15 - 08 - 2026

"ترامب" المبعثر فى متاهة إيران

فى الأيام الأخيرة ، بدت صورة إيران على قدر أكبر من التماسك الداخلى ، فى حين بدا الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" تائها مبعثرا ، وميالا إلى استعارة طرق التفاوض الإيرانية ، وطلب تعويضات لأمريكا وغيرها كما تطالب إيران بتعويضات عن دمار حروب أمريكا . 

 فى إيران ، بدت الصورة أفضل ، وعاكسة لتماسك السلطة والتفافها من حول ثقل ورمزية القائد الأعلى المتوارى "مجتبى خامنئى" ، فقد ظهر "مجتبى" لأول مرة فى شريط فيديو غير محدد الزمان ولا المكان ، والرئيس الإيرانى المنتخب "مسعود بزشكيان" الذى اشتكى قبلا من صعوبة اللقاء مع القائد الأعلى ، عاد وأعلن أنه التقاه فى اجتماع لأكثر من سبع ساعات ، وقال "بزشكيان" وهو طبيب فى الأصل ، أن الحالة الصحية والبدنية للقائد " مجتبى " ممتازة ، وبالتواقت مع الاجتماع المطول ، أصدر "مجتبى" حزمة قرارات رئيسية لإعادة تنظيم الوضع العسكرى والسياسى ، وتعيينات رسمية لكبار قادة "الباسيج" والحرس الثورى ورئاسة أركان القوات المسلحة ، سبقها اختيار مندوب القائد الأعلى فى "مجلس الأمن القومى" أمينا عاما ، وهو الجنرال "محسن رضائى" الذى قضى 16 عاما قائدا للحرس الثورى ، ويعد مؤسسه الأكثر أهمية ، وحل أخيرا محل سابقه "محمد باقر ذو القدر" ، وبوزن سياسى وعسكرى مختلف ، وفى مكانة تقارب حال "على لاريجانى" المغتال فى الحرب . 

    وكأن "مجتبى" أراد أن يقدم صورة جديدة لإدارته اللاحقة على إدارة والده الراحل الكبير "على خامنئى" ، وأن يؤكد اتصال الخبرة والتراكم ، فقد كان الجنرال "رضائى" مقربا من "خامنئى الأب"  كما  "لاريجانى" ، وموقع "رضائى" الجديد فى قيادة مجلس الأمن القومى ، يقدمه كعنصر مركزى وصانع قرار فى ميادين الحرب والتفاوض مع الأمريكيين ، وهو معدود فى إيران كواحد من آباء التيار الثورى المتشدد ، ورغم أن الرئيس الإيرانى الإصلاحى "بزشكيان" يعد بروتوكوليا رئيسا لمجلس الأمن القومى ، إلا أن الأمين العام المفوض من القائد الأعلى هو صاحب السلطة الحقيقية ، والمجلس الأعلى للأمن القومى فى الأصل ، إطار أوجده "خامنئى الأب" ، وجعله جامعا لكل السلطات والأجنحة العسكرية والسياسية والقضائية ، وهو الحكومة الأعلى بالقياس إلى حكومة الرئيس الإيرانى الأضعف وزنا فى بنية النظام ، الذى يعد المرشد أو القائد الأعلى ومندوبوه مركزه وعامود خيمته الرئيسى .

 

  وفى الوقت الذى يتحدثون فيه عن مفاوضات إيرانية ـ أمريكية تجرى من وراء ستار ، وربما تظهر إلى العلن قريبا ، مع دعوة الوسيط "الباكستانى" لوزير الخارجية الإيرانية "عباس عراقجى" لزيارة "إسلام أباد" ، ومع حديث الوسيط  "القطرى" عن تقدم تحرزه مفاوضات إيران مع "سلطنة عمان" ، التى تلعب هى الأخرى دور وساطة بين طهران وواشنطن ، ولا تبدو المفاوضات ـ أو تبادل الرسائل ـ مؤدية بالضروة إلى إحياء مذكرة التفاهم ، التى خرج عنها "ترامب" قولا وعملا ، وصار يتحدث فقط عن فتح "مضيق هرمز" باعتباره القضية الجوهرية ، فيما تبدو طهران ـ كالعادة ـ أقل تعجلا ، وتريد فيما يبدو ، أن تبنى مذكرة تفاهم كاملة من حول قضية "مضيق هرمز" وحدها ، والتهميش الفعلى لقضايا البرنامج النووى وغيره .

  ومن يراقب التصريحات الإيرانية ، من قبل "عراقجى" وكبير المفاوضين "محمد باقر قاليباف" رئيس البرلمان الإيرانى ، ومعهما لائحة شروط مجلس الأمن القومى لفتح "مضيق هرمز" ، يرى أن إيران تريد التفرقة تدرجا بين اتفاقها مع "عمان" حول إدارة المضيق ، وبين فتح المضيق وإتاحة حرية الملاحة فيه ، وتكاد تعيد نص بنود "مذكرة التفاهم " كشروط لازمة ، وأهمها فك الحصار البحرى الأمريكى عن الموانئ الإيرانية ، ووقف العقوبات الأمريكية على تصدير البترول الإيرانى ومشتقاته ، وفك تجميد أرصدة إيران ، وإلغاء كل العقوبات الأمريكية على إيران ، ووقف التهديدات ـ حتى اللفظية ـ ضد إيران ، ووقف الحروب الأمريكية "الإسرائيلية" على كافة الجبهات ، ودفع تعويضات كاملة عن الدمار الذى تسبب به القصف الجوى الأمريكى ، وفيما تبدو إدارة "ترامب" ظاهريا فى موقف الرفض لكل هذه الشروط ، فإنها تبدى استجابات ضمنية ذات مغزى ، بينها رفع وزارة الخزانة الأمريكية أخيرا لعقوبات على كيانات مرتبطة بالحرس الثورى .

  وفى المقابل ، لا يبدو "ترامب" مستقرا فى ثرثراته التى لا تنتهى ، فقد كف عن التهديد بضربة قاضية على إيران ، لم يعد يملك أدواتها ، ولا يستريح لها الجنرالات الكبار فى الجيش الأمريكى ، وعلى نحو ما عبر عنه "دان كاين" رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية فى اجتماع مغلق مع "ترامب" ومعاونيه ، نشرت الصحف الأمريكية الكبرى تسريبات عن وقائعه ، قال فيها أكبر قائد عسكرى أمريكى ، أن 50 ألف غارة جوية على إيران لم تحقق المطلوب ، وأن تكرارها لن يحقق نتائج أفضل ، وأن مخزونات الصواريخ الهجومية والدفاعية الأمريكية تناقصت بشدة ، ومعنى ما قاله "كاين" ظاهر ، فلم تعد من جدوى للهجمات الجوية مهما زادت ، ولم يعد مجديا سوى حملة غزو برى ، لا يملك "ترامب" أن يأخذ قرارها لفداحة تكاليفه البشرية ، خصوصا قبل انتخابات التجديد النصفى . 

   ومقابل تخوف "ترامب" وتداعى ثقته فى حملة قصف جوى جديدة كاسحة ، لجأ "ترامب" إلى بعثرة "كلمات متقاطعة" ، تدور حول تفضيله استمرار الضغط الأقصى والحصار البحرى على إيران ، والتعويل على تفاقم المشكلات الاقتصادية داخل إيران ، وهى التى عاشت وصمدت وبنت قوتها رغم ضغوط وعقوبات متصلة لنحو خمسة عقود مضت ، وحين لا يجد "ترامب" أن هذه اللغة مجدية ، ينتقل بخفة إلى لغة أهدأ ، ويقول أن الهدوء هو المطلوب ، وممارسة المفاوضات مع إيران على طريقة لعبة "الشطرنج" ، ويبدو كأنه يستعير من إيران أدواتها  ويقلدها بعد أن أعيته حيل مواجهتها بالسلاح والسياسة ، وليس بوسع "ترامب" ـ فيما نظن ـ أن يصبر كما يصبر الإيرانيون ، ولا أن يناور كما يناورون ، وقبل عقد "مذكرة التفاهم" فى 17 يونيو الماضى ، قالت صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية الاقتصادية "أن المفاوضين الإيرانيين تفوقوا على ترامب فى فن عقد الصفقات" ، وهو ما تبين بوضوح بعد إعلان بنود المذكرة ، التى بدت كسبا خالصا لإيران ، واضطر "ترامب" لابتلاعها قبل إعلانه عدم الالتزام بها ، ويخوض اليوم مفاوضات جديدة غير مباشرة مع الإيرانيين ، تدور هذه المرة من حول "مضيق هرمز" ، وهو الذى كان مفتوحا بالكامل للملاحة الحرة  قبل شن "ترامب" للحرب . 

    وكلما وجد "ترامب" نفسه ضائعا فى المتاهة ، لجأ إلى الكذب الصريح ، على طريقة زعمه مؤخرا ، أن المضيق تحت سيطرة البحرية الأمريكية بالكامل ، وإذا كان الأمر كذلك حقا ، فلماذا يفاوض إيران ـ إذن ـ لتفتح المضيق ، والدنيا كلها تعرف أن "مضيق هرمز" لايزال تحت السيطرة الإيرانية ، وأن طهران تعقد اتفاقا مع "سلطنة عمان" لتنظيم إدارة المضيق ، وفتح مجرى ملاحى مشترك ، تتحكم إيران بمداخله ، وتترك المخارج إلى "عمان" ، فيما لا تنوى إيران فك قبضتها على المضيق ، وهى تدرك أنه ورقتها الاستراتيجية الأهم ، خصوصا بعد إفشالها المتكرر للهجمات الأمريكية التى تحمس لها "ترامب" ، وأطلق عليها مرات صفة "مشروع الحرية" الغارق فى المضيق .

   وخلاصة المقارنة بين الوضعين الأمريكى والإيرانى اليوم ، أن القوة الإيرانية العسكرية والسياسية تبدو أكثر تماسكا وتشددا ، وتزيد بإطراد مدروس من تكاليف الحرب على واشنطن ، بينما تبدو إدارة "ترامب" مبعثرة الأوراق ، لاتثق بجدوى ضربات جوية أكثر عنفا ، تنهك الجيوش الأمريكية وتفرغ مخازن صواريخها ، وبأكثر مما تؤثر فى إيران التى تواصل ثباتها وصمودها المذهل ، وتلتف رسميا من حول القائد الأعلى الجديد "مجتبى خامنئى" ، وتحظى بتأييد ودعم شعبى واسع من حول العلم الإيرانى ، فيما تبدو إدارة "ترامب" فى وضع أكثر حرجا ، ينخفض فيه الدعم الشعبى لإدارة حرب خاسرة ، وتنزل شعبية "ترامب" إلى حدود متدنية ، وتهدده زيادة معدل التضخم وزيادة أسعار الوقود ، والاحتمالات القوية لخسارة الأغلبية المتاحة له فى "الكونجرس" بمجلسيه ، وهو ما قد يحوله إلى "بطة عرجاء" فى عاميه المتبقيين على نهاية مدة رئاسته الأخيرة ، ويكاد لا يجد مخرجا اليوم إلا إذا قرر الانسحاب من الحرب كلها ، وهو اختيار لا يملكه بحكم طبيعته الشخصية النرجسية المتغطرسة ، ثم أنه لا يتوقع وقتا مريحا أكثر ، إذا قرر الخروج الآن من ورطته الإيرانية الكبرى .

  وقد إختار رؤساء أمريكيون سابقون ، أن يتجنبوا ورطة حرب قد تطول مع إيران ، وجازف "ترامب" وحده على وعد كاذب من "بنيامين نتنياهو" ، أن ينتهى كل شئ إيرانى فى أيام ، وهاهو "ترامب" يغرق فى المستنقع الإيرانى لنحو ستة شهور قابلة للتمديد ، ولا يجد من فرصة نجاة ، لا تغنى عنها ثرثراته المبعثرة .
---------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected] 

مقالات اخرى للكاتب