20 - 08 - 2026

رشقة أفكار | المهزومون في بر مصر (3): وفي الطريق إلى واحة سيوة.. العذاب يرتسم فوق شفاه تبتسم!

رشقة أفكار | المهزومون في بر مصر (3): وفي الطريق إلى واحة سيوة.. العذاب يرتسم فوق شفاه تبتسم!

كل إهمال أو خطأ - حتى ولو كان مني - يضايقني جدا.. أتصور أحيانا بطفولة شديدة أنني ملاك.. وربما يسخر منى اصدقائي ويقولون لي على مواقف من هذا النوع: "إيه ده ..كنا فاكرينك أنشف من كده"؟! من فينا على صواب .. أنا الذي ارفض الخطأ - وإن ارتكبته - أم هم الذين يعتبرون الخطأ أمرا طبيعيا وعاديا؟! هل أدمن هذا البلد بكل من فيه ارتكاب الأخطاء.. فأصبحت من المُسلّمات؟! حين يكون الخطآ خطأ مسؤول، وخطأ دولة، ويتسبب في خسائر فادحة للبلد الفقير المعدم الذي بلغت فيه حدود الفقر مبلغا عظيما، لا يكون الأمر مقبولا مطلقا (لابد أن نفتح قوسا على مصراعيه: حسب الاحصائيات الرسمية الأخيرة فإن معدل الفقر بلغ  29.7% في عام 2019-2020. وبحسب البنك الدولي ترتفع النسبة  إلى  32.5%  تقريبا . لنغلق القوس الدامي وقد نفتح غيره أكثر نزفا في سطور أخرى)

ربما يكون ممكنا تحمل الأخطاء إذا كانت القدرة الاقتصادية تتحمل ذلك.. لكن الحقيقة أن أي مصري لا بد أن يغضبه إنفاق الدولة جنيها واحدا في غير موضعه.. تحزن على مشروعات تم تنفيذها من دون دراسات كافية.. مدينة دمياط للأثاث نموذجا.. إصدار  قوانين انتخابية ليست معبرة عن توجهات وانحيازات الناخبين.. تتيح  لقوى المال السياسي الانفراد والهيمنة على السياسي والاقتصادي! تتجاهل الدستور الصادر عام 2014 الذي يلزم الحكومة بتخصيص نسب من إجمالي الناتج القومي الإجمالي للإنفاق الحكومي، بواقع ٦٪؜ للتعليم و٣٪؜ للصحة ولكن تقارير رقابية ومجتمعية مستقلة عديدة تقطع بأنه لا يتم الوفاء بها!. كيف هو حال التعليم والصحة في البلد؟ التعليم الجيد يعطي الأجيال الجديدة قيما عظيمة ويمنحهم أهدافا مستقبلية رائعة.. فانظر حولك ماذا ترى؟ القيم التي أراها هي الولع بالساحل "الشرير" وشعارات "يللا ساحل".. وحفلات لانعرف من أين يأتي مرتادوها بأموالهم الساخنة! "حين تكون القيمة فينا لا يعنينا ماذا يبقى ماذا يضيع".. كان ذلك في سابق الأيام  كما صاغه شاعر كفاروق جويدة.. أما القيمة الآن - كما صاغها أيضا -  فهي تنسف كل ذلك: "يعنيني وحدي أن أبقى والكل يضيع"! وهكذا من الطبيعي ان يتفاقم الغش في المدارس، ويقل عدد المتفوقين، ويكون التعليم مجرد بوابة لسلم اجتماعي بعضه مرتبط بمستويات اقتصادية رهيبة، وكثيره يرتبط بمستويات متدنية.. نتاجها انتشار ثقافة الاستهلاك وغياب القدرة على الخيال والحلم والابتكار والخلق وتحَمُل المسؤولية.. وصولا إلى الانفصال بين الأجيال وبين الوطن! الأجيال العتيقة من المصريين مازالوا قابضين على جمر الوطنية، فماذا عن اجيال قصات الشعر الممسوخة في غير حياء، والبلوزات الحريمي التي بات يظهر بها رجال (!!)  مط (….مُسُفون وليسوا مطربين!) يملأون الدنيا قيما لا أظن حتى أن القرود والنسانيس والديكة والأرانب قد عرفتها منذ خلقها الله!|

.. حتى المشروع التأميني الكبير الذي قيل إنه سيظل المصريين صحيا، يوم لا ظل يظلهم.. وأنه سيبدأ من مدينة بورسعيد يواجه انتقادات ومخاوف بالجملة.. تتركز أبرزها حول استدامة التمويل وزيادة الكلفة على المستفيدين والاشتراكات الإجبارية ونسب الخصم المرتفعة وغياب الكوادر الطبية ذات الخبرة ، وارتفاع أسعار الدواء وربما عدم توافر أنواع مهمة وضرورية منه الخ . ورغم إشادة الكثيرين بأهداف المنظومة لتحقيق التغطية الشاملة، إلا أن التطبيق الفعلي على أرض الواقع في المحافظات التجريبية واجه عدة انتقادات من خبراء الصحة، والنقابات الطبية، والمواطنين.!

جرعة غضب وأنين تتكاثر أثناء الكتابة.. يستحيل السيطرة عليها.. فالكتابة لا تخون الأمانة، وإن قرأها قاريء واحد، وان فعلت فهي تستحق الرثاء.. ولا قيمة لها . وأغضب هنا لأن الأخطاء الحكومية متكررة، بينما الرغبة الإنسانية في التقدم هائلة.. وثقتي بأن هذا البلد يعج بالخبرات التي لاتعرف طريقها إلى مواضع صنع القرار كثيرة جدا، لكن آفة حارتنا التجاهل وتوظيف العميان!

لو نظرنا مثلا إلى  الطرق التي نفاخر بها ونرى أنها احدثت نقلات نوعية في حياتنا، سنجد أن  بعضها مليء بالأخطاء في التصميم، وتنهار لأسباب  بعضها مناخية أو تتعلق بالمرافق، وأخرى بشرية تتعلق بالدك والتأسيس، عدم الالتزام بالدك الميكانيكي الكامل لطبقات الإحلال "الردم" أثناء عملية الرصف! مثلا  في شرم الشيخ ودهب تعرض طريق لانهيار وتدمير أجزاء كاملة من الأسفلت والطبقات الإنشائية نتيجة السيول الجارفة، وطريق العين السخنة شهد ايضاً وقوع هبوط ارضي مفاجيء أدي إلى انشقاق فجوة عميقة بالأسفلت، وكوبري سوهاج الجديد تعرض إلى هبوط جزئي حاد لمسافة تبلغ حوالي ٧٠ مترا بسبب عيوب في دك التربة في مطلع الكوبري!

والحقيقة أن شبكات الطرق الإقليمية والفرعية والصحراوية تتصدر قائمة الطرق التي شهدت الحوادث الأكثر دموية في هذه المحافظات. على الرغم من خطط التطوير الشاملة، ومن بينها طريق الدواويس في الإسماعيلية، حيث  يُصنف محلياً كأحد أخطر الطرق الفرعية، وشهد مؤخراً فاجعة مرورية مروعة. والطريق الدائري الإقليمي بالمنوفية ، خاصة في القطاعات التي تربط بين الباجور ومدينة السادات. وشهد حوادث تصادم كبرى راح ضحيتها عمال يومية، والطريق الصحراوي الشرقي والغربي بالمنيا، حيث يعد محور الصعيد الصحراوي (الشرقي والغربي) من الطرق السريعة المفتوحة التي تسجل بانتظام حوادث مروعة؛ وطريق المنيا/ ديروط/ أسيوط الزراعي الذي يُصنف ضمن التقارير الرسمية لوزارة النقل كأحد المحاور التي ترتفع فيها معدلات الحوادث بسبب ضيق مساراته وتداخله مع الكتل السكنية! والاسئلة الآن من الذي لا يحزن لكل هذا الدم المراق؟ ومن الذي لا يغضب لوجود إهمال من جانب بعض المقاولين؟! لابد من تشريع يحاكم هؤلاء ويعدمهم شنقا في ميدان عام!

حينما تقترب من مدينة مرسى مطروح بطريقك إلى واحة سيوة يبدأ فاصل من العذاب، يرتسم على شفتيك، بدلا من الابتسام الذي يجب ان يملأ وجدانك، لأنك  بطريقك إلى احدى أجمل البقاع في مصر! الطريق ليس مهيأ بما فيه الكفاية للوصول بأمان إلى سيوة.. وإذا كان طريق الوصول مختلفا، فإن الذي ليس مقبولا هو الطرق العشوائية المتكسرة وغير الصالحة للاستخدام أبدا في تلك الواحة.. سواء الطريق الذي تنتشرعلى جانبيه جبال الملح التي تعد منجما يوميا وتدر دخلا لا يقل عن مليون جنيه للمحافظة - وفقا للسائق الذي أقلنا من مركز الشيخ شريف السنوسي صاحب مركز جبل الدكرور للاستشفاء العلاجي، إلى موقف باصات المدينة - كانت تجربة مريعة ومعاناة  شديدة بدأت من لحظة الخروج من المركز.. لا يوجد طريق واحد جيد أو مرصوف في سيوة.. ومنذ لحظة الخروج في سيارة خاصة إلى مكان ركوب الباص.. تبدأ رحلة المعاناة.. داخل المدينة العريقة المهمة، التي يأتي إليها أناس من مختلف أنحاء العالم! طرق متهالكة، رغم انتشار سيارات دفع رباعي يابانية فاخرة، لايقل ثمن الواحدة عن ٤-٥ ملايين جنيه أو اكثر، أغلبها  تسير من دون لوحات، ويقول الناس إنها تدخل مهربة من الحدود الليبية! كيف يتمتع الناس بكل هذه الملاءة المالية، وكيف تكسب الدولة ملايين الجنيهات من عربات الملح الذي يتم تصديره أو حتى استخدامه محليا، ولا تهتم وتستفيد لا هي ولا الشركات الناقلة المستفيدة، ولا وزارة النقل من هذه الأموال، عن طريق تعبيد الطرق ورصفها وتزويدها بالخدمات الضرورية التي يحتاجها الركاب في رحلة شاقة ومرهقة تستغرق مابين ١٠- ١١ ساعة تقريبا! كل هذا الحطام والتكسير والحفر والمطبات في طريق رئيسي.. يمتد من داخل المدينة ، ذات الأوضاع المزرية، رغم أنها مقصد سياحي عالمي.. ويمتد السوء بطول عشرات الكيلومترات تقريبا، حيث الطريق الضيق ومع هذا فهو مزدوج (اتجاهين) لكنه ضيقه مخيف! لماذا نستخسر الأموال وتحسين الأحوال في مناطق مهمة وحيوية واقتصادية مثل هذه الواحة الطبيعية، التي يمكن أن تدر دخلا كبيرا على أهلها وعلى الدولة وحتى على الشركات التي يمكن أن تقيم أنشطة فيها؟! ولماذا لايقام موقف ملائم للباصات، توضع فيه أجهزة الكشف عن الممنوعات، بدلا من إيذاء الركاب عند الأكمنة الأمنية والتي تفرض على الركاب بمن فيهم كبار السن والمرضي النزول لإجراء التفتيش المطلوب على الأمتعة!!
---------------------------------
بقلم: محمود الشربيني

الزمبلان حمدي حمادة وابو العباس محمد رفاق رحلة العذاب إلى سيوه

الشيخ شريف السنوسي مستقبلا صديقنا وزميلنا حمدي حماده وبعض من رفاق ورفيقات الرحلة من الزملاء الصحفيين

من يعتني بكل هذا الجمال الآسيوي؟!

طرق خربة ومتهالكة وسيارات ثمينة مهربة

من الأهرام

من الأهرام

أثناء الدفن في الرمال الملتهبة

ابو العباس محمد وحمدي حماده والشربيني في كهف الملح

الاغتسال بعد الخروج من البحيرات الكبريتية

الزميلة منال العيسوي على شط البحيرات الكبريتية بعد سباحة في قلب مياهها لمدة ساعة

مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | المهزومون في بر مصر (3): وفي الطريق إلى واحة سيوة.. العذاب يرتسم فوق شفاه تبتسم!