20 - 08 - 2026

إبداعات | رواية مايا - الجزء الثاني - الفصل 20

إبداعات | رواية مايا - الجزء الثاني - الفصل 20

20

27 سبتمبر 2015

عذرًا دفتري العزيز، غبت عنك طويلاً هذه المرة .. لا أعرف إن كان غيابي ضايقك أم أسعدك، ربما وددت لو أنني داومت على تواصلي معك، أحكي وأفيض وأهمس لأوراقك بما لا أهمس به لأحد، أدفن فيك أسراري، وأنت الأمين والمؤتمن.

عهدتك صادقًا، تلقاني بصفحات ناصعة البياض، وأقابلك بذاكرة معشوشبة بكل ألوان الهموم والخيبات، تُحيل بياضك سوادًا، وصفاءك عكارةً، وبهاء أنوارك ظُلمة، وسكونك عواصف، وصمتك صخبًا. يحدث كل هذا وأنت على حالك لا تتغير، وجه محايد، لا تعاتب ولا تلوم، صامتٌ كأنما لا ترى ولا تسمع، وأنت السمع والبصر كله، أنت السِتر لا يكشف ماتحته، والبئر العميق الذي لا تصل إليه يد، ولا تمتد إليه عين، دمت لي الصديق العزيزالأقرب.

يكفيني أنك تشاركني همومي، فلا أغادرك إلا وقد صرت أخف حملاً، وأفضل حالاً، مما شجعني أن أجلس مع دكتور صبره، ولا أخفي عنك شيئًا، عندما أجلس إليك لا أفكر في شكل الكلمات، أحري أن أقولها أملا، أتحدث بعفوية تحاكي حديثي الداخلي بيني وبين نفسي، حتى لأظنك مرآتي أيها الدفتر العظيم.

أهرع إليك وأنا على اضطراب بين، فما أن أراك حتى أسارع بإلقاء همومي بين يديك، أنزع عني عذاباتي وهواجسي واضطراباتي، فأتكلم كما لم أتكلم من قبل، وأبوح كما لم أبُح من قبل.

لم أتعامل معك يومًا على أنك دفتر يحوي بين دفتيه حفنة من أورقٍ جافة، أرى فيك شريكًا من روحٍ ودمٍ، أتذكُر حين سألتك ذات يوم، أتعرف قلق وتوتر ولهفة وفرحة الحب؟؛ قلق انتظار الحبيب أقصد، وتوتر اقتراب مواعيد الإشراق وسط العتمة، وتمني لهفة الوصول، وفرحة اللقاء، حتى تذوب كحبات سكر في ماء الحياة، هل عشت هذه المشاعر يومًا دفتري العزيز؟، ثم.. ثم.. وهل يمكن لامرأة مثلي أن تعيش تجربة جديدة كهذه؟

أنت الوحيد الذي سألتك هذا السؤال، وأنت الوحيد الذي خالف صمته الأبدي وأجاب بصوت كله شجن؛ ولم لا؟، لم تُبهرني إجابتك، بقدر ما سحرتني نبرة الشجن في صوتك. هذه نبرة لا تخرج إلا من كبد عاشق، عشق وذاب وتعذب وتألم، عاشق طوى أحزانه في قلبه، ولو كان في وسعه لصرخ من شدة الألم، ومع هذا رسم على وجهه ابتسامة ومضى يُكمل طريقه في سلام.

حتى عندما تلفتُ حولي حيرى من فُجاءة إجابتك ووقعت عيني على صورتنا المرحة أنا وإيلي وساندرا بملابس البحر في نابولي، ونَقَلَتُ عيني الحائرتين ما بين الصورة وعينيك، أجبتني بصوت كله يقين: هذه مشاعر لا نملك أسبابها ولا التحكم فيها ولا السيطرة عليها؛ ألا يفاجئنا المطر صيفًا، ساخرًا من حزيران وأخويه تموز وآب؟.

يا لمطر الحب، سمائي غمامات مطر.. وأرضي زهورٌ وقُبل..

خبأت فيك يا دفتري العزيز بذرة الحب التي ألقاها القدر ذات يوم على غير موعد ولا ترتيب، ثم أنكرتها ونسيتها، بل وسخرت من نفسي ومن أفكاري، وتخيلت أنني ببساطة كنتُ أهشّ ذبابة حمقاء مرت من أمام ناظري، لكنني، ويا لغرابة الأقدار دفتري العزيز، وجدتها ذات صباح أشجارًا وارفة الظلال، ربما أطلت براعمها الأولى ذات يوم في حياء، وما ظننته اهتمامًا واحترامًا متبادلا يطرز مفارش تحيات الصباح والمساء، صار زهورًا أنيقة بسيقان طويلة وألوان جذابة وروائح جميلة.

لم تكن رسائلنا المتبادلة، أنا وهاشم، كأي رسائل، كانت لها رائحة الزهور والبخور والتوابل والكافور.

وقت أرغب في مراسلته - وكثيرًا ما أرغب - أبحث في أكوام الصور المتراكمة في هاتفي عن صورة تحمل معاني البهجة والحب والمشاعر الدافئة، ربما زهرة بالغة الأناقة مع تحية صباح بيضاء بلون الفل والياسمين، وربما صورة لقمر يتوسط سماءً صافية مع تحية المساء وكم تمنيت وأنا أرسل له ذات يوم (ماذا لو أغمضت عينّي ثم فتحتهما فوجدتك أمامي) أن تقع المعجزة وأجده أمامي.

لا أخفي عنك دفتري العزيز، بل لعلك انتبهت لفعلي وكعادتك غضضت الطرف عنه، أنني كثيرًا ما أُغمضت عينيّ أملاً في تحقق تلك الأمنية حين أفتحهما، فإذا ما خاب ظني، وعادة ما يخيب، فلا أتوانى في استحضار خياله وأشرع أحدثه وأناغشه، وأضاحكه.

هل كنت الأكثر ميلاً نحوه وإلحاحًا عليه، أم هو؟، لا أدري، ولا أريد أن أعرف، لست في حاجة إلى ذلك.. 

عندما ينجذب حبيبان إلى بعضهما البعض، لا يهم أيهما الأسرع، المهم أنهما يتحركان في الاتجاه الصحيح، كم كنت أختلق الأسباب للتواصل معه إن غاب أو تأخر، كنت على ثقة من أنها مشاعر متبادلة، أحسستها في دفء مشاعره، وحنو عواطفه. القلوب لا تكذب ياعزيزي!

حتى مناغشاته التي تتجدد كموج البحر، تخفف عني وتأخذني إلى فضاءات سعادة رحبة تمتد بلا حدود.. حتى ونحن في أوج أوقات الاندماج في العمل، يلقي تعليقاته المعجونة بلطيف دعاباته، ليس فقط مع أولئك الذين يعرفهم ويعرفونه، بل وربما مع من يقابلهم للمرة الأولى، ملاطفات خليط بين الجد والهزل نتجاوز بها كثيرًا من تحديات العمل.

كانت توقيتات حضورنا في الصباح متقاربة، ثم صارت متطابقة؛ أصل فأتفقد موقف السيارات بعيني فإذا لم أجد سيارته تصنعت الانشغال؛ أتصفح الرسائل على الهاتف، أطمئن على والدتي بالتليفون، أتفقد محتويات سيارتي، حتى إذا ما وصل غادرنا الموقف معًا وتمشينا سويًا حتى المصعد؛ وكثيرًا ما كان مكتبي أو مكتبه مسرحًا لتناول القهوة الصباحية وتبادل الأخبار والأحاديث الرائقة المعطرة بالمشاعر الرقيقة، وأحيانا تنضم إلينا جان، حتى إذا ما داهمنا الوقت، قام كل منا إلى مكتبه على مضض، وقد توطدت علاقتنا أكثر وأكثر، وصار الحفر في القلب أعمق وأعمق.

لم تكن هناك نهاية لتواصلنا، هناك دائمًا ما يصل بيننا، فإذا لم نجده اخترعناه، أو على الأقل اخترعته أنا تأكيدًا لقول نزار قباني (الحب في الأرض بعض من تخيلنا.. لو لم نجده عليها لاخترعناه..)

كانت أجمل اللحظات تلك التي أجده واقفًا أمامي بطوله الفارع ينقر باب مكتبي وينظر نحوي بنصف عين مداعبًا، فلا أملك إلا أن أبتسم، وأبادره هزلاً بهزل؛ أتطلع إلى قسمات وجهه القمحي اللون، وجبهته العريضة وشعره القصير مع فودين طويلين بعض الشيء، وأسأله مداعبة وقد ارتسمت ضحكة عريضة على وجهي؛

- شو مضايقك لهالدرجة؟

- أكيد عشان شفتك!

- ولما بتتضايق قوي كده، إيه جابك عندنا؟

-قلت يمكن تكوني مشيتي

-ههههه هههه

-....

- أنا قلت أكيد طالع مكتبك في الرابع، وبالغلط ضغطت الأول

- أو إنك طلعتي الرابع وفاكره نفسك في الأول

-ههههه ههههه

-...

هكذا كانت لقاءاتنا، مزيج بين جد ومرح، لانكاد نفترق حتى تشتعل في نفوسنا رغبة معاودة اللقاء، صار مروري على هاشم في مكتبه، ومروره عليّْ في مكتبي، أو جلستنا على أحد المقاهي القريبة من مبنى الإسكوا بساحة النجمة أمرًا معتادًا، بل ومُلحًا لقلوبنا وصدورنا الـمُتعبة، لم تكن لقاءاتنا ترفًا، كانت لقاءات احتياج وضرورة.

كنت أشعر أن هناك قوة داخلية تدفع كلاً منا في اتجاه الآخر، وبتعبير آخر كانت الأقدار تدفعنا في ممرات تختلف في طولها واتجاهاتها نحو قدر معلوم، بينما نحن مسرفون في سذاجتنا غافلون عما تدبره وتخبئه لنا.

نظن في بادئ الأمر أننا نملك نواصي أمورنا بأيدينا، ثم نكتشف فجأة أننا أوراق شجر تلهو بها الريح حين يفترسها الملل في أوقات الانتظار القاتل على النواصي القديمة، فتتسكع في الشوارع العريضة والساحات تقذف بما في طريقها ذات اليمين وذات اليسار. 

الأقدار موج هادر يكتسح كل ما يقابله حتى ينتهي به إلى قدر معلوم. وهكذا يا دفتري العزيز جاء اليوم الذي أهمس لك، وأعترف لك في صراحة لا مواربة فيها، بأن هناك شيئاً أقوى مني وغير قابل للصد أو الرد.

شيءٌ جعل لاسم هاشم في فمي طعماً مختلفاً، وفي قلبي مكانة خاصة، وفي تفكيري صورة لا أعرف كيف أصفها، صرت أشعر أنني إذا ما نطقت اسمه تعطر فمي برائحة النعناع المعجون بالليمون الطازج، ربما لأنه يحب هذا المشروب كثيراً.

* * *
-------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط