- حين تغيب السياسة لا نجد سوى السردية والشعارات
اتبعت مقالي الأول عن الوضع الفلسطيني بعد حرب غزة بمقال آخر عن هامش المناورة وحدوده، حاولت من خلاله أن أبين كيف يمكن للسياسة أن تتغلب على القيود، بما في ذلك القيود التي تفرضها محددات الجغرافيا السياسية أو تلك الناجمة عن الاختلال الشديد في موازين القوة الشاملة. معظم التعليقات التي على المقال الأول استبعدت إمكانية تغيير الوضع الراهن، بسبب طبيعة المشروع الصهيوني أو بسبب اختلال موازين القوة نتيجة للتغيرات في البيئة الإقليمية، والتي أضيفت إليها تغيرات جذرية في البيئة السياسية الإسرائيلية والفلسطينية. ولم اتجاهل في المقال الأول طبيعة المشروع الصهيوني بل نبهت إلى خطورة صعود أحزاب اليمين المتطرف الديني والقومي، وتأثير ذلك على القضية الفلسطينية المهددة بالتصفية بسياسات التهجير والإبادة البشرية والإبادة السياسية، وأشرت إلى أن هناك فرصة سانحة للجم هذه القوى وكبحها، يمكن استثمارها اعتماداً على فلسطيني الداخل والتصويت بأعداد أكبر في الانتخابات المقبلة لضمان نسبة مؤثرة في الكنيست للقوائم العربية أو حتى لقائمة يهودية عربية، على نحو يساعد على الدفع بحكومة بديلة للحكومة الحالية التي تتبنى برنامجًا معلنًا لتهجير الفلسطينيين أو إبادتهم، لا يقف عند حدود قطاع غزة أو الضفة الغربية، وإنما يشمل أيضًا الفلسطينيين في الداخل، الذين يواجهون سياسات تمييزية وعنف الجريمة المنظمة الذي يحصد أرواح فلسطيني الداخل، دون وجود سياسات فعّالة أو حتى مبادرات اجتماعية ناجعة قادرة على التصدي لها.
المقال الأول استند إلى حوارات ودراسات يجريها مركز مسارات، وهو مركز أبحاث فلسطيني، للخروج من المأزق الراهن. وحاولت في هذا المقال، الذي ينطلق من تقدير يرى أن المهمة الأولى في اللحظة الراهنة والمتمثلة في دعم الصمود الفلسطيني على الأرض، باعتباره ضمانة أساسية لاستمرار النضال الوطني الفلسطيني، أن أفكر بطريقة مغايرة تتجاوز منطق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية أو البحث عن تيار ثالث بين الفصيلين الرئيسيين، فتح وحماس، أو بين السلطة الفلسطينية وبين الفصائل الأخرى، وأن أبحث عن التغيير الممكن في الواقع للحد من تدهور أوضاع الفلسطينيين، لاسيما في غزة وفي الضفة الغربية وفلسطيني 1948، لما في ذلك من أهمية لدعم الصمود، فالصمود والبقاء على الأرض، في حد ذاته، إعلان هزيمة للمشروع الصهيوني، الرافض للتعايش والقائم على تهجير الفلسطينيين وإبادتهم والسيطرة على أراضيهم من خلال المستوطنات. لم يغفل المقال عن طبيعة المشروع الصهيوني ولا أهدافه ومراميه، ولا عن السياسات الإجرامية للحكومة الحالية، والتي بلغت مدى غير مسبوق في حرب غزة.
كتب صديق لي معلقا على المقال الأول، قائلًا إن "العامل المشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين.. هي القوة ولا بديل عنها"، والمقصود هنا القوة المسلحة، في تجاهل واضح للتغير في موازين هذه القوة وتشتتها، لاسيما بعد حرب إيران، على نحو يخصم من رصيد قوة الفلسطينيين ويفتح جبهات أخرى للقتال تخفف الوطأة على إسرائيل. إن السؤال الذي يتعين علينا مواجهته هو، لصالح من تعمل هذه القوة منذ اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان وفي غزة؟ وهل من الحكمة استدعاء منطق لا يمتلك الطرف الفلسطيني وما يعرف بمحور المقاومة مقوماته في هذه اللحظة؟
معادلة جديدة للقوة
من الواضح أن الأمر لم يعد قاصرا على اختلال في موازين القوة بين إسرائيل وفصائل المقاومة، بل أصبحنا أمام معادلة جديدة للقوة، تسمح لإسرائيل، وإسرائيل وحدها، بمواصلة الحرب على الفصائل واستخدام القوة المسلحة في غزة وفي جنوب لبنان وفي مناطق أخرى، والسؤال كيف يمكن كسر هذه المعادلة أو على الأقل تحييد تأثيرها على القضية الفلسطينية؟ وهل يكفي لتغيير هذه المعادلة، تكرار السردية الفلسطينية التي باتت محفوظة جيداً عن طبيعة المشروع الصهيوني وحقوق الشعب الفلسطيني، مثلما فعلت الأستاذة بيسان عدوان في مقالها. بالتأكيد، إن تكرار السردية الفلسطينية وتأكيدها له وظيفة مهمة، في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية وبناء الذاكرة الوطنية، لكنها لا تكفي لتغيير معادلة القوة بين إسرائيل والفلسطينيين والقوى المساندة للقضية الفلسطينية. وقام الرد على استنتاجات خلصت إليها الأستاذة بيسان عدوان من قراءة مقالي الأول، تعاملت معها على أنها استنتاجات خلص إليها المقال.
إنني أنتمي لمدرسة في التفكير لا تقوم على الاختيارات الحدية التي تستند إلى منطق "إما.. أو"، وتشغلني مسألة بناء الأفكار أكثر مما تشغلني المزايدة على الأفكار، وامتلك من الشجاعة ما يكفي ويزيد لإعلان موقفي في مواجهة ما هو مستقر من مواقف وأفكار، وسأحاول في هذا المقال مواصلة ما بدأت، سعيا لتحفيز التفكير معاً من أجل العثور على طرق ووسائل للخروج من المأزق الراهن، ليس فقط فلسطينيًا، وإنما في بلدان المنطقة، والناجم عما أسماه البعض "موت السياسة"، وما ترتب على ذلك من صعود لمنطق السردية الذي روجت قناة الجزيرة القطرية في تغطيتها لحرب غزة، والتي اختزلتها في حرب بين سردية إسرائيلية وأخرى فلسطينية، والذي تناولته بالنقد في مقال آخر. اعتمدت قناة الجزيرة رسالة إعلامية سهلة تقوم على دغدغة المشاعر وتغليب لغة الشعارات ومطالب الحد الأقصى التي لا تتوافر أي شروط لتحققها في المدى المنظور، على ما يمكن تحقيقه بوسائل وأدوات أخرى، بينما كانت الحكومة القطرية الراعية لقناة الجزيرة جزء من هذه الوسائل الأخرى بصفتها وسيطا رئيسيا بين حركة حماس التي تدعمها وبين إسرائيل. ربما كانت الفائدة الوحيدة لما قدمته قناة الجزيرة في تغطيتها الميدانية المباشرة في أنها نقلت للعالم صورة حية للجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة وكسر الهيمنة الإعلامية الداعمة لإسرائيل.
أدعو الأستاذة بيسان إلى أن تمنح نفسها وقتًا كافيًا للتفكير من زاوية سياسية فيما طرحه المقال الأول، وفيما أطرحه في هذا المقال، طالما أن الغاية هي الإجابة على سؤال "ما العمل" التاريخي، لاسيما أنني لم أجد إجابة محددة أو برنامج عمل يرسم مسارا للمستقبل، لم أجد سوى مجموعة من الهواجس والمخاوف. أول هذه المخاوف يتعلق بالحرص على عدم الإقدام على أي تحرك قد يؤدي إلى تحسين صورة إسرائيل، من خلال فكرة المقاطعة، وهي فكرة لا وجود لها على الأرض سواء في غزة أو في الضفة الغربية، وبالتأكيد لا معنى لها بالنسبة لفلسطينيين يحملون الجنسية الإسرائيلية وأصبحوا مواطنين لهم حقوق في هذه الدولة يصعب عليهم التفريط فيها، خصوصا إذا قورنت بحقوق الفلسطيني في مناطق السلطة أو في غزة، أو حتى حقوق كثير من المواطنين في البلدان العربية. هذه الحقوق مهددة مع ترسيخ أحزاب اليمين العنصرية، التي تهدد الأسس التي قامت عليها الدولة منذ عام 1948. فالواقع القائم على الأرض الفلسطينية يؤكد حقيقة التشابك والتداخل بين الجماعة الفلسطينية واليهود.
هناك نقاط اتفاق أشارت إليها الأستاذة بيسان، وهي ناشطة فلسطينية لها وزنها في كثير من الدوائر الفلسطينية والعربية ومشهورة بمواقفها المعارضة، تنتمي فكريا إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تتبني مواقف مختلفة عن مواقف حركة فتح، لكنه جزء من منظمة التحرير الفلسطينية، التي ذكرت أنها الإطار المؤسسي الأهم للهوية الوطنية، وليست الهوية السياسية الفلسطينية، وهي في هذا الموقف تختلف عن التي ترفض أن تكون جزءًا من المنظمة. بالتأكيد أن السلطة الفلسطينية التي تشكلت بعد اتفاقيات أوسلو تستمد شرعيتها من منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تزعم يوماً أنها بديل للمنظمة، مثلما فعلت حركة حماس التي طرحت نفسها، ليس فقط كبديل للسلطة وإنما كبديل للمنظمة، وهو موقف شجعته السياسات الإسرائيلية واستغلته من أجل تصفية الهوية الوطنية الفلسطينية وتمييعها.
رفض للواقع أم إنكاره
قبل الانتقال إلى نقاط الاختلاف أشير إلى نقطة اتفاق أخرى ذكرتها الكاتبة، وهي "أن السلاح وحده لا يصنع مشروع تحرير، كما أن المقاومة السلمية/ اللاعنفية"، لكن يجب التذكير بأن هذه المقاومة السلمية أو حتى النضال السياسي أحدثت تحريرا في كثير من الحالات في التاريخ، في تجربة الاستقلال في الهند، بزعامة المهاتما غاندي وحزب المؤتمر، وكفاح حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نلسون مانديلا ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا. لقد بدأ الحزبان مشروعا سياسيا للاستقلال والتحرر الوطني ولجأوا في بعض المراحل للكفاح المسلح لتحقيق أهداف محددة ولكن ليس كركيزة لمشروع التحرر. رغم أنني لم اتحدث عن السلطة الفلسطينية، إلا أن معظم الرد انصب على السلطة الفلسطينية. وخلافًا للخطاب المتعلق بالمصالحة الوطنية الفلسطينية، لم أطرح المصالحة كمصالحة بين الفصيلين الرئيسيين، فتح وحماس وانهاء انقسام السلطة الفلسطينية، بل طرحت المصالحة كفكرة للمزاوجة بين النضال السياسي والقانون والدبلوماسي وبين العمل المسلح، الذي تتقلص فرصه مع المضي قدما في نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وبموافقة دولية وعربية وفلسطينية، ونتيجة للضغط على القوى الداعمة للقضية الفلسطينية بالسلاح بعد تغيير النظام في سوريا وما قد تسفر عنه الحرب مع إيران، والذي يستدعي التفكير في أدوات ووسائل أخرى لمواصلة مشروع التحرير.
والتفت عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، المسجون في إيمرلي هذه التحولات وتقدم بمبادرة لنزع سلاح والدخول في عملية سياسية لحل المشكلة الكردية سيكون لها تأثيرها على الأكراد، ليس في تركيا فقط وإنما في شمال العراق وفي شمال شرق سوريا. المنطق الذي يستند إليه هذا التحول، وهو مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية، كحل تاريخي بعد عقود من النضال من أجل إقامة دولة كردية، وطرح أوجلان مشروع الأمة الديمقراطية كبديل للمستقبل. لا أحد يعرف على وجه اليقين كيف سيكون شكل الحل التاريخي للقضية الفلسطينية، حتى حينما نقول إن المشروع إلى زوال، فعلينا أن نحدد ما المقصود بذلك، في ظل تنافس عدة مشروعات وتصورات تقلص من فكرة حل الدولتين لصالح حل الدولة الواحدة. الدولة الواحدة في طرح منظمة التحرير الفلسطينية، في عام 1974 هي دولة ديمقراطية لمواطنيها، دون تمييز. هذا الطرح يشير إلى أحد السيناريوهات المتصورة لزوال المشروع الصهيوني، وطرح أيضا في كتاب "بعد الصهيونية: دولة واحدة لإسرائيل وفلسطين"، الذي شارك فيه أكاديميون وباحثون فلسطينيون وإسرائيليون وأوروبيون وأمريكيون، وقام بتحريره أنتوني لوينشتاين وأحمد مور، وصدر عن دار الساقي في عام 2012.
النخبة الحاكمة في إسرائيل، من اليمين واليسار، ظلت إلى عهد قريب تخشى هذا السيناريو وترفضه، وهذا الموقف هو ما حال دون ضم الضفة الغربية بسكانها الفلسطينيين لإسرائيل، أو حتى فرض القانون الإسرائيلي عليها مثلما حدث في مرتفعات الجولان السورية أو في القدس الشرقية، وبسبب طرحه أثناء انتفاضة الأقصى، اتخذ رئيس الليكود أرئيل شارون قرار الانسحاب من غزة من جانب واحد وتفكيك جيوب استيطانية في الضفة الغربية في عام 2005، والخروج من الليكود وتشكيل حزب سياسي جديد. لكن هذه الإجراءات لم توقف صعود أحزاب التشدد الديني والمستوطنين. وطرحت هذه القوة الجديدة مشروعها للدولة الواحدة، دولة يهودية إسرائيلية، الذي طرحه كتاب من تأليف كارولين جليك، صدر في عام 2014، بعنوان "الحل الإسرائيلي: خطة الدولة الواحدة للسلام في الشرق الأوسط"، وناقشت ورقة بحثية صادرة عن المركز الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي صدر في ديسمبر عام 2021، أربعة نماذج لها.
هذه الدراسات تستند إلى فرضية أساسية تفيد بتآكل أسس حل الدولتين، وباتت تلقى قبولا لدي الصهيونية المتجددة، رغم التحذيرات التي تشير إلى أن ضم الضفة الغربية يهدد بتحول إسرائيل إلى دولة فصل عنصري، ويضعها على طريق العقوبات الدولية. للتغلب على هذا الاحتمال تدعو بعض القوى ضمن هذا التيار إلى تصفية الوجود الفلسطيني عبر حملات الإبادة الجماعية الممنهجة على غرار ما حدث في غزة، أو من خلال سياسات التهجير القسري أو الطوعي. هذه سيناريوهات تجري دراستها والتفكير فيها بجدية، وبعضها قيد التنفيذ بالفعل. إن افتراض أن مثل هذه الحلول يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها هو تصور لا يستقيم مع الخبرة التاريخية لتجارب استعمارية اقتلعت السكان الأصليين. وهناك الكثير من الدراسات الآن التي تشرح بالتفصيل كيف جرى تنفيذ إبادة السكان الأصليين في تجارب استعمارية مثل أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا وتغيير التركيبة السكانية في كثير المناطق التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي.
لا أعرف من أين جاءت فكرة أن مقالي تضمن دعوة للعودة إلى ما قبل حرب غزة، في الحقيقة أنني ممن يرون ومنذ اليوم الأول لحرب غزة أننا أمام وضع إقليمي جديد، وأن القضية الفلسطينية دخلت في مرحلة خطيرة، ويشاركني كثير من الأصدقاء الفلسطينيين، خصوصا في غزة أو في الضفة الغربية، هذا القلق الذي يمتد إلى فلسطيني 1948. قد يكون الإقرار بأن مشروع التحرر الفلسطيني قد وصل إلى لحظة فارقة، مما يضع الفلسطينيين أمام خيارات صعبة، لم تعد يصلح معها الشعارات والدفع بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو كل الأوصاف التي لطالما صدرناها لوصف المشروع الصهيوني والسياسات التي تتبعها إسرائيل. إنني لم أذكر أن المشروع الفلسطيني يواجه أزمة سياسية، هذا طرح بعض الزملاء على الساحة الفلسطينية ولم اقترح مصالحة بين فصائل فلسطينية ولا أبحث عن تيار ثالث جديد، قد يشغل بعض المتنافسين على السلطة في وضع لا مجال للحديث فيه عن أي سلطة، إنما طالبت، ومنذ بداية حرب غزة بمصالحة، ربما فات أوانها الآن، بين نهج المقاومة ونهج التسوية السياسية، والغاية من هذا هو دعم الصمود على الفلسطيني لإدراكي مدى أهمية هذه الهدف في هذه اللحظة الفاصلة، وهو ما لم تنتبه إليه الأستاذة بيسان عدوان التي غلبت موقفها من السلطة الفلسطينية على الانتباه لخطورة الموقف الذي أصبحت فيه القضية الفلسطينية منذ الإذعان لصيغة "السلام مقابل السلام"، التي يطرحها بنيامين نتنياهو، والتي تشكل الأساس للاتفاقيات الإبراهيمية، التي باتت عنوانا للتسويات المرتقبة.
صحيح أن هجوم السابع من أكتوبر جاء ردا على هذا التوجه الجديد، لكن لم يستند إلى حسابات دقيقة، ولم يكن جزءً استراتيجية وطنية فلسطينية، فلا يمكن لأي مشروع وطني أن يرتكز على مشروع فصائلي ولا رؤية فصائلية. لسنا بصدد الدفاع عن السلطة الفلسطينية، وإنما بصدد الدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية، كإطار مؤسسية للهوية الوطنية، وأشدد على كلمة الوطنية، الفلسطينية. إن ما طرحه المقال ليس إعادة لتدوير شروط الهزيمة كما تصورها مقال الأستاذة بيسان عدوان، وإنما لفت الانتباه على أن ما وصلت إليه القضية الفلسطينية، ليس فقط بسبب الخطيئة الأساسية، المتمثلة في المشروع الصهيوني وسياساته لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم. لكنه كان نتيجة لكثير من العوامل التي شرحتها باستفاضة في أكثر من مقال عن حرب غزة وما بعدها، ومن هذه العوامل ما هو فلسطيني بامتياز.
إن أي مشروع سياسي يبدأ من الواقع المطلوب تغييره والمعطيات التي تحدد ما هو ممكن وما هو غير ممكن والتعديل حسب القدرة على تغيير هذه المعطيات من خلال الفعل السياسي، لا من خلال تصدير مطالب لا تحظى بالقدر اللازم من الدعم لتنفيذها. فالسياسة هي فن الممكن ولا يخيفني الزعم بأن ذلك استسلام. استحضر هنا تعليقين لاثنين من المشاركين في ندوة مسارات التي أشرت إليها في المقال السابق.. لم أرغب في الإشارة لهاتين المداخلتين في المقال الأول لكن من الواجب نشرهما في مواجهة المزايدات. المداخلة الأولى كانت لأحد المشاركين الفلسطينيين كبار السن. أشار فيها لملاحظة أبداها الجنرال جياب قائد الحرب الفيتنامية حين زار مقار قيادة الثورة الفلسطينية، حينها قال "لا يمكن لمن يسكن القصور ويرتاد الفنادق الفاخرة أن يحرر الأرض". الملاحظة الثانية كانت لمشارك شاب رد على من راجعه حين قال إسرائيل طالبا منه أن يقول الكيان الصهيوني، بقوله "هي إسرائيل غصبا عن عيني وعينك وأعيننا جميعا"..
الصراع لا يمكن حله بالإصرار على مسميات نطلقها، وتجاهل الحقائق، إنما يحل بامتلاك خطة ترسم مسارا لتغيير الوضع المرفوض تتوافر له المقومات التي تجعله قابلا للتنفيذ. إن في تقديري إن ما تعانيه القضية الفلسطينية الآن هو غياب السياسة، والفلسطينيون وغيرهم من الشعوب والمجتمعات في العالم العربي في ذلك سواء.
--------------------------------
بقلم: أشرف راضي






