في السابع من سبتمبر 2025، وقف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى جانب وزيرة التخطيط رانيا المشاط ليعلنا عن وثيقة حملت اسماً طموحاً: "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية: السياسات الداعمة للنمو والتشغيل"، لكن خلف الكاميرات والتصفيق، كانت مصر تضع حجر أساس لمرحلة قد تكون الأكثر حسماً في تاريخها الاقتصادي الحديث، فليست الوثيقة، على امتدادها الذي تجاوز خمسمائة صفحة، مجرد إطار عام للتكامل بين برنامج الحكومة ورؤية مصر 2030؛ إنها، في جوهرها، محاولة جريئة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، والقطاع العام بالخاص، والموارد البشرية بوعود النمو، عبر خمسة محاور تمتد من استقرار الاقتصاد الكلي إلى التخطيط الإقليمي، مروراً بالاستثمار الأجنبي والتنمية الصناعية وكفاءة سوق العمل.
لكن ما يجعل هذه اللحظة مثيرة للريبة العلمية هو توقيتها الدقيق، وكأن الساعة التاريخية تدق على إيقاع غير إيقاع التنمية، فبينما كانت الحكومة تزيح الستار عن سرديتها، كانت عقارب الساعة في غرف الاجتماعات الدولية تتجه نحو موعد لا يمكن تجاوزه: المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج مصر مع صندوق النقد الدولي، المقررة في منتصف نوفمبر 2026، لينتهي البرنامج رسمياً بعدها بشهر واحد، وهذا المشهد يكتسب أبعاده الكاملة حين نستحضر أن مصر، على مدى عقد كامل، أصبحت ثاني أكبر مقترض من الصندوق في العالم بعد الأرجنتين، في رحلة إصلاح تركت آثارها العميقة في بنية الاقتصاد ونفوس المصريين معاً.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر إثارة: فالوثيقة التي تتحدث عن المستقبل بثقة لا تذكر صندوق النقد ولو مرة واحدة، ووزيرة التخطيط تؤكد أن هذه السردية "ليست مرتبطة بوجود الصندوق، بل هي ميثاق وطني يعكس أولويات البلاد"، لكنها، في الوقت نفسه، تصدر في التوقيت الذي يحدده الصندوق، وتتحدث بلغته، وتتبنى مقولاته عن استدامة الإصلاح وضبط المالية العامة، وكأنها تعيد إنتاج الخطاب نفسه بقناع وطني، وهنا يطرح السؤال بإلحاح: هل نحن أمام نقلة نوعية حقيقية تزيح مصر من عباءة الإقراض الدولي، أم أن ما نقرأه ليس أكثر من إعادة صياغة أنيقة لسياسات الصندوق التي هيمنت على القرار الاقتصادي منذ 2016، وهذه المرة بلغة تخاطب الشعب قبل المؤسسات المالية؟
وفي خضم هذا التداخل بين الطموح الوطني والإملاءات الدولية، يبرز سؤال أعمق: أين يقع المواطن المصري في هذه السردية؟ هل أخذت الوثيقة في الاعتبار قدرته على التحمل، في ظل ما خلفه عقد من السياسات التقشفية من ارتفاع في الفقر واتساع مخيف في فجوة اللامساواة؟ وهل ستأتي هذه الرؤية مصحوبة بامتيازات سياسية واجتماعية تعوضه عن كلفة الإصلاح، أم أن النموذج التنموي سيظل أسير تدقيق مالي جاف يقيس النجاح بمؤشرات العجز والفائض، ولا يرى في المواطن سوى رقم في معادلة التوازن المالي؟
ومنذ الإعلان عن السردية، تداولت الأوساط الاقتصادية أرقامها الطموحة وكأنها وصفة سحرية لانتشال مصر من عنق الزجاجة: قفزة بمعدل النمو إلى 7% خلال خمس سنوات، وخلق 1.5 مليون وظيفة سنوياً، وقفز بالصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول 2030، مع خفض الدين العام إلى مستويات قياسية، ولكن ما إن تغوص في التفاصيل حتى تتصادم مع مفارقة صارخة: فالرقم الذي تتعامل معه الحكومة كحقيقة مفروضة لا يتجاوز في توقعات صندوق النقد نفسه عتبة 4.4% خلال العام المالي 2026-2027، وكأن هناك عالمين متوازيين: عالم الأرقام الطموحة في وثيقة رسمية، وعالم آخر للأرقام الحذرة في تقارير المؤسسات الدولية.
غير أن الأرقام وحدها لا تكشف الصورة كاملة؛ فخلف كل مؤشر إحصائي وقائع اجتماعية تعيشها ملايين الأسر، فمنذ المنعطف الحاسم في 2016، حين وقعت الحكومة على أربع اتفاقيات متتالية مع الصندوق، تركت السياسات التقشفية ندوباً عميقة في النسيج الاجتماعي، فمعدل الفقر الذي كان 27.8% في 2015 قفز إلى %33 في 2021، بل إن بعض المصادر المستقلة ترى أن النسبة اقتربت من 37 أو 38% في الأعوام اللاحقة، وسط جدل حول دقة الإحصاءات الرسمية التي توقفت عن نشر بحث الدخل والإنفاق لأعوام، والأكثر إيلاماً أن فجوة اللامساواة رسمت منحنى صارماً؛ فأغنى 10% من السكان يسيطرون على ثلثي الثروة ونصف الدخل القومي، بينما لا يملك النصف الأفقر سوى 4.2% من الثروة و17% من الدخل.
واليوم، ونحن نعبر منتصف 2026، تقف مصر على مفترق طرق حاسم، ففي الوقت الذي انخفضت فيه البطالة إلى 5.8% في الربع الثاني، وهو أدنى مستوى منذ عقود، ارتفع التضخم إلى 14.9% في يوليو، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأغذية والطاقة، مع توقعات صندوق النقد بأن يظل متوسط التضخم عند 13.2% خلال العام، ما يعني تآكلاً يومياً للقدرة الشرائية، خصوصاً لمحدودي الدخل.
ولكن الأخطر ما كشفه تقرير المراجعة السابع للصندوق، الصادر في 13 أغسطس 2026، من أن الاحتياجات التمويلية الإجمالية لمصر بلغت ذروتها عند حوالي 42% من الناتج المحلي في العام المالي 2025/2026، مع توقعات بارتفاع الدين العام إلى 91.1% من الناتج المحلي قبل أن يبدأ في التراجع التدريجي، وفي هذا السياق، يدعو الصندوق إلى تشديد السياسة النقدية، مما يعني ضغوطاً إضافية على أسعار الفائدة والقدرة الشرائية، في حلقة مفرغة من الإصلاح الذي يولد أزمة، والأزمة التي تستدعي إصلاحاً جديداً.
وفي مايو 2026، شهدت مصر أزمة سيولة نقدية حادة، حيث ارتبط نقص النقد في ماكينات الصراف الآلي بتزامن صرف المرتبات مع إجازة عيد الأضحى، لكن الأزمة كشفت عن هشاشة أعمق في النظام المالي وقدرته على تلبية احتياجات المواطنين اليومية، في إنذار مبكر لما قد يكون أكثر حدة في المستقبل، خاصة مع توقعات بتشديد السياسة النقدية وزيادة الضغوط على السيولة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت "السردية الوطنية" في جوهرها استمراراً لسياسات التقشف نفسها التي أثقلت كاهل المواطنين لعقد كامل، فمتى يتحول هذا الضغط المتراكم إلى أزمة سياسية واجتماعية؟ إنه سؤال عن تلك النقطة الحرجة التي يلتقي فيها الصبر بالانفجار، وقدرة المجتمع على الاستيعاب باستعداده للانكسار.
في محاولة للإجابة، سعت الحكومة إلى تغليف السردية بغطاء من الشراكة المجتمعية، فأطلقت حواراً مجتمعياً استمر شهرين، وفتحت الوثيقة للنقاش عبر حملة "شارك"، بمشاركة أكثر من مئة خبير ومفكر اقتصادي، إضافة إلى ممثلي البرلمان والأحزاب والقطاع الخاص. كما أعلن الرئيس السيسي أن البرنامج الاقتصادي الوطني سيكون "مصرياً خالصاً"، ويهدف إلى الانتقال من "تثبيت الاستقرار" إلى "النمو المستدام" المنعكس على معيشة المواطنين.
وعلى صعيد الامتيازات الملموسة، أعلنت الحكومة في مارس 2026 عن حزمة اجتماعية ضخمة، وخصصت في موازنة 2026/2027 نحو 832.3 مليار جنيه لبرامج الحماية الاجتماعية، بنمو سنوي 12%، موزعة بين 55 ملياراً لبرنامج "تكافل وكرامة" و178 ملياراً لدعم السلع التموينية والخبز، في مسعى لتخفيف وطأة الإصلاحات عن الفئات الأكثر احتياجاً.
ولكن السؤال الأعمق يظل معلقاً: هل هذه الامتيازات، رغم ضخامتها، كافية حقاً لتعويض المواطنين عن كلفة إصلاحات قد تكون الأقسى في تاريخ مصر الحديث؟ وهل ستأتي مصحوبة بفتح مجال أوسع للحرية السياسية والثقافية كجزء من "الصفقة" الاجتماعية الضمنية؟
والإجابة، وفق قراءة متأنية للسردية، تبدو محبطة؛ فالوثيقة تركز بكامل ثقلها على الجانب الاقتصادي، متجاهلة ربط الإصلاح الاقتصادي بإصلاح سياسي وثقافي موازٍ، وكأن الضغط الاقتصادي يمكن أن يُدار في فراغ سياسي، فذلك "الحوار المجتمعي" المعلن، رغم كونه خطوة إيجابية، يظل مجرد إطار استشاري لا يرقى إلى مستوى المشاركة الحقيقية في صنع القرار، فالمواطن الذي يُستشار في خطة اقتصادية، ثم يُطلب منه تحمل تبعاتها، ثم يجد نفسه محروماً من أي توسع في حريته، قد يقرأ هذه الاستشارة كإجراء تكتيكي يهدف إلى امتصاص الغضب دون تغيير جوهر العلاقة غير المتوازنة بين الدولة والمجتمع.
وهنا يستوقفنا تحليل ألكسيس دو توكفيل للثورة الفرنسية، الذي قلب المفاهيم رأساً على عقب، فقد لاحظ توكفيل أن الشعب الفرنسي لم يثر في ذروة الجوع والقمع، بل في اللحظة التي بدأت فيها الإصلاحات تلوح في الأفق، وبدأ الناس يتذوقون طعم التحسن، ثم اصطدموا بعقبات أعادتهم إلى الوراء؛ فكان الإحباط الناتج عن "الوعد المخيب" أقسى من مرارة الفقر المستمر، وكأن الألم حين يصبح مألوفاً يفقد قدرته على إشعال الثورات، بينما الأمل حين يخون أصحابه يتحول إلى وقود لا يطفأ.
وهذه الرؤية تحمل تحذيراً عميقاً: فالإصلاحات التي تخلق توقعات عالية ثم تفشل في تلبيتها، أو تحققها بشكل غير عادل، قد تكون أكثر خطورة بملايين المرات من استمرار الأوضاع السيئة، لأنها تحول الألم المألوف إلى غضب متقد، ويأس محسوس، وخيانة مشاعر.
فإذا طبقنا هذه العدسة على المشهد المصري، نجد أمامنا سيناريوهين مصيريين؛ أولهما، وهو الأكثر أماناً، أن تنجح السردية في تحقيق تحسن ملموس في مستويات المعيشة، مقترناً بامتيازات سياسية واجتماعية تدريجية، ما يخلق توازناً بين الإصلاح والاستقرار، أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر، فهو أن تخلق السردية، من خلال وعودها البراقة، توقعات هائلة في نفوس المواطنين الذين أنهكهم عقد من التقشف، ثم تفشل في تحقيق هذه الوعود، أو تحققها بشكل غير عادل يخدم النخب على حساب الغالبية، وهنا سيكون الإحباط الناتج عن "الوعد المخيب" أكثر إيلاماً من أي أزمة مالية، لأن المواطن الذي بدأ يصدق أن هناك ضوءاً في نهاية النفق، ثم يجد هذا الضوء ينطفئ فجأة، سيعيش في ظلام يعرف الآن أنه أشد قتامة لأنه كان قد رأى النور.
وهذا البعد في مقولة توكفيل يطرح تساؤلاً أكثر إلحاحاً: هل مصر تقترب من تلك النقطة الحرجة التي يصبح فيها الإصلاح الاقتصادي نفسه مولداً لشحنات اجتماعية قد تنفلت عن السيطرة؟ حيث يلمس الناس أمل التحسن ولو يسيراً، فيتكون في أذهانهم وعي جديد بالحقوق، يتحول بسرعة إلى مطالب لا تقبل التأجيل، خصوصاً إذا صاحب التحسن الاقتصادي شعور بالجمود السياسي أو التهميش الاجتماعي، وهنا يكمن الخطر الجوهري: ليس مجرد معرفة ما إذا كان المصريون سيصبرون، بل ما إذا كانت اللحظة التي يبدأ فيها الصبر يؤتي ثماره قد تكون ذاتها لحظة انفجار الصبر نفسه.
وفي خضم هذه الرحلة التحليلية بين طموحات السردية ووعودها، وبين جسامة التحديات الهيكلية التي تواجه المجتمع المصري - من أزمة سيولة متفاقمة، إلى تفاوت طبقي صارخ، إلى ضغوط الصندوق المتصاعدة - نصل إلى لحظة التقييم الحاسمة، فالسردية، بلا شك، تمثل محاولة جادة لتجاوز مرحلة الإصلاحات التقشفية الخالصة نحو أفق أرحب من النمو المستدام، غير أن القراءة المتأنية لمضامينها تكشف أنها تظل أقرب إلى امتداد أنيق لنهج الصندوق منها إلى قطيعة فكرية حقيقية؛ فهي تردد نفس اللغة، وتتبنى نفس المؤشرات، وإن ارتدت حلة وطنية.
وهذا الخلل يتضاعف حين تغفل السردية عن ربط الإصلاح الاقتصادي بإصلاح سياسي وثقافي موازٍ، متوهمة أن السياسة يمكن أن تظل محايدة بينما يتغير الاقتصاد، وأن المجتمع يمكن أن يتحمل المزيد من التقشف دون أن يجد متنفساً في حريات أوسع أو مشاركة حقيقية، وهذا ما يجعلها عرضة لفقدان شرعيتها الاجتماعية إذا لم تقترن بامتيازات حقيقية تشعر بها الفئات الأكثر تضرراً، فالمسألة ليست مجرد تحسين أرقام، بل إعادة بناء للثقة بين المواطن ودولته.
والأكثر إثارة للقلق أن مؤشرات الفقر واللامساواة، إلى جانب أزمة السيولة التي كشفت هشاشة النظام المالي، تشير إلى أن قدرة المجتمع على التحمل قد أوشكت على النفاد، وأن أي حزمة إصلاحية جديدة ستدفع بالمواطن إلى حافة الهاوية، وهنا يطل تحذير توكفيل بكامل قوته؛ فالسردية، إن نجحت في خلق توقعات عالية ثم فشلت في تلبيتها، ستكون أكثر خطورة من استمرار الأوضاع السيئة، لأنها تحول الألم المألوف إلى غضب يعرف كيف يعبر عن نفسه، ولكن الجانب المشرق أن السردية، إن نجحت في تحقيق تحسن ملموس مع فتح تدريبي للمجال العام، قد تكون نموذجاً رائداً لإدارة الانتقال الاقتصادي - السياسي، وتثبت أن الإصلاح لا بد أن يكون شاملاً ليكون مستداماً.
ولكن السؤال المصيري الذي يظل معلقاً هو: هل ستكون الامتيازات الموعودة - إن تحققت - كافية لامتصاص الغضب الاجتماعي المتراكم، أم أنها ستُقرأ كإجراءات تكتيكية تزيد من حدة المطالب؟ الإجابة لن تأتي من أي نص مكتوب، بل من تفاعل معقد بين السياسات الاقتصادية، والاستجابات الاجتماعية، والقدرة المؤسسية على إدارة التغيير بحكمة، في معادلة لا تحتمل خطأ في التقدير، لأن الخسارة هنا ليست أرقاماً في ميزان المدفوعات، بل ثقة شعب في مستقبل وطنه.
في النهاية، تظل "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية" وثيقة طموحة بلا شك، تحمل وعوداً كبيرة، لكن نجاحها أو فشلها لن يتحدد بما تحتويه من أرقام براقة، بل بقدرتها على الموازنة بين إصلاح الاقتصاد وإصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين خلق التوقعات وإدارتها بحكمة نادرة - وهو التحدي الأكبر الذي يواجه أي مشروع تنموي، ولكنه في مصر، بتاريخها الثقيل ورهاناتها المصيرية، يأخذ أبعاداً مضاعفة لا تحتمل المجازفة، لأن الرهان هنا ليس مجرد اقتصاد، بل مستقبل أمة بأكملها تقف على مفترق طرق، تنتظر أن يحدد القدر مسارها بين نهضة مرتجاة أو انتكاسة لا تحمد عقباها.
-----------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش







