أشرت في مقالي السابق إلى السياسة بوصفها مشروعا للتغيير، أطرح هذا التصور في سياق التصدي لفكرة سائدة ترى أن منطقة الشرق الأوسط محكوم عليها بأن تظل ساحة للصراع الدامي فيما بين القوى العالمية الكبرى، وأيضا فيما بين قوى إقليمية ومحلية تنخرط في حروب من أجل السيطرة وتغيير الخرائط، أو حتى من أجل التغيير. فالمنطقة تشهد كل صنوف الحروب تقريبًا فهناك حروب فيما بين الدول، على النحو الذي نشهده في الحرب مع إيران وهي امتداد لحرب غزة التي تمثل نمطا آخر من الحروب بين الدولة وجماعات مسلحة يطلق عليها فاعلون من غير الدول، مثل المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران بدءًا بجماعة حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وجماعات عراقية مسلحة تعمل تحت أكثر من راية.
ومن هذه الحروب أيضا الحروب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا التي انخرط فيها تحالف دولي وعربي، والحرب التي كانت دائرة بين تركيا وبين الجماعات الكردية المسلحة في تركيا، وفي شمال العراق وشمال شرق سوريا، وكذلك الحرب التي كانت تشنها إيران، من حين لآخر، ضد المسلحين الأكراد في غرب إيران وفي شمال العراق، وكذلك ضد فصائل أخرى من المعارضة المسلحة، مثل جماعة مجاهدي خلق. وهناك أيضا الحروب الأهلية وما يصحبها من تدخلات خارجية تحولها إلى حروب بالوكالة فيما بين القوى العالمية والقوى الإقليمية الساعية إلى تغيير موازين القوى، على المستويات الثلاث الوطنية والإقليمية والدولية أيضًا. يرتبط بذلك الحروب العالمية والمحلية ضد الإرهاب أو التمرد الداخلي المسلح، والتي لا تخلو أيضًا من تدخلات خارجية لاستغلالها وتوظيفها.
هذه المشاهد الراهنة للحروب والصراعات التي نراها الآن في منطقة الشرق الأوسط، ليست جديدة، بل هي سمة ملازمة للولادة المتعثرة لدوله في نهاية القرن التاسع عشر والتي ارتبطت بما يعرف بالمسألة الشرقية أو باللعبة الكبرى في الشؤون الدولية، حيث تكالبت قوى إمبراطورية حديثة واستعمارية من أجل السيطرة على بلدانه وثرواته، لاسيما مع ظهور احتياطيات وفيرة من النفط الذي يعد عماد الصناعات الرأسمالية الحديثة ومحرك الحروب. وعلى الرغم من أن تفجر الصراعات كانت نتيجة لقرارات سياسية بامتياز، يظل التفسير الجيوسياسي للصراعات والحروب في الشرق الأوسط هو التفسير الأكثر رواجًا بسبب الموقع الفريد لتلك المنطقة بين قارات العالم القديم الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا، والذي ورثته القوة الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح المنطقة في قلب الصراع بين القوى الكبرى بشكل عام، وبين الولايات المتحدة والصين بشكل خاص.
أضيف في هذا المقال سؤالًا آخر يخص السياسة، ليست كسبب رئيسي في إشعال الحروب والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، وإنما بوصفها آلية أساسية لتقليل المخاطر وتعظيم الفرص، وفق منهج محدد يسعى للتعامل مع القيود التي تفرضها الأوضاع الجيوسياسية التي أضيفت إليها الأوضاع الجيواقتصادية التي تصاعدت مع السعي إلى السعي إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية والأسواق. سؤال السياسة هناك متعلق أكثر بالسعي إلى استثمار الموارد المتاحة لدى الساسة في المنطقة وتوظيفها، من أجل توسيع هامش المناورة وممارسة فنون التأثير والإدارة لكسب تأييد الآخرين وضمان مشاركتهم في اتخاذ القرارات. فالسياسة تقوم إلى حد ما على فكرة الإقناع، وتعتمد القدرة على الإقناع بدورها على الخبرة المستمدة من الممارسة العملية المباشرة ومن التعلم من ممارسات الآخرين، وهنا تبرز ثمرة أخرى من الثمار المرة للإصرار على مصادرة الحياة السياسية في مجتمعات نابضة بالحركة بسبب طبيعة تكوينها الديموغرافي، بما يؤكد إصرار النخب الحاكمة في كثير من مجتمعاته على هدر المكون الرئيسي من مكونات ثروة الأمم، رأس المال البشري.
وتزداد قدرة السياسي على الإقناع كلما ازدادت معرفته وقدرته على تحليل الواقع من أجل التأثير في مسار الأحداث في المستقبل. بعبارة أخرى، هل دور رجل الدولة والسياسي في منطقتنا العربية ينحصر فقط في فهم المحددات التي تفرضها الجغرافيا السياسية للمنطقة والاستجابة لما تفرضه موازين القوى أم أن دوره يتجاوز ذلك إلى التفكير في كيف يمكن التعامل مع هذه المحددات والمناورة من أجل تحييد تأثير هذه الموازين على مصالح الدول التي يريدون، باختصار كيف يمكن تحويل ما يتصوره قيودا تحد من حركته وهوامش المناورة المتاحة له إلى فرص، وكيف يمكنه اكتشاف الفرص وسط فراغات القوة وتبدل موازينها، في الحدود التي تمكنه من تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر. لا تعني السياسة فقط القدرة على الفعل اعتمادًا على القوة وحدها، لأنها في هذه الحالة تتحول إلى مغامرة، بل إلى مقامرة قد تأتي بنتائج مضادة تمامًا للنتائج المرجوة، على النحو الذي أوضحته مقامرة صدام حسين حين أقدم على احتلال الكويت في عام 1990، فالسياسة قبل أي شيء آخر تظل هي فن الممكن، لكن من المهم معرفة هذا "الممكن" وكيف يمكن تطويره، فهو ليس معطى ثابتًا. فالسياسة تعتمد، إلى حد كبير، على المهارة، لكن المعرفة مطلوبة وبشدة، معرفة ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن أن يتحقق، فتغيير الواقع يبدأ من الانغماس فيه ودراسته، وليس من رفضه أو تجاهله.
الجغرافيا والاختيار الاستراتيجي
السؤال الرئيسي للسياسة هو سؤال الاختيار العام choice public، الذي يعد أساساً للقرار، فالقرار الذي يتخذ في موقف ما يُعبر عادة عن تفضيلات لمن يتخذ هذا القرار، مع ضرورة الانتباه إلى الفارق الكبير بين عمليات صنع القرار التي تتداخل فيها العديد من العوامل والمؤثرات، وبين لحظة اتخاذ القرار وهي لحظة للاختيار بين عدة بدائل وفق حسابات معقدة تتم على أساسها المفاضلة بين البدائل في حالة التفكير العقلاني، أو قد يتخذ بدافع من التصورات أو الأيديولوجيا أو بتأثير الانفعالات والعواطف، في حالة ما إذا كان القرار غير عقلاني. وتجد الإشارة هنا إلى أن القرار العقلاني قد يستند أيضا إلى حسابات خاطئة أو تقدير غير سليم بسبب العوامل المشار إليها. وبرزت فكرة ضرورة القرار في نهاية القرن الثامن عشر، بتأثير حدثين كبيرين، هما الثورة الأمريكية في مارس عام 1776، وحرب الاستقلال الأمريكية التي انطلقت في عام 1775 وانتصرت في عام 1783. الحدث الثاني هو الثورة الفرنسية في عام 1789 والتي لم تنته مرحلتها الأولى إلا في عام 1799 بصعود نابليون بونابرت للسلطة. الحدثان الكبيرات أظهرا للعالم الدور الذي يمكن لرجال السياسة لعبه في عمليات التغيير.
منذ ذلك الحدثين الكبيرين، أصبح من الصعب تجاهل حقيقة سعي السياسيين المستمر إلى التأثير على العالم ودفعه لتحقيق النتائج التي يريدونها، وأن هؤلاء السياسيين يعتقدون أنهم قادرون على تغيير النتائج بجهودهم، ومن خلال ترتيب المعطيات التي يتعاملون معها بشكل مختلف والتأثير على البرامج. ويعتقد رجال السياسة منذ نهاية القرن الثامن عشر أن تدخلهم سيؤدي إلى اتخاذ تدابير من شأنها تحديد أفضل طريقة لأن يعيش الأفراد معاً. وإذا طبقنا هذا المنطق على الدول تصبح السياسة وسيلة للوصول إلى أفضل طريقة لأن تتعايش الدول والأمم معاً. فهل تؤدي السياسة دائما إلى خيارات أفضل؟ وهل يستطيع رجال السياسة حقا التغلب على القوى التي تعمل بشكل مستقل عن إدراكهم ووعيهم؟ هذا سؤال كبير انشغل به الساسة الذين يمارسون السياسة كفن، وانشغل به أيضًا علم السياسة وعلوم اجتماعية وإنسانية أخرى، التي انشغلت بدراسة سلوك الأفراد والجماعات وتخليلها، لاسيما في مرحلة الثورة السلوكية في العلوم الاجتماعية، التي ظهرت كرافد من روافد الوضعية المنطقية ظهرت في منتصف القرن العشرين.
لا ينفصل الجدل حول دور السياسيين وحدوده عن الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، أو ما يعرف برؤية العالم التي تنظر إلى العلاقة بين الكون وبين الإنسان والمجتمع. ولا توجد رؤية وحيدة للعالم وإنما هناك العديد من الرؤى التي قد يكون مصدرها الفلسفة التي تشير إلى تأمل الإنسان في الكون وعلاقته به، والتي ارتبط ظهورها بظهور العقل كمفهوم، إلى الحد الذي دفع باحثا في تاريخ الفلسفة، مثل أنتوني جوتليب، في دراسته لتاريخ الفلسفة منذ اليونان وحتى عصر النهضة إلى وصف هذا التاريخ بحلم العقل، هذا العقل الذي وصل إلى اكتماله مع انتصار الحداثة الأوروبية، التي كانت إعلانا لانتصار العقل وانتصار الإرادة الإنسانية، وصعود السياسة والدور الذي تلعبه في نهضة المجتمعات. لكن هذا الانتصار لم يكن نهائيًا على ما يبدو إذ ظلت هناك تيارات ترفض فكرة حرية الإرادة والاختيار لدى الإنسان، وتحصن هذا الرفض بمعتقدات وتفسيرات للنصوص الدينية التي يؤمن بها ملايين البشر. لكن الحقيقة تظل أن كثيرا مما يعانيه العالم من بؤس أو القليل مما يحققه من سعادة مرهون إلى حد كبير بقرارات يتخذها البشر بوعي، حقيقيًا كان هذا الوعي أم زائفا، أو حتى بدون وعي.
هناك ثلاث نظريات أساسية للاختيار العام، وفكرة الاختيار هذه تفترض أن هناك إرادة حرة للإنسان تمكنه من التعامل مع الواقع والسعي لتسخيره بما يحقق منفعته. إن تاريخ تطور البشرية هو تاريخ سعي الإنسان للتأثير في البيئة المحيطة به، طبيعية كانت أم اجتماعية. النظرية الأولى هي نظرية الاختيار العقلاني، وهي إطار فكري يُستخدم في العلوم الاجتماعية سعيًا لفهم كيف يتخذ الأفراد قراراتهم. تفترض هذه النظرية أن البشر يتصرفون بوعي ومنطق لتحقيق مصالحهم الذاتية، من خلال موازنة التكاليف والفوائد لاختيار البديل الذي يحقق أقصى منفعة ممكنة لهم. هذه النظرية تفترض أن هذا الاختيار هو اختيار عقلاني أو رشيد. وتتعلق هذه النظرية أساسًا بالاختيار في المجال الاقتصادي، الذي يفترض عادة الرشد أو التفكير العقلاني. النظرية الثانية، هي نظرية الاختيار الاجتماعي، وهي معنية أساسًا من وصف وتحليل لكيفية دمج تفضيلات الأفراد المنتمين إلى مجموعة ما في قرار يخص المجموعة ككل: كيف تُجمع قيم أعضاء اللجنة في اقتراح مُعتمد؛ وكيف يعكس اختيار المسؤولين - أو لا يعكس - تفضيلات الناخبين؛ وكيف تُدمج أسواق المزادات والتجارة اللامركزية أذواق المشاركين.
لقد انشغل البحث السياسي، ومنذ منتصف الخمسينات، أي بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية بفهم كيفية عمل مؤسسات الحكم والسياسة، على الصعيدين الوطني والعالمي، نتيجة للتحول في البيئة السياسية وبروز العديد من الجماعات الفاعلة والساعية إلى التأثير في العمليات السياسية، وبروز ما بات يعرف بالمصالح السياسية وصعود الرأي العام نتيجة للثورة في التعليم، ولم تعد الجغرافيا السياسية معطى ثابتا لا يتغير نتيجة لثورة الاتصالات والثورة العلمية والتكنولوجية وما تبع من تطورات لحقت بالتفكير الاستراتيجي في الدول وفي الشركات وعلى مستوى التنظيم الدولي. وخلافًا للآراء التي تضع الاستراتيجية في مواجهة السياسة، يدافع هذا المقال عن نهجٍ في التفكير يجمع بين السياسة والاستراتيجية يطلق عليه التفكير السياسي الاستراتيجي، الذي لا ينظر فقط إلى المخاطر ولا يقف عند حدود تحليل العلاقة بين التكلفة والربح وإنما يسعى إلى تحويل المخاطر إلى فرص ويسعى لتعظيم الربح وتقليل التكلفة والخسائر.
لكن ماذا يعني الاختيار الاستراتيجي - وهو النظرية الثالثة - في العصر الراهن، الذي يشير إلى أن الجغرافيا السياسية لم تعد معطى ثابت مثلما كان عليه الحال قبل عقود قليلة. أشار تقرير لشركة ماكينزي، صدر في يونيو الماضي، إلى أن العالم يشهد تحولات جيوسياسية بفعل الثورة العلمية والتكنولوجية بتطوراتها المتلاحقة والمتسارعة، سيكون لها تأثير على الطريقة التي نتفاعل بها مع هذه التحولات، التي لا تستطيع النماذج الحالية للتنبؤ والاستشراف التعامل معها، وينوه التقرير استنادًا إلى آراء العديد من الخبراء والتنفيذيين إلى أن الاستعداد للمستقبل لا يعتمد على محاولة التنبؤ بما سيحدث، وإنما ببناء استراتيجيات وقدرات تعزز الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة. قد تستدعي هذه التغيرات العودة إلى بعض الحقائق التي كشفتها الدراسات السياسية وما حققته من تراكم معرفي.
السياسة كنسق مفتوح وتفاعلي
أول هذه الحقائق أن السياسة لا تفهم فقط من خلال الأفراد أو مؤسسات الدولة، بل من خلال التفاعل والصراع والتفاوض بين الجماعات ذات المصالح المختلفة، وهي حقيقة كشفها عالم السياسة الأمريكي ديفيد ترومان في بحث له في مطلع خمسينات القرن الماضي عن كيفية صنع السياسة ودور الجماعات المختلفة، والتي نشرها في كتاب صدر في عام 1951 بعنوان "العملية الحكومية: المصالح السياسية والرأي العام"، وهي من الدراسات المهمة في الفكر السياسي الحديث التي سعت إلى توسيع تحليل الجماعات والمصالح السياسية وربطها بعمل المؤسسات الحكومية وصنع السياسات العامة، انطلاقا من رؤية تنظر إلى المجتمع باعتباره شبكة واسعة من الجماعات التي تمتلك مصالح ومطالب مختلفة. وفق هذا المنظور، بات ينظر إلى الحكومات باعتبارها واحدة من الساحات الرئيسية التي تتنافس فيها الجماعات المختلفة للتأثير ليس فقط على القرارات والقوانين والسياسات العامة، على الصعيد الوطني والداخلي، وإنما أيضًا على السياسة الخارجية من خلال ما يعرف بجماعات المصالح. وبرز اتجاه في تحليل السياسة الخارجية يركز على الدور الذي تلعبه القوى الاجتماعية المختلفة في صنع السياسة الخارجية للدول وتحديد توجهاتها الأساسية، والتأثير في مؤسسات الدولة من أجل حماية مصالحها أو تحقيق مطالبها.
لا يمكن فهم التحول في السياسة الأمريكية الراهنة التي تتبعها إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعيدا عن فهم طبيعة وتحليل دور القوى التي تتحرك تحت راية شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" والتي تعرف اختصارًا بكلمة "ماجا"، ودون إدراك حقيقة أن السياسة ليست سوى عملية مستمرة من الضغط والتفاوض والتأثير والتوازن بين المصالح المتنافسة. وتجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من الجماعات التي تعمل في ظل هذا الشعار، ليست من الجماعات التقليدية والمعروفة في المجتمع الأمريكي، وإنما تندرج في إطار ما يعرف بالجماعات الكامنة، التي تشير إلى أعداد كبيرة من الأفراد غير المنظمين في جماعات سياسية نشطة، لكنهم يشتركون في مصلحة معينة، ولا تتحرك هذه الجماعات إلا إذا شعرت بأن هذه المصلحة مهددة. ويرى بعض الدارسين أن هذه الجماعات، لاسيما الجماعات الكبيرة لها تأثير على السياسيين حتى لو لم تكن منظمة. وتضيف هذه الجماعات قيدا آخر إلى القيود التي تعمل في ظلها المؤسسات الحكومية التي تتحول إلى ساحات تتفاعل فيها الضغوط والمطالب المختلفة، وتمارس هذه الجماعات تأثيرها عبر العديد من الوسائل والأدوات والقنوات، وتختلف قدرتها على التأثير باختلاف مواردها المالية والتنظيمية. ووفق هذه النظرية لم يعد ينظر إلى الدولة باعتبارها وسيط محايد؛ بل إن الحكومة ذاتها تتحول إلى جماعة تسعى للتأثير في مؤسسات الدولة وتغيير توجهاتها وفق مصالح وأجندات مستقلة، وقد لا تهتم في هذا السياق بمسألة الحفاظ على التوازن فيما بين القوى الاجتماعية، وإنما قد تعمل على تعديله.
تميل القوى المحافظة، خصوصاً القوى المحافظة التي تحتكر السلطة، إلى التقليل عادة من شأن السياسة ودورها وأهميتها، ويشككون في قدرتها على تغيير أي شيء في مواجهة الترتيبات الجيوسياسية أو الاجتماعية العمياء التي تعمل باستقلالية عن إدراك البشر وعن سعيهم لتحسين شروط حياتهم. هذه الرؤية توصف بأنها رؤية مثالية، بمعنى أنها غير واقعية، ذلك أن الواقع يتغير باستمرار وأن هذه التغيرات تفرض على البشر أن يغيروا من أساليبهم وأدواتهم، وهو أمر تثبته دراسة التاريخ البشري، منذ ظهور الإنسان وتفاعله مع البيئة المحيطة به أو من خلال الانتظام في جماعات تتطور وتتخذ أشكالًا أكثر تعقيدا مع ظهور الأمم والدول والإمبراطوريات.
السؤال الذي تطرحه التغيرات التكنولوجية الحديثة، والتي تملي على الإنسان توظيف الملكة الأساسية التي تميزه عن بقية أعضاء المملكة الحيوانية، وهي القدرة على التفكير في أشياء لم تكن ضمن خبرته المباشرة، والتي تترجم الآن في صورة وضع سيناريوهات محتملة لما قد يكون عليه شكل المستقبل، تعمل في صالح وضع أفضل للبشرية، أم أنها تنذر بعالم أكثر بؤسًا كما يرى كثير من الواقعيين المتشائمين؟ هذا سؤال فلسفي كبير، ينقسم الرأي بصدد الإجابة عليه. فهناك من يرى أن البشر محكومون بنزعة تدميرية ستؤدي إلى هلاك العالم، مثل عالم النفس الأمريكي الألماني المولد إريك فروم، أو إليزابيث كولبيرت مؤلفة كتاب "الانقراض السادس، تاريخ لا طبيعي”، التي ترى أن العالم مقبل على انقراض سادس بفعل النشاط البشري، لا ينفصل عن شهد عمليات انقراض كبرى يكشف علم الأحافير والجيولوجيا، أنها خمسة.
صحيح أن هناك قوى في الطبيعة لا يملك الإنسان شيئا إزائها، لكنه تمكن عبر مسيرة تطوره من تحسين طرق التعامل معها والتكيف معها والتقليل من تأثيرها، وهناك مآس من فعل يديه وهنا سؤال السياسة؟ كيف يمكن أن يغير الإنسان مصيره من خلال تغيير أدواته ونظرته للعالم. طالما أننا نعيش على هذه الأرض فنحن مطالبون بالعمل على تحسين شروط العيش معا بكرامة والعمل من أجل المستقبل ورفاهية الإنسان أفرادا وجماعات وهذه هي مهمة العلوم الاجتماعية، ومن هنا تتضح مدى بؤس النظرة التي تقلل من قيمتها وأهميتها، بغض النظر عن صاحب هذه النظرة وسلطته وبغض النظر عما إذا كان يدرك ما يقوله وإلى أين يقودنا، أم أنه يقول كلاما أملي عليه دون أن يفكر في تبعاته.
----------------------------------
بقلم: أشرف راضي






