الكثيرُ من قرى مصر لها خصائص محددة تشتهر بها، وتتميز عن سائر القرى المجاورة لها، وقد تتمخض هذه الخصائص عن الطبيعة الجغرافية للقرية، فالقرى التي تقع على البحر أو النيل أو الطرق السريعة الرئيسة أو السكك الحديدية تكون أفضل اقتصادياً من غيرها، لوفرة الرزق والحركة التجارية والزراعية والسمكية وغيرها.
لا تقع قريتنا على طريق رئيس، ولا على ضفاف النيل، ولا البحر، ولا السكك الحديدية، فقريتنا محشورة هناك في آخر الزمان، كأنما تمَّ تكوينها عقب الانفجار العظيم بزمن طويل.
إلا أنها مع الوقت تميزت بأمر جد خطير، إذ كنا نفاخر القرى من حولنا أننا نشبه اليابان في أمر لا يمكن لغيرنا أن يفاخرنا به، ومع قليل من التأمل وجدت القرى المحيطة أننا صادقون في هذا الادعاء، فقريتنا ومنطقة الزمالك الراقية في القاهرة يشتركان مع اليابان في الأعمار الطويلة للسكان، فنحن الثلاثة فقط نتميز بطول الأعمار، وخاصة للنساء؛ فالنساء أقوى من الرجال، وهذه قضية منطقية، فكل النساء أقوى من كل الرجال، وبعض النساء أقوى من بعض الرجال، والمرأة الواحدة أقوى وأشرس وأبقى من الرجل الواحد، فهي مُسلَّمة لا تحتاج فلسفةً ولا سفسطةَ المناطقة.
وكنا نزهو فخراً أن هناك شيئاً يجمعنا نحن ومنطقة الزمالك الراقية وإمبراطورية اليابان العظمى، ومع الوقت صرنا نحصى عدد النسوة اللواتي تجاوزت أعمارهن الثمانين، ثم التسعين، ومنْ جاوزن القرن الطويل من الزمان.
ونتجادل عن أسباب طول العمر للنساء في قريتنا وكثير من الرجال، والشيء الأكثر حضوراً في إطالة الأعمار كان التغذية الجيدة، في الزمن القديم؛ فقد كانوا يأكلون كلَّ ما تنتجه الحقول والماشية، بل أخبرتني أمي أنها كانت تأكل السمن البلدي كل يوم ثلاث مرات فضلاً عن القشدة واللبن الحليب ومشتقاته، ولم تعرف القرية بيع اللبن إلا حديثاً، فقد باعت الناس اللبن واشترت به الفول والطعمية.
في القرن الماضي كان أبي يزور المدينة ويحضر معه الخبز من الطابونة والفول والطعمية، كنا نتلهف على هذه الأطعمة؛ لأنها تكسر الروتين اليومي لمنتجات الألبان والخضروات الطازجة من الحقل.
كانت أمي تخبز كل صباح، وكنا نطلب منها أن تضع البيض البلدي فوق الخبز وتدخله الفرن، فيخرج الرغيف طازجاً به بيضة مقلية بالسمن البلدي وبعض الكمون والفلفل الأسود، كانت وجبة شهية، وكان الخبز الطازج الخارج تواً من الفرن في غنى عن أي شيء بجواره، بل قيل إن أحد رجال القرية جلس يتسامر مع زوجته وهي تخبز أمام الفرن، وأخذ يتناول الطعام، فأحضر قطعة جبن قديمة من البلاص، وعدة حبات من الخيار والطماطم، وأخذهما الحكي عن الآباء والأجداد، ولما انتهت الزوجة من الخبيز، نظرت خلفها فلم تجد شيئاً، فسألته: أين العيش؟
قال: أكلتُهُ كلَه.
اندهشت المرأة، وضحكت وأعادت الخبيز من جديد.
وصارت نكتة في القرية، فقد تناول الحاج الخبزة كاملة.
اليوم نشتري الخبز من الطابونة والدولة تدعمه، وقديماً في الزمن السحيق كان وزن الرغيف 120 جراماً، ثم أصبح 90 جراماً، لكنه على الحقيقة لا يتجاوز الخمسين جراماً، وتستورد الدولة كميات هائلة من القمح، لسدِّ هذه الأفواه الجائعة.
يقول خبراء التغذية إن خمسة أرغفة من الخبر يومياً كثيرة جدا، لكن بسبب تدهور الحالة الاقتصادية يكثر تناوله للطبقات الفقيرة.
ومع تدهور الأوضاع بسبب تفشي فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية ثم حرب غزة، ثم الحرب الأخيرة تدهورت أحوال الناس أكثر.
لكن رغم ذلك كله لم أكن أتصور أن يجئ اليوم الذي يقتصر فيه الطعام على الخبز المدعم فقط لكثير من الأسر، فإنهم يحصلون على الخبز من فرن العيش ببطاقة التموين، ثم لا يجدون سواه.
الخبز به سعرات حرارية عالية، لكنه لا يقيم الأود وحده، خاصة للأطفال الذين يحتاجون الكثير من العناصر الغذائية.
ولم تعد قريتنا تشتهر بطول الأعمار، بل صرت أرى الهزال والضعف بادياً على الصبية والفتيات في عمر الزهور النضرة.
اختفت الابتسامة وحلَّ مكانها القهر، وبقيت الأعمار الطويلة كما هي للنسوة اللواتي تغذين في الزمن السحيق، وخطف الموتُ شباب القرية.
وأمس دهمني نبأ موت شاب دون العشرين من عمره، بين يدي أبويه، كان النبأ صادماً، فقد جاء عقب وفاة سيدة تجاوزت التسعين بعدة سنوات، وكنا نحزن على وفاتها؛ خشية أن تجرَّ وراءها الكثيرات، على عادتهن، وتخلو قريتنا من الميزة التي نفاخر بها غيرنا.
تذكرت هذا الفتى، تذكرت نحوله ومرضه الدائم وبحث والدته عن علاج له في السنوات السابقة وخلافاتها مع زوجها بخصوص المصروفات، أنجبت هذا الفتى، ثم أعقبته بثلاثة توائم في السنة التالية، وأغلقت رحمها عليهم، وتحولت الأسرة من فردين إلى ستة أفراد بعد سنتين فقط من الزواج.
وكادتْ الدنيا لهم، قُدِرّ رزق الأب الذي أخذ يعمل في أعمال كثيرة، وتصاعدت الخلافات بين الزوجين، ولم يكن الفراق حلاً، سافر الزوج للداخل والخارج، يحمل هموم الأسرة، ويكدح لإطعام الأفواه الجائعة، وصار ضعف التغذية مرضاً يخايل الأسرة على الدوام، وحين يصاب أحدهم بعلة لا يشفى سريعاً؛ إذ لا غذاء يساند الدواء فتزداد العلل وتتراكم الأوجاع وتتضاعف الآهات.
اتهمتُ المجتمع بأسره بالمسؤولية الجنائية عن موت هذا الشاب، وقلت للناس: لم نعد نتفقد أحوال بعضنا البعض، حتى مات الأطفال وسطنا جوعاً.
قال أحدهم: إننا حين ننظر للبيت نجده جميلاً، فنظن أنهم أثرياء.
قلت: كثيرة هي الأشياء التي تبدو ثرية وهي من الثراء خواء، فقد أسرفت الناس في الزينة، دون العمق.
واليوم يتساقط الشباب موتاً؛ جوعاً وإحباطاً وألماً وقهراً، وشعوراً بالعجز أمام مطالب الحضارة الغاشمة القاهرة التي تتهمنا على الدوام بأننا خارج السياق الحضاري.
ولم نعد نستطيع مفاخرة أحد بأننا نشبه اليابان في طول الأعمار، بعد أن صرنا أسوأ من الصومال في سوء التغذية، ويحيط بنا مثلث التخلف والقهر: الفقر والمرض والجهل.
فهل تنفعنا مفاخرتنا الماضية أمام قهر الحاضر؟ أن نبحث عن مفاخر أخرى ترفع شأن قريتنا التي تخلو من أسباب المفاخرة، ولا أظن أن هناك قهراً يوازي قهر الجوع، ولا موتاً أسوأ وأخزى من الموت جوعاً.
-----------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش






