط خيوطها أيادٍ خفية وتُدار بدقة المشرط لصرف الأنظار عن الجوع الذي يلتهم الأجساد وعن الكرامة التي تنزف في صمت، فالتدفق المتواصل للمحتوى المضلل لا يهدف إلى إعلام المتلقي بل إلى تشويشه وإدخاله في دوامة من الضبابية الفكرية وطمس الحدود بين الترفيه والواقع، وعندما تضيع البوصلة يضيع السؤال، وعندما يضيع السؤال تنتصر الآلة، فالجمهور المشغول بالتفاهات لا يملك وقتاً ليسأل: من أكل خبزي؟ ولماذا تُباع أرضي وأنا أشاهد؟
وتكشف الدراسات الأكاديمية أن التشتيت ليس أداة هامشية بل استراتيجية مركزية تعبر الأطياف كافة، ففي دراسة نُشرت عام 2025 في دورية "Computational and Mathematical Organization Theory"، قارن الباحثون بين المواقع الإخبارية المحلية الأصيلة وتلك المزيفة المعروفة باسم "اللحم الوردي" (Pink Slime) - وهي مواقع تولد محتواها بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتتنكر في زي الصحافة المستقلة لجذب القراء والإعلانات، فوجدوا أن كلا النوعين استخدما التشتيت لكن لأهداف مختلفة: المزيفة كانت ضد الانتخابات المحلية والأصيلة ضد الشخصيات الوطنية، أي أن التشتيت يُوظف لأغراض متباينة لكنه يلتقي في نتيجة واحدة: إبعاد الجمهور عن الأسئلة الجوهرية، وحين تتعدد أدوات التشتيت يصبح الجمهور أسيراً لدائرة لا مفر منها من الانشغال بالتفاهات ويموت في داخله سؤال واحد: لماذا يجوع أطفالي؟
وما نراه اليوم من طوفان ترفيهي ليس وليد العصر الرقمي بل تمتد جذوره إلى روما القديمة حيث أدرك حكامها أن إلهاء الجماهير بالطعام والعروض هو أضمن سبيل لإخماد الاحتجاج، فكان شعارهم الخالد: "الخبز والسيرك" (Panem et Circenses)، ومازال يتردد حتى اليوم وإن ارتدى ثوباً أكثر تعقيداً، ففي العصر الحديث لم يعد الترفيه مجرد ملهاة بل أصبح آلة ضخمة تستهلك العقل الجمعي وتستنزف طاقته النقدية في متاهات لا نهاية لها، فلا يبقى للإنسان متسع من وقت ليتأمل ولا مساحة من ذهن ليفكر ولا هامش من روح ليثور.
وهنا تذهب مدرسة فرانكفورت النقدية إلى أبعد من ذلك معلنة أن "الترفيه في جوهره يحمل بعداً قمعياً"، فهو لا يقدم المتعة فحسب بل يقدم وعياً زائفاً ويُخدر التفكير النقدي ويُحول الإنسان من فاعل سياسي إلى متفرج سلبي، وكما يلاحظ عالم الاجتماع والفيلسوف تيودور أدورنو، وهو أحد رواد هذه المدرسة، فإن الترفيه الجماهيري لا يتسامى بل يقمع ويعيد إنتاج الامتثال من خلال توحيد الأذواق وتسطيح التجربة الإنسانية، وليس أدل على هذه الهندسة من التحولات المفاجئة في التغطية الإعلامية حين تنتقل الكاميرات من تغطية مجزرة في غزة إلى فضائح فنانين وكأن الجريمة الكبرى تُمحى بجريمة صغرى، وهكذا يصير الترفيه سلاحاً والتشتيت سياسة والوعي رهينة.
وفي مجتمعات الفقر المدقع حيث تتهاوى جدران المدارس ويصبح الإعلام المصدر الأوحد للمعلومات تكمن الكارثة، فإعلام التشتيت لا يقدم المعرفة بل يقدم بديلاً عنها، إنه يُنتج جيلاً من الجهلة المتعلمين الذين يقرأون ويشاهدون ويستمعون لكنهم لا يفهمون، ويمتلكون حقائق لكنهم يفتقدون السياق، وكما يلاحظ المحللون فإن الجهل في عصر المعلومات ليس غياباً للمعرفة بل هو حضور للقوة، سلعة يُنتجها ويتداولها من ينتفع بها.
وتشير الدراسات إلى أن وسائل الإعلام غالباً ما تقدم صوراً عدائية عن الفقر مما يُبرر التهميش ويُضفي الشرعية على التفاوت، فالفقير في هذه الصور ليس ضحية سياسات جائرة بل هو المسؤول عن فقره، وهكذا يصبح الجهل نتيجة للفقر وآلية لاستدامته، بل تتجاوز التحليلات إلى أبعاد عنصرية، ففي دراسة كلاسيكية للباحث مارتن جيلنز وجد أن الأمريكيين من أصل أفريقي شكلوا 62% من صور الفقراء في المجلات الإخبارية بينما لم يشكلوا سوى 29% من الفقراء في الواقع، فالفقير يُصبح "آخر" مختلفاً ليس لأنه فقير بل لأنه يُنظر إليه على أنه مختلف، وهذا الجهل ليس غياباً للمعلومات بل غياب للقدرة على ربطها، فالمواطن يسمع عن الفساد لكنه لا يربطه ببيع أصول الدولة، يرى الجوع لكنه لا يسأل: لماذا؟ هذا هو الجهل المنظَّم الذي وصفه بعض المحللين بأنه نظام معرفي مضاد يُوظف لتوجيه الإدراك الشعبي وإنتاج المواطن الطيع المنفصل عن الحقيقة، جهل يجعلك تشاهد لكن لا ترى، تسمع لكن لا تفهم، تعيش لكن لا تعترض.
وربما يكون التعصب هو الحصاد الأكثر فتكاً لآلة التشتيت، ففي غياب الوعي النقدي وفي خضم الفقر والجهل يصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى هويات ضيقة يمنحه الانتماء إليها شعوراً زائفاً بالوجود ويعوضه عن جوعه بكرامة وهمية، وهنا يأتي الإعلام ليعزز هذه الهويات ويُوجهها نحو خصوم وهميين، وتكشف الدراسات الميدانية أن رجال الإعلام يحتلون المرتبة الثانية في نشر التعصب في المجتمع بنسبة 85.1% بعد المثقفين، أي أن الإعلام ليس ناقلاً للتعصب بل منتجاً له، فالإعلامي في سعيه لجذب المشاهدين يلجأ إلى لغة الاستقطاب ويُضخم الخلافات ويُحوّل الاختلاف إلى عداوة، وهكذا تتحول المجتمعات إلى قطع متناحرة تستنزف طاقاتها في صراعات لا طائل من ورائها بينما يبتسم الجلادون.
وهنا يبرز مفهوم مرعب في أدبيات الأمم المتحدة، هو "تسليح الفقر" (Weaponisation of Poverty)، حيث تُستخدم الانقسامات الاجتماعية عمداً لتفتيت النسيج المجتمعي، وتحويل المحتاجين إلى أدوات في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكما يخلص تقرير للأمم المتحدة فإن تقويض الحماية الاجتماعية يخلق أرضاً خصبة للتطرف ويحوِّل الاحتياج الإنساني إلى أداة لتفكيك التضامن، فالفقراء وهم يتصارعون على لقمة العيش يُصرف نظرهم عن السؤال الحقيقي: من سرق خبزي؟ وهكذا يصبح الفقير حليفاً لجلاده ويُدفن وهو يلعن أخاه دون أن يسأل: من أكل خبزي؟
والآن نعود إلى حيث تحدثنا في مقالتنا: "الجوع إهانة للكرامة: قراءة في سياسات الجوع وهندسة الفقر"، ففي قلب هذه المعادلة يقف الإعلام كالضلع الثالث في مثلث الفقر إلى جانب المرض والجهل، وكما يولد الفقر المرض كذلك يولد الفقر إعلاماً مشتتاً وهذا الإعلام يُعمق الفقر، فالإعلام المشتت يُضعف الوعي الطبقي ويُحول الغضب من السياسات الفاشلة إلى صراعات هامشية، يُشغل العقل بلقمة الخبر العاجل لئلا يبحث عن لقمة الخبز، ويُضخم الخلافات الصغيرة ليُخفي الجريمة الكبرى، وهكذا يصبح الإعلام شريكاً في الجريمة وصمام أمان للأنظمة القمعية ومخدراً بصرياً يُبقي الجماهير في حالة من الذهول الدائم، وكما يلاحظ المحللون فإن بعض وسائل الإعلام باتت تشتغل كأدوات صرف جماعي لا كأدوات توعية، وهكذا تكتمل الحلقة المفرغة ويظل الخبز سؤالاً وجودياً معلقاً في الهواء بلا إجابة وبلا أمل.
ولطالما ظننا الإعلام نافذة على العالم لكنه أصبح جداراً يمنعنا من رؤية ما وراءه، ظنناه أداة تنوير فإذا به آلة تعتيم، فهو ليس كياناً محايداً بل يعكس مصالح من يملكون ويخدم أجندات من يديرون، وحين تُوظفه النخب في خدمة سياسات الإفقار يتحول إلى سلاح فتاك: لا يطلق الرصاص لكنه يطلق الأكاذيب، لا يدمر المدن لكنه يدمر العقول، لا يقتل الأجساد لكنه يقتل الأمل والوعي والكرامة، وهنا يبرز السؤال الأعمق: من يملك آلة الإعلام؟ ومن يملك الإعلام يملك الوعي، ومن يملك الوعي يملك المستقبل، ومن يملك المستقبل يملك كل شيء، أما من لا يملك الإعلام فيصبح رهينة في بحر من المعلومات يظن أنه يرى بينما يُحجب عنه ويظن أنه يعرف بينما يُضلل.
ولئن كنا نبحث عن صوتنا في زحمة الضجيج وعن حقيقتنا في بحر الأكاذيب وعن كرامتنا في خضم الإهانات، فإن التاريخ يذكرنا بعبرة لاتُمحى: حينما كانت روما تحترق، كان نيرون يعزف على قيثارته، وكان الشعب منهمكاً في سيركه وخبزه المجاني، ولم يدرك أحد أن اللهب سيأتي على القصر والكوخ معاً، وأن الإمبراطورية التي ظنت أنها تسيطر على العقول بالترفيه، سقطت حين سقطت الأسئلة، وقامت الشعوب حين قامت بضمائرها، وفي الأندلس، حين ألهى الحكام أنفسهم بالمآدب والغناء بينما كانت الممالك تتهاوى، لم ينتبه أحد إلى أن الجوع لا يُطعم بالقصائد ولا الكرامة تُسترد بالشعر، حتى ضاع الأمل، واندثرت الدولة، وبقي الدرس شاهداً على أن الأمم لا تسقط من الخارج بل من الداخل، حين يصبح الضجيج ديناً، والتفاهة ثقافة، والصمت جريمة، وحينها لا ينفع الندم ولا البكاء، لكن الحكمة تقول إن التاريخ يعيد نفسه حتى يتعلم من يقرأ، وإلا كان الهلاك هو المعلم الوحيد، ففي زمن الضجيج يصنع الصمت ثورته، وفي زمن التشتيت يصنع التركيز مقاومته، وفي زمن الإعلام الآلي يصنع الإنسان إنسانيته، فهل نحن مستعدون؟
--------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






