يبدو أننا في مصر اكتشفنا، فجأة، نوعًا جديدًا من الصحافة لا يحتاج إلى خبرٍ كبير، ولا إلى تحقيقٍ شاق، ولا إلى صحفي يطارد الحقيقة في الملفات والمكاتب والشوارع.. يكفي أن نفتح الكاميرا، ونستدعي بعض الوجوه، ونضع أمامها ميكروفونًا، ثم نعلن أننا أمام «صحافة الريالتي».
المشكلة ليست في «الريالتي» نفسها، ولا في أن تتغير أدوات الصحافة أو تتطور أشكالها. الصحافة، بطبيعتها، ابنة عصرها، ومن حقها أن تبحث عن وسيلة جديدة للوصول إلى الناس. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح الظهور هو الخبر، والانتشار هو الإنجاز، وعدد المشاهدات هو المقياس الوحيد للنجاح.
نحن أمام حالة غريبة من «صناعة النجاح».. نجاح يُعلن عن نفسه باستمرار، بينما لا نكاد نرى له أثرًا حقيقيًا في الواقع.
يقال لنا إن هذه البرامج حققت انتشارًا هائلًا، وإنها صنعت نجومًا، وإنها أعادت الجمهور إلى الإعلام، وإنها أصبحت بديلًا أكثر جاذبية من الصحافة التقليدية. لكن السؤال البسيط الذي يبدو أن أحدًا لا يريد طرحه: وماذا بعد؟
أين القضايا التي تغيرت؟ أين الملفات التي فُتحت بسببها أبواب مغلقة؟ أين المسؤول الذي اضطر إلى الرد؟ أين المواطن الذي استعاد حقًا، أو مؤسسة اضطرت إلى تصحيح خطأ، أو حقيقة خرجت إلى النور لأن كاميرا «الريالتي» قررت أن تضعها أمام الناس؟
لا أحد يعترض على أن تحكي عن الناس، لكن الصحافة ليست مجرد أن تجعل الناس يتفرجون على بعضهم البعض.
الصحافة الحقيقية ليست «شو» طويلًا، ولا مسابقة في صناعة الترند. الصحافة تبدأ من السؤال، وتنتهي عند الحقيقة، وبينهما بحث وتحقق ومصادر ووثائق وشجاعة ومسؤولية. أما أن نأخذ بعض مظاهر الحياة، ونضع عليها عنوانًا صحفيًا، ثم نطلب من القارئ أن يصدق أنه حصل على «الصحافة» كاملة، فهذه ليست ثورة في الإعلام، وإنما إعادة تعريف للصحافة حتى تناسب غيابها.
والأخطر أن يجري تصدير هذا النموذج باعتباره نجاحًا. نجاحًا لا نعرف معاييره، ولا نرى نتائجه، ولا نستطيع قياس تأثيره إلا من خلال أرقام المشاهدة والتفاعل.
المشكلة إذن ليست أن «صحافة الريالتي» ظهرت، وإنما أن البعض يريد إقناعنا بأنها ظهرت لتملأ الفراغ الذي تركته الصحافة الحقيقية.
والحقيقة أن الفراغ لا يُملأ بالضجيج.
يمكنك أن تجعل ملايين الناس يشاهدون شيئًا لا يغير شيئًا، ويمكنك أن تصنع حوله حالة من التصفيق، لكن ذلك لا يحوله إلى إنجاز.
الصحافة لا تُقاس بعدد الكاميرات أمام الضيف، ولا بحجم الجمهور خلف الشاشة، وإنما بما تتركه وراءها بعد أن تنطفئ الكاميرات.
فإذا لم يبقَ من كل هذا «النجاح» سوى مشاهدات، وتصفيق، ووجوه تتكرر، وعناوين كبيرة.. فربما نحن لا نشهد ميلاد صحافة جديدة، بقدر ما نشهد ميلاد وهم جديد اسمه: نجاح الريالتي.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






