تبرهن العلوم الطبيعية باستمرار أن تشابه المقدمات يمكن أن يؤدي إلى تشابه النتائج بصورة مستقرة. إلا أن هذا الثبات يقابله توتر في طريقة عمل العلوم الاجتماعية، لأنها أكثر تعقيدًا؛ فموضوع دراستها متحرك ولا يقبل الاستمرار والثبات. فالإنسان والمجتمعات الأصل فيهما الحركة والتغير الدائمان. لذلك قد نتمسك أحيانًا بوصف سلوك ما بمفهوم معين، رغم تغير الشروط التي أنتجته وتحوله إلى ظاهرة أخرى.
ولهذا فإن الأدوات التي استُخدمت لفهم ظاهرة اجتماعية ما، تحتاج إلى مراجعة مستمرة كلما تغير الواقع؛ فالحركة لا تتوقف، وقد يتجاوز الواقع الأدوات التي صيغت لفهمه. ومن ثم فإن فهم الظواهر الجديدة يتطلب أدوات جديدة. وربما ينطبق ذلك على مفهوم السلطوية، الذي بات عاجزًا، وحده، عن تفسير طبيعة السلطة المعاصرة ونمط عملها، وما تتركه من آثار في المجتمع بفعل سياساتها وانحيازاتها.
فالسلطوية ليست جديدة علينا؛ نعرفها مشاهدةً، وقرأنا عنها في التاريخ. فهي ليست غريبة عنا، فقد عشنا في كتفها وتضررنا من آثارها. فمن احتكار السلطة وتقييد المجال العام وتأطيره وفق ما تريده السلطة، إلى ضبط المجال السياسي بما يضمن استمرارها. وبذلك فهي بهذا الشكل، ترسم ملامح شكل الحكم وكيفية إدارته، الا انه ليس من ضمن وظائفها إعادة تشكيل المجتمع ذاته.
ففي حين ترغب السلطوية في الهدوء والاستقرار وإخضاع المجتمع. فالفاشية شيء آخر تمامًا؛ لأنها تتجاوز مسألة الإخضاع، الى السعي لإعادة تشكيل المجتمع نفسه. فالمهمة عندها ليست فقط السيطرة على المجال السياسي، وإنما إنتاج أنماط معينة من البشر والعلاقات والقيم. تتفق السلطوية والفاشية في القمع، الا انهما تختلفان في طبيعة المشروع الذي يسعى كل منهما إلى إنجازه.
فالسلطوية لا تريد للمجتمع أن يشارك ويظل مستبعدا. أما الفاشية فتذهب إلى ما هو أبعد حيث تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع ذاته وشروط وجوده، بحيث يفقد قدرته على التنظُيم، وعلى تحويل مصالحه ومظالمه إلى ممارسة وفعل جماعي.
ويعتقد كثيرون أنه لا يمكن توصيف السلطة بالفاشية، فالنموذج الكلاسيكي للفاشية، والذي ارتبط بالدولة القومية في القرن العشرين، هو ما يحضر إلى الاذهان عند تناول هذه المسألة. فقد أنتجت الرأسمالية الصناعية وعالم ما بين الحربين العالميتين ذلك الشكل من الفاشية، وكان ذلك في سياق تنافس إمبرياليات كبرى على الموارد والأسواق ومراكمة رأس المال. وكان ركيزة ذلك تعبئة المجتمع داخل حركات جماهيرية، وتجييشه عبر مقولات شوفينية ومشروعات قومية كبرى، وكل ذلك تحت قيادة الزعيم.
وكانت السمة الرئيسية لتلك الفاشية هي القمع، لكن حاملها الاجتماعي كان التسييس، فتسييس الجماهير وتعبئتها كانا من أهم أدوات فاشية القرن العشرين. كانت المشاركة السياسية مطلوبة، ولكن داخل حدود مرسومة سلفًا، تحتكر فيها السلطة السياسة نفسها، ويصبح الولاء للزعيم والقومية شرطًا للاندماج في المجال العام.
جرى في النهر ماء كثير، وتغير العالم. تفككت المصانع الكبرى وانتقلت إلى دول الأطراف، وضعفت الحركة العمالية، وتراجعت النقابات، وصعدت الرأسمالية المعولمة بصيغتها النيوليبرالية. ومع ذلك تفككت أشكال التضامن الاجتماعي، وصعدت الفردانية بوصفها القيمة المثلى. وهكذا تبدل العالم الذي أنتج فاشية القرن العشرين، ولم يعد قائمًا بالشكل ذاته.
فالنيوليبرالية ليست مجرد نمط من أنماط السياسة الاقتصادية، بل هي صيغة اجتماعية كاملة ترى الإنسان مشروعًا فرديًا ومسؤولًا وحده عن نجاحاته وإخفاقاته. وهي تدفع إلى تفسير المشكلات تفسيرًا فرديًا وأخلاقيًا، لا بوصفها نتاجًا لبنى وعلاقات اجتماعية واقتصادية. فيصبح النجاح شأنًا فرديًا خالصًا، فيما تتحول النجاة الفردية إلى بديل عن التضامن والمصير المشترك.
الأمر الذي يعمل على إعادة تعريف الدولة ووظائفها في الحماية الاجتماعية، فبينما تتضخم في الوقت نفسه وظائف أخرى تتعلق بالإدارة والضبط وإعادة تنظيم المجال العام. مما يجعل للدولة حضوراً كبيراً في بعض المجالات وفى المقابل تقلصا واضحاً في المجالات التي تتعلق بالحماية اليومية للفئات الأكثر ضعفا وهشاشة. مما يؤدى إلى تحول عميق متصل بإعادة توزيع المخاطر لتنتقل من المجال العام إلى المجال الفردي، وبالشكل الذى يصبح فيه المرض مسؤولية فرديه لصاحبه، والتعليم استثمارا شخصيا له، ومخاطر العمل هي مسؤولية العامل يجب عليه وحده تجنبها.
وبينما كان هدف الفاشية الكلاسيكية هو تسييس الجماهير وتعبئتها، فإن الفاشية الجديدة تعمل على تفكيك الجماهير المنظمة وتحويلها إلى ذوات متشظية يتم تعبئتها وقت اللزوم والحاجة إليها، فهي لا تريد إلغاء الجماهير بالكلية، فقط تحتاجها جماهير متشظية منفصلة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، يسهل تحريكهم ويصعب جدا تنظيمهم وفق مصالحهم الاجتماعية.
ويكون مؤدى ذلك، أن تتحول الإحباطات إلى كراهية اجتماعية، واحتقار للضعفاء، وتمجيد للقوة. ويصبح الضعف عيبًا أخلاقيًا، والتآزر نوعا من السذاجة.
لقد تغيرت الشروط الموضوعية وصيغة الرأسمالية السائدة، فتغيرت معها صيغة الفاشية كي تناسب عصرًا جديدًا. فإذا كانت فاشية القرن العشرين قد نشأت في سياق الدولة القومية والرأسمالية الصناعية وأزمة ما بين الحربين، فإن الملامح الجديدة للفاشية تتشكل في سياق مختلف: العولمة، والرأسمالية النيوليبرالية، وموت السياسة.
احتاجت الأولى إلى الزعامة الفردية والحزب الجماهيري والتجييش، بينما تحتاج الثانية إلى مجتمع متشظٍ، وإلى أفراد يمكن تعبئتهم دون أن يمتلكوا القدرة على التنظُيم.
من هنا لا تصبح الفاشية الجديدة مجرد نظام يقمع المجتمع، فهذه وظيفة السلطوية، اما وظيفة الفاشية الجديدة فهي إعادة إنتاج الشروط التي تجعل المجتمع عاجزًا عن أن يصبح قوة منظمة، وبالشكل الذى يصبح للخوف مفهوما يتجاوز معناه السياسي إلى خلق مجتمع غير آمن، بمعنى خلق ذوات لا تعرف اذا كانت تستطيع ان تحافظ على عملها أم لا، أو تستطيع تتحمل تكلفة علاجها أم لا، مما يضحى معه أن يكون عدم الأمان هو وسيلة الحكم، وهذا بمفردة كاف لممارسة الرقابة الذاتية على النفس مما يجعل الامتثال أكثر سهولة، لأن فعل المقاومة مكلف.
السلطوية تفسر كيفية إدارة السلطة للمجتمع، لكنها لا تفسر وحدها ما يجري داخل المجتمع نفسه من عمليات إعادة تشكيل للقيم والعلاقات والذوات، أما الفاشية الجديدة فتقدم لنا مدخلًا لفهم هذا المستوى الآخر: تفكيك التضامن، فردنة المسؤولية، إنتاج الخوف، تحويل المخاطر إلى أعباء شخصية، وتجريد المجتمع من قدرته على تحويل مصالحه المشتركة إلى فعل سياسي.
فالفاشية الجديدة تتجاوز الشكل الكاريكاتوري الذي يتطلب أن يتكلم الجميع بصوت واحد كما فعلت الفاشية الكلاسيكية، لأن نمط عملها هي أن تجعل كل فرد يتحدث وحده، ويخاف وحده، ويكافح وحده، ويتحمل وحده تكلفة بقائه.
ومن أخطر ما تتميز به الفاشية الجديدة، إذن، ليس القمع وحده، ويزيد عليه التخويف المتواصل، والتكدير المستمر، وإنتاج الرقابة الذاتية، وصناعة عدم الأمان بوصفه حالة دائمة. وكل ذلك من أجل الوصول إلى ذوات إنسانية هشة وضعيفة، تصبح فيها النجاة الفردية هي الحل الوحيد الممكن.
هنا تكمن خطورة الفاشية الجديدة: إنها لا تحتاج إلى أن تحشد المجتمع كله خلفها؛ يكفي أن تمنع المجتمع من أن يتشكل بوصفه قوة مستقلة. فضلا أنها لا تحتاج إلى الغاء المجتمع، فهي تسعى فقط إلى الغائه فاعليته السياسية.
لهذا لا يكفي أن نقول: إنها سلطة سلطوية، فالسلطوية تصف يد السلطة وهي تقمع المجتمع؛ أما الفاشية الجديدة فتصف مشروعًا أعمق: مجتمع منزوع التضامن، منزوع السياسة، خائف من التنظيم، ومحمّل بمخاطر بقائه الفردي.
--------------------------------
بقلم: محمد الخولي






