16 - 08 - 2026

كراكيب

كراكيب

أعتقد أنك سيدي القارئ، ولو لمرة واحدة، تجاسرت ومددت يدك إلى بعض أدراجك أو صناديقك القديمة، والتي من طول بقائها على حالها، لا تُمس، ولا تُنقل، تحولت إلى جزء من تكوين البيت وملامحه.

هذه الكرتونة المهملة في الزاوية تغطيها ملاءة سرير قديمة، وذلك الصندوق الذي تحول مع مرور الوقت إلى مقعد، خاصة بعد ما قامت سيدة الدار بتطبيق أحد المفارش ووضعها عليه، فصارت أقرب إلى شلتة.

المهم في الأمر، أنك إن فتحت أحد تلك الصناديق، أو مددت يدك إلى قلب درج من تلك الأدراج المتخمة بأشياء نسيتها أنت، ولم تنسك هي، وكيف تنساك وأنت كلما مررت بها دسست في جوفها كل ما طالته يمينك، وما أدركته يسراك، فتئن صامتةً، صابرةً محتسبةً من غير تبرم ولا شكوى.

وها أنذا افتح واحدًا من تلك الصناديق، وأمسح ما عليه من تراب واستشعر رائحته في أنفي قوية نفاذة تحجب ما عداها من روائح، واستشعر طعمه المعدني في لساني، وأرفع غطاءه فإذا هو متخم بكتب ومجلات وأوراق مضى على أحدثها ما لا يقل عن عشرين عاما، فما بالك بقديمها!

تأملت الأوراق كغريب لا أعرفه، غشا الورق اصفرار الوحدة والعزلة، وصار أكثر حساسية ورهافة، أقلبه برفق فيطالعني في الزاوية مقال كتبته، وتلك مجلة ملونة في إحدى صفحاتها تهنئة بالحصول على درجة علمية أو ترقية، وأخرى بها مقال على صفحتين، وذاك مظروف يحتوي مسودة كتاب تحمست لكتابته ثم زهدت في نشره، وتلك قصاصة خَطَ عليها أحدُهم رسالة للذكرى، فنسيتُ الرسالة، وبقيت الذكرى.

وتلك مجموعة كتب متفاوتة الأحجام واللغات، كُتب دورات اللغة الألمانية قبل السفر للدراسة، وهذه موسوعة ماكجروهيل للطاقة يعود طباعتها إلى أكثر من خمسين عامًا، ربما اشتريتها بجنيهات معدودات من أحد معارض الكتب، أو من باعة الكتب المستعملة على الأرصفة بسعر رمزي أثناء دراستي الجامعية.

لم تكن مجرد صناديق قديمة، كانت أجزاءً متناثرة من عمر مضى.

وقفت أمام تلك الأكوام والأكداس حائرًا، زائغ العينين، وما كان وقوفي أمامها وتفكيري في مصيرها رغبة مني، بل لأن سيدة الدار اشتكت مُر الشكوى من تكدس تلك الصناديق، التي اصطلحت على تسميتها "كراكيب"، مرات بالتلميح، حتى إذا تأكد عدم جدواها، صرحت، وللحق فقد ظننت تصريحها هذا غيمة صيف عابرة، رَعدها أعلى من مطرها، فظننت أنها ستمر كما تمر كل تهديداتها الصغيرة، خاصة بعد ما أعقبها من هدوء، ظننت معه أن الأمر نُسي، ولعله دُفن، حتى كان يومًا أطلقت فيه من التحذير والوعيد، ما أعرف سوابقه وارتباطه بالتنفيذ الصارم، ورحت أحسب المهلة بالدقائق، حتى نهضت متثاقلاً متهدل الأكتاف، وأنا اتمتم "بيدي لا بيدِ عمرو".

نقَّلتُ عينيّْ بين أكداس الصناديق وما تحتويه من ذكريات صنعت حياتنا وبهجتنا، فحرصنا على اقتنائها، وحفظها بعيدًا عن يد تعبث بها أو تتلفها، ثم لعب الزمن لعبته الأثيرة، وشاغلنا بشواغله الصغيرة والكبيرة، فانشغلنا عنها، وتحولت من حاضر مُعاش إلى ذكريات.

ويا ليته توقف واكتفى، لكنه أبى إلا أن يراها وقد دُفنت، ودُفنت معها حرارة ذكرياتها، فتحولت إلى "كراكيب" تَسْعَدْ سيدة الدار وهي تراها محمولة على الأعناق، في مشهد يقارب موكب المومياوات في فيلم شادي عبد السلام، يسعى بها الحَمَّالون إلى حيث لا تعلم، ولا تُريد أن تعلم، حتى إذا ما نَظَرَتْ إلى الزوايا وقد خلت، وإلى المساحات وقد اتسعت، لمعت عيناها بوهج الانتصار، وزفرت زفرة محارب آن له أن يستريح، ولم لا، "وقد تحررت أرضها"، على حد قولها.

مضت الصناديق إلى حيث لا أعرف ما ستفعله بها أيدي المتلقين، بعد ما أبقيت منها النذر اليسير، ثم وجدتني أربط بين حالها وحال بعض البشر، يكونون في يوم من الأيام ملء السمع والبصر، ثم يفعل الزمن فعله ويدفعهم رويدًا رويدًا إلى الصفوف الخلفية، حتى يغيبوا في غيابات جُبِ النسيان، حتى يأتي يوم يتقدم الحمالون بهم الصفوف!
-------------------------
بقلم: د.م. 
محمد مصطفى الخياط
[email protected] 


مقالات اخرى للكاتب

كراكيب