24 - 08 - 2026

الشيخ إسماعيل عالم من محراب العلم إلى رحاب الشعر

الشيخ إسماعيل عالم من محراب العلم إلى رحاب الشعر

كان الشيخ أبو العزيز محمد إسماعيل علي واحدا من أعلام المسلمين البنغاليين الذين جمعوا بين أصالة العلم وروعة البيان وجمال الأدب، فكان شاعرا مجيدا باللغة الأردية، وخطيبا مفوها، ومناظرا بارعا، وناشطا مؤثرا في حركة الخلافة المناهضة للاستعمار البريطاني. وعرف في رحاب الأدب بلقبه الشعري عالم حتى غدا اسمه لامعا في سماء الشعر الأردي، لما امتاز به شعره من رقة الأسلوب وعذوبة البيان وصدق العاطفة. وقد توجت مكانته الأدبية حين منحته المدرسة العالية بكلكتا سنة 1910م لقب طوطي البنغال تقديرا لديوانه الشهير ديوان عالم واعترافا بعلو كعبه في ميدان الشعر والأدب.

ولد الشيخ إسماعيل علي سنة 1868م في قرية باتوئيل التابعة لمنطقة كانايغات سلهت في بيت علم وفضل عريق، توارث أهله شرف العلم وأصالة التدين جيلا بعد جيل. وكان والده الشيخ عبد الرحمن القادري عالما جليلا ومفتيا مرموقا، عرف بسعة علمه ومكانته الدينية، فيما كان شقيقه الأصغر الشيخ إبراهيم علي تشنا شاعرا صوفيا، رق شعره بصفاء الروح وعمق الوجدان.

وكان الشيخ إسماعيل علي سليل أسرة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، زاخرة بمآثر العلم والصلاح، إذ ينتسب في أسلافه إلى الشيخ شاه تقي الدين، الذي كان من رفقاء الشيخ الجليل شاه جلال في رحلته التاريخية إلى سلهت، فاجتمع في نشأته شرف النسب العلمي، وعبق التراث الروحي، وأصالة البيئة الدينية.

تلقى إسماعيل عالم في طفولته مبادئ العلم على يد والده، الشيخ عبد الرحمن القادري، فنهل في كنفه من معين المعرفة والتربية الدينية، حتى إذا استقام له أساس التحصيل، التحق بمدرسة فولباري العزيزية، إحدى أعرق منارات العلم في سلهت وآسام آنذاك. وهناك أقبل على العربية والفارسية وآدابهما بشغف، وأظهر فيهما نبوغا وتفوقا مما مهد له سبيل الالتحاق بالمدرسة العالية في كلكتا لمواصلة دراسته العليا. وظل فيها مجدا في الطلب والتحصيل حتى أتم دراسته سنة 1897م، ثم عاد إلى وطنه مزودا برصيد وافر من العلم والأدب.

ولم يكن إسماعيل عالم رجل قلم وشعر فحسب، بل كان صاحب بيان آسر ولسان فصيح، يخاطب الناس بالعربية والفارسية والأردية في طلاقة واقتدار. وحين هبت رياح حركة الخلافة في وجه الاستعمار البريطاني، كان له فيها حضور فاعل وموقف مشهود، فسخر بيانه وشعره لخدمة قضيتها، ونظم طائفة من الأناشيد الحماسية التي تستنهض الهمم، وتوقظ العزائم، وتبث في النفوس روح المقاومة والصمود.

وإلى جانب عطائه الأدبي والخطابي ونشاطه العام، اضطلع بالمهام القضائية، فجمع في شخصيته بين العلم والأدب والخطابة والعمل الاجتماعي. أما في رحلته الروحية، فقد ارتبط بالشيخ فضل الرحمن گنج مراد آبادي، ولازمه في طريق السلوك والتزكية، وكان من مريديه، فاجتمع في تكوينه رسوخ العلم، ورقة الأدب، وقوة البيان، ونفحات التربية الروحية.

كان الشيخ محمد إسماعيل علي شاعرا مطبوعا، اتخذ من الأردية والفارسية ميدانا رحبا لإبداعه، وقد شغف منذ نعومة أظفاره بسحر الشعر الأردي والفارسي، ونهل من ينابيعهما، حتى صقلت المطالعة ذائقته، وأنضجت التجربة موهبته. فاجتمع له رسوخ العالم وأريحية الأديب وشفافية الشاعر، وانساب الشعر على لسانه عفوا، نابضا بصدق الشعور وجمال البيان.

ويتصدر آثاره الأدبية ديوانه النفيس ديوان عالم، الذي تجلت في صفحاته ملامح شاعريته وخصائص أسلوبه، وغدا شاهدا على علو كعبه في ميدان الشعر. وقد حظي هذا الديوان بتقدير رفيع، حتى منح وليام هاملتون هارلي، مدير المدرسة العالية بكلكتا آنذاك، صاحبه لقب طوطي البنغال اعترافا ببراعته الشعرية وعذوبة بيانه، فغدا هذا اللقب وساما أدبيا اقترن باسمه، وشاهدا على منزلته في رحاب الشعر والأدب.

صدر ديوان عالم سنة 1910م عن القيومية في محلة واقعي بتيكابور من أعمال كانبور بولاية أتر برديش الهندية. وقد جاء هذا الديوان ثمرة ناضجة لقريحة شاعرية جمعت بين عذوبة الأردية وجمال الفارسية، فامتزجت فيه رقة اللفظ بسمو المعنى، واحتلت السيرة النبوية العطرة والمدائح الرفيعة في جناب المصطفى ﷺ مكانة سامقة بين قصائده، ففاضت أبياته بمحبة الرسول، وعبقت بأريج الشوق والوفاء.

ولم تنحصر أصداء شاعريته في حدود عصره، بل امتد أثرها إلى من جاء بعده من الشعراء والأدباء، فنهلوا من معين تجربته وتأثروا بأسلوبه وبيانه. وقد شهد له بذلك الشاعر الأردي البنغالي الشيخ أنجب علي شوق معبرا عن عظيم منزلته في نفسه وعمق أثره في تكوينه الأدبي، إذ قال بكل وفاء وإجلال: الشيخ إسماعيل عالم أستاذي في الشعر.

قضى الشيخ إسماعيل عالم السنوات الثلاث عشرة الأخيرة من عمره محجوب البصر عن ضياء الدنيا غير أن ظلمة العين لم تحجب عنه أنوار البصيرة، ولم تخمد في روحه جذوة العلم والأدب والصفاء. وظل في خلوته موصولا بعالم المعرفة والروح حتى وافاه الأجل سنة 1937م، فطويت برحيله صفحة حياة حافلة بالعلم والشعر والبيان والسلوك الروحي.

ولما كان قد استأثر بمكانة عميقة في قلوب مريديه ومحبيه، أبوا إلا أن يكون مثواه بينهم، فاستجابة لمحبتهم الصادقة وإلحاحهم حمل جثمانه من داره إلى مقبرة عيدغاه في سدكر بازار بكانايغات على مسافة تقارب عشرين كيلومترا من مسقط رأسه، وهناك ووري الثرى تاركا وراءه ذكرا عاطرا وتراثا أدبيا وروحيا بقي شاهدا على سيرته وعطائه.

ديوان عالم: ذروة الإبداع الشعري للشيخ إسماعيل عالم

يعد ديوان عالم درة الآثار الأدبية للشيخ أبي العزيز محمد إسماعيل علي، وأجلى شاهد على نبوغه الشعري وثراء وجدانه. وقد صدر هذا الديوان الأردي، الواقع في نحو مائة صفحة سنة 1910م عن مطبعة القيومية في كانبور بالهند. وكان شغفه بالشعر الأردي قد نما في رحاب المدرسة العالية بكلكتا حيث استهوته مدرسة الشاعر الكبير ميرزا غالب، فتأثر بروحه وأسلوبه، ثم شق لنفسه مسارا شعريا متميزا، امتزجت فيه حرارة الإيمان برقة الوجدان وإشراقات الروح.

وجاء الديوان في ثلاثة أقسام متكاملة، استهل أوله بحمد الله تعالى، ثم أتبعه بنفائس من المدائح النبوية، تتجلى فيها محبته العميقة لرسول الله ﷺ واستلهامه لسيرته العطرة. وضم القسم الثاني طائفة من المناقب والقصائد والمراثي في أهل البيت والصحابة والأولياء وأعلام العلم والتصوف، ومن بينهم علي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد القادر الجيلاني ومعين الدين الجشتي ونظام الدين الأولياء وشاه جلال وشيخه فضل الرحمن گنج مراد آبادي رحمهم الله. كما أودع فيه مرثية مؤثرة في ولده الشيخ عزيز الحق، فجاءت نابضة بلوعة الأب ومرارة الفقد. أما القسم الثالث، فقد أفرده لغزلياته التي تجلت فيها رقة إحساسه وعمق تجربته الوجدانية.

وامتاز شعر الشيخ إسماعيل عالم بعذوبة اللفظ، وسلاسة العبارة، وصدق العاطفة بعيدا عن التكلف والتصنع. وتآلفت في قصائده محبة الرسول ﷺ وتوقير أهل البيت والصحابة، والنزعة الصوفية، والتجربة الإنسانية، حتى غدا ديوان عالم مرآة صافية لفكره ووجدانه وتكوينه الروحي إلى جانب كونه سجلا ناطقا بموهبته الأدبية.

وقد توج هذا العطاء الشعري بتكريم رفيع، إذ منحه وليام هاملتون هارلي مدير المدرسة العالية بكلكتا آنذاك، لقب طوطي البنغال تقديرا لبراعته وعذوبة بيانه. ولم ينحصر أثره في جيله، بل امتد إلى من جاء بعده من الشعراء، حتى قال الشاعر الأردي البنغالي الشيخ أنجب علي شوق في وفاء وإجلال: الشيخ إسماعيل عالم أستاذي في الشعر.

وظل ديوان عالم معلما أدبيا بارزا في تاريخ الشعر الأردي في البنغال، وأثرا خالدا يشهد للشيخ إسماعيل عالم بسمو القريحة ورسوخ القدم في رحاب الشعر والأدب.
-------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي

المراجع:

1. الأردية في سلهت.

2. مجلة المدينة الشهرية.

3. مولانا ممتاز الدين أحمد، تاريخ المدرسة العالية.

4. د. غلام ثقلين، أعلام التصوف في بنغلاديش.

مقالات اخرى للكاتب

الشيخ إسماعيل عالم من محراب العلم إلى رحاب الشعر