16 - 08 - 2026

ضحايا الدواويس... آلام بحر البقر تتجدد بيد عدو آخر اسمه إهمال الحكومة

ضحايا الدواويس... آلام بحر البقر تتجدد بيد عدو آخر اسمه إهمال الحكومة

لم يكن حادث الإسماعيلية جرس إنذار فحسب، بل رسالة صارخة إلى الحكومة التي كان يجب أن تستقيل بأكملها، كما يحدث في دول العالم المتقدم حين يخطئ وزير أو تتسبب الحكومة في كارثة مثل كارثة الإسماعيلية، لكن في مصر لا تستقيل الحكومة أبدًا، فكل حوادث السيارات والقطارات لا تزيدها إلا تثبيتًا على كرسي عرش مصّ دم البني آدمين.

إن المسؤولية السياسية، على الأقل، كان يجب أن تتحملها الحكومة، وأن تخرج ببيان يحترم حقوق الشعب الغاضب، وكان على البرلمان أن يحاسبها، وهو ما لم يحدث حتى الآن. فأين طلبات الإحاطة والاستجوابات في مثل هذه الكوارث الإنسانية الخطيرة؟ وهل يستطيع البرلمان فعلًا أن يقيل الحكومة ويحاكمها؟ وما سر تجميد قانون محاكمة الوزراء في ثلاجة البرلمان حتي الأن؟

إن تعويضات الحكومة لن تطفئ نار قلوب أسر الضحايا الغلابة، التي يجبرها الإهمال على عمالة الأطفال، بل ويجبر الأطفال أنفسهم على العمل لمساعدة ذويهم. فالقضية أخطر بكثير مما نتصور، وحين نسمع حكايات وجع القلوب من أسر الضحايا، سنعرف حجم الكارثة التي ارتكبتها الحكومة، ليس في حق أسر الضحايا فقط، ولكن في حق الشعب كله.

ولن يغني تحرك الحكومة العاجل إزاء الكارثة، والدفع بالعشرات من سيارات الإسعاف إلى مكان حادث تصادم سيارتي نقل، انفجر إطار إحداهما الخلفي على طريق الدواويس بمركز القصاصين بالإسماعيلية، وفق بيان النيابة العامة، ما أسفر عن مقتل 18، جميعهم من بحر البقر ووادي الملاك بالشرقية، وإصابة 30 آخرين، تراوحت أعمارهم بين 9 و50 سنة، عن محاسبة المسؤولين حتى لا يتكرر حادث شهداء لقمة العيش.

وكأن مأساة بحر البقر في عام 1970، المحفورة في ذاكرة المصريين كالنقش على الحجر، تعود في عام 2026 بصورة ربما تكون أكثر فاجعة؛ لأن القاتل هذه المرة ليس الاحتلال الإسرائيلي المجرم، وإنما الإهمال الذي لا يستطيع أحد أن يحاكمه، فهل يحاكم العدو الجديد: الإهمال نفسه؟

عائلة الداؤودي... شركاء في الحياة والموت

هنا في منطقة وادي الملاك بالشرقية، أصبح السواد يملأ القلوب، قلوب أسر الضحايا، خاصة عائلة الداؤودي التي فقدت عددًا من أفرادها.

كانت غرفهم تمتلئ بأنفاسهم ليلًا، وكأنها كانت تعدّهم، وفقًا لذويهم، إلى مهمة إنسانية كبيرة.

لم يكونوا أفرادًا عاديين، بل جنودًا في معركة الحياة، يحاربون القسوة والفقر الذي كتبه القدر لينسج يومهم الأخير خيوط المأساة.

أفراد اختاروا أن يكونوا أبطالًا في معركة الحياة، فآثروا الكفاح والصمود في مواجهة لقمة العيش المعجونة بالعذاب، حتى يقهروا قسوة الحياة.

لم يعلموا أن القدر كتب لهم رحلة النهاية.

خرجوا ليزرعوا الأمل في مزارع الحياة، فعادوا ملفوفين بأكفان الموت، لكن تبقى رحلتهم رسالة تقول إن الكفاح أقوى من الموت، وقد يرحل الجسد، لكن لا تذبل أبدًا شجرة العطاء.

بسملة... حين تودع الطفولة رحلة الشقاء

بسملة لم تكن طفلة عادية تلعب وتمرح في الحقول مثل أقرانها، لكنها اختارت أن تكون رقمًا في وجع الحياة.

اختارت رحلة الكفاح من أجل مساعدة أسرتها، طفلة بعقل رجل رشيد، تضحي بأن تعيش سنوات الطفولة.

الفقر، ذلك الظالم الكافر الذي لا يرحم حتى الطفولة المعذبة، كان العدو الأول لبسملة، لتقرر أن تحاربه وحدها، لتخفف العبء عن كاهل أسرتها البسيطة.

خرجت كالعادة للعمل في إحدى المزارع، لكنها لم تتصور يومًا أنها لن تعود، وتنتهي رحلتها إلى عالم المزارع والشقاء إلى الأبد.

وبحسب ما يقول شقيقها، كانت بجواره في سيارة الموت لحظة وقوع الكارثة.

كانت صوت الأمل الذي ينادي الحياة في عز الطفولة، لكن لن يعود الصوت إلى الحياة.

رحلت، ورحلت معها البراءة المعذبة في زمن القسوة والجفاف.

عم الضحية... صوت الربيع والطفولة في زمن الجفاف

كان صوت الربيع في زمن الجفاف... بهذه العبارة لخص عم أحد الضحايا، في مداخلة متلفزة، قصة مأساة طفل شقيقه الذي كان يشق صخر الحياة بفأس الأمل، لينزع الأشواك من طريق الحياة، ويقضي على الفقر الذي يطحن الأسرة.

كان يذيب الفقر بالابتسامة كما يذوب السكر في الماء، خرج ليحطم المستحيل، فكسره المستحيل نصفين، ليرحل في نعش الطفولة، ضحية الإهمال والفقر وكل شيء في زمن الحرمان.

محمد عبد الكريم... صوت مولوده يناجيه في قبره قبل أن يخرج للحياة

محمد عبد الكريم حكاية من حكايات الألم والوجع، ذلك الزوج الذي خرج كالعادة ليقهر الفقر والبؤس بالعمل الشاق في المزارع.

كان يزرع الأمل في بستان الحياة حتى يحصد طفله المنتظر شهد الحياة من عرق وكفاح الأب، لكن في اليوم المشؤوم خرج ولم يعلم أنه لن يعود، ولن يرى مولوده المنتظر ولادته غدًا.

فلا الأب عاد إلى أسرته، ولا مولوده المنتظر سيشاهده.

كلاهما لم ير الآخر.

ووفقًا لأسرته، رحل محمد، لكن سيظل صوت المولود الجديد الذي ينادي أباه في رقبة كل المسؤولين عن الحادث.

بكاء الابنة على الهواء... حين يزرع الموت الإحساس في القلوب

تبكيه ابنته بحرقة في مداخلة هاتفية لبرنامج «تفاصيل»، الذي تقدمه المذيعة اللامعة نهال طايل عبر فضائية صدى البلد 2. بكاؤها ودموعها يلخصان مشوار حياة الأب الحنون، الذي خرج لرحلة الشقاء ليرسم البسمة على وجوه أبنائه.

كان إحساس الابنة، كما تقول، أن والدها سيموت قبل أربعة أيام، والإحساس مزروع داخلها، كما تُزرع النبتة في الأرض، حتى رسم القدر خيوط الإحساس والمأساة...

لا شيء يعوض فقدان الأب!

عريس الجنة... عناق المقاومة لا يعترف بالكرسي المتحرك

حدوتة في حلقة جديدة من حلقات شهداء لقمة العيش.

لم يكن العريس الجديد محمد عبد النعيم، الذي مر على زواجه 3 أشهر فقط، اسمًا عاديًا في شجرة الأسرة، بل كان رقمًا مؤثرًا، يعول أباه الذي أفقده الشلل النطق التام، وأمه التي تعاني من مشكلات صحية عدة.

كان بمثابة الأب لا الابن فقط لوالديه، وكان بالنسبة إليهما بمثابة الروح في الجسد.

لكن روح محمد خرجت من جسده في اليوم المشؤوم، ولم يكن يدور في مخيلة أسرته، كما تقول، أنه سيعود إليها جثة هامدة، وهو العائل الوحيد لها.

كريم عبد الفتاح... خرج ليشق صخرة الحياة فشطر حلمه نصفين

صورة الطالب كريم عبد الفتاح لم تكن فقط تزين صالون البيت، بل كانت تزين قلب الأم.

كريم، مثل كل الطلاب الطامحين والباحثين عن لقمة العيش الحلال، كان يحلم باستكمال تعليمه بعد حصوله على الثانوية العامة والالتحاق بكلية التجارة.

خرج ليشق صخور الحياة ويحقق الحلم المنشود، لكن تحطم حلمه الأخير على صخرة الحياة.

خرج ليشق الصخور، فشقت حلمه بلا عودة إلى الأبد.

وكما تقول والدته، عاد إليها جثة هامدة.

وفي المحصلة...

يبقى الإهمال هو العدو الحقيقي الذي يعود قاتلًا في 2026، كما كان قبله، بصورة أشد فاجعة؛ لأن الإهمال القاتل هذه المرة من الداخل وليس الخارج، ما يستوجب تحرك الجميع من أجل مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي تحصد أرواح الغلابة الذين يسعون من أجل لقمة عيش كريمة، في زمن أصبح فيه دم الغلابة أرخص من دم البقر.