14 - 08 - 2026

الجوع إهانة للكرامة: قراءة في سياسات الجوع وهندسة الفقر

الجوع إهانة للكرامة: قراءة في سياسات الجوع وهندسة الفقر

في عام 2025، رصدت المنظمات الدولية المعنية بالأمن الغذائي رقمًا مؤلماً: 645 مليون إنسان، أي ما يعادل 7.8% من سكان العالم، يعيشون في دائرة الجوع المزمن، هذا الرقم، وإن كان قد شهد تراجعاً طفيفاً مقارنة بالسنوات السابقة، يظل مؤشراً على فشل جماعي في تحقيق أحد أبسط حقوق الإنسان، ولكن الجوع، كما تؤكد أدبيات الصحة العامة والاقتصاد السياسي، ليس مجرد عجز كمي عن توفير السعرات الحرارية؛ بل هو ظاهرة مركبة تعكس توزيعاً غير عادل للموارد، وسياسات اقتصادية قاصرة، وهشاشة في شبكات الحماية الاجتماعية، وهو، في جوهره، انتهاك واضح للكرامة الإنسانية، كما يوثق ذلك تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) الذي يربط انعدام الأمن الغذائي بتآكل القدرة على المشاركة المجتمعية والفاعلية الذاتية.

غير أن البعد الأكثر إيلاماً لهذه الأزمة لا يكمن في مجموع الجائعين، بل في تقديرات أقل حدة لكنها أكثر انتشاراً: 2.1 مليار شخص، أي نحو ربع سكان الأرض، عانوا في العام ذاته من انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد، وفقاً لمؤشرات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، وفي أفريقيا وحدها، واجه 56.6% من السكان هذا المصير، أي أكثر من نصف القارة السمراء، مهد البشرية وموطن ثرواتها الطبيعية، يعيشون على حافة الجوع، ويطرحون سؤالاً وجودياً كل صباح: هل سنُرزق اليوم بما يكفينا من غذاء؟ هل سيكون اليوم يوم تقف فيه كرامتنا على قدمين؟ هذا السؤال، في بساطته المأساوية، يكشف عن فجوة عميقة بين إنتاج الغذاء العالمي الذي يتجاوز احتياجات البشرية، وبين قدرة الملايين على الوصول إليه، وهي فجوة لا يمكن فهمها إلا في سياق العلاقات الدولية، وهياكل الحوكمة الاقتصادية، وتوزيع السلطة داخل الدول.

وهنا يبرز السؤال الفلسفي الأعمق: ما هو الجوع حقاً؟ هل هو نقص في السعرات الحرارية أم نقص في الكرامة؟ تؤكد الأدبيات الأنثروبولوجية والاقتصادية أن الجوع ليس غياباً للخبز فقط، بل حضور للإذلال، ونقص في الاعتراف، وغياب للأمان الوجودي، إنه ليس عجزاً في الطاقة، بل فائض في العجز الإنساني، حيث يتحول الفرد من كائن فاعل ومفكر إلى جسد بيولوجي محض، يحتاج ثم يصرخ ثم يموت في صمت، وهذا الصمت كما توثق دراسات علم الاجتماع التاريخي، هو أخطر أنواع الموت، لأنه موت لا يُسجل في ذاكرة الجماعة، ولا يُبكى عليه في خطابها الثقافي، بل يمر كحدث عابر في وطأة الحياة اليومية، مما يعكس تطبيعاً اجتماعياً للفقر، وإعادة إنتاج للامبالاة المؤسسية تجاه الأكثر ضعفاً

في هذا الإطار، تؤكد دراسة صادرة عن جامعة كمبردج أن الجوع يشكل "انتهاكاً صريحاً للكرامة الإنسانية"، ودليلاً ملموساً على "المعاملة المهينة" التي تتعارض مع مبادئ العدالة والإنصاف، فما يصفه الباحثون بـ"فشل الاعتراف" لا يقتصر على العجز عن توفير الغذاء، بل يتعداه إلى نفي القيمة الإنسانية للفرد، حيث يُختزل وجوده في معادلة بيولوجية ضيقة، وتُلغى إنسانيته في حسابات السياسات الاقتصادية، إنه جوع معنوي يسبق الجوع المادي، حيث يموت الاعتراف قبل أن يموت الجسد، وتُسلب الكرامة قبل أن تُسلب السعرات.

وفي مقابل النصوص القانونية النبيلة التي تجرّم التجويع المتعمد، يقف واقع أكثر قسوة، فدراسات القانون الدولي، ومنها ما نشرته مجلة "أوتريخت” (Utrecht Journal) للقانون الدولي والأوروبي، تؤكد أن الدول تتحمل "التزامات إيجابية" بحماية الأفراد من الجوع، و"التزامات سلبية" بالامتناع  عن أي أفعال تعيق وصولهم إلى الإمدادات الحيوية، بل ذهب الباحثون إلى القول إن حماية الكرامة الإنسانية تتطلب قراءة متكاملة للقانون الدولي، تدمج القانون الإنساني وحقوق الإنسان والقانون الجنائي، لتجريم الجوع تجريماً مطلقاً، ولكن الواقع يفضح هذه النصوص؛ فالجوع لم يعد اليوم مجرد نتيجة عارضة للجفاف أو الفشل الزراعي، بل تحول إلى أداة محسوبة، تُدار ببراعة الاستراتيجي المُحنك، وتُوظف لإخضاع الشعوب، فهي سياسة تمارس بألسنة الاقتصاديين، وتُنفذ بأيدي المسؤولين، وتُبرر بأرقام لا ترى الدماء، وحين تُرفع أسعار الخبز والوقود دفعة واحدة، وحين تُخفض الإعانات الغذائية في وقت تتضاعف فيه أسعار السلع الأساسية، وحين تُباع أصول الدولة بمزاد علني بينما يتضور الملايين جوعاً، فإننا لسنا أمام سياسات تقشفية بريئة، بل أمام "هندسة دقيقة للجوع"، تصميم متقن يُبقي المواطن مشغولاً بلقمة عيشه لئلا يبحث عن لقمة حريته، إنها معادلة ماكرة: جوع الجسد يقتل الروح، وآلام المعدة تخدر العقل، وشغف البطن يشغل البال عن السؤال الكبير: من يأكل حقوقنا؟

وتتأكد المفارقة حين تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية إلى أن الكوكب ينتج غذاءً يكفي لإطعام نحو عشرة مليارات نسمة، وهو رقم يتجاوز بكثير عدد السكان الحالي البالغ ثماني مليارات، ومع ذلك لا تتوقف معاناة الجوع، بل تتفاقم في أوساط تتصدر قوائم الإنتاج الغذائي أحياناً، فالأزمة ليست في جودة التربة، ولا في غياب التقنيات، بل في منطق التوزيع، وهيكل الأسواق، وسياسات التسعير، وآليات الدعم التي تُصمم أحياناً لتخدم شبكات الربح قبل شبكات الأمان.

فالحقول تدر محاصيل، والمخازن تفيض، والأسواق تزدحم، لكن الجوعى ينامون على بطون خاوية، بينما تُتاجر الحبوب في البورصات كسلع مالية، وتُربط بأسعار الفائدة وأسواق المشتقات، ويُتخذ من الغذاء أداة مضاربة، لا حقاً إنسانياً، الأمر إذاً لا يتعلق بقدرة الأرض على الإنتاج، بل بقدرة الإنسان على التوزيع العادل، إنها مسألة سياسية بامتياز، تتصل بهياكل الحكم، وتشابك المصالح، وإدارة الموارد العامة، وبالإرادة السياسية التي تختار، أو لا تختار، أن تجعل الأمن الغذائي أولوية قصوى، وهنا تكمن وصمة العار الحقيقية: أن يكون السياسي هو الجفاف، والفساد هو القحط، وقرار التقشف هو الذي يحصد الأرواح، لا الجراد ولا السيول.

ومن ثمة تأتي الحلقة المفرغة، تلك الآلية الذاتية التغذية التي تحكم علاقة الفقر بالمرض والجهل، تبدأ بسلسلة منطقية قاسية: انخفاض الدخل يؤدي إلى تراجع جودة التغذية، فيضعف الجسم، وينخفض الإنتاج، ويزداد الفقر، دوران لا يتوقف، جوع يلد وهناً، ووهن يلد فقراً، وفقر يعيد إنتاج جوع جديد، وكأن الإنسان مسجون في مطحنة لا تطحن الحبوب، بل تطحن المستقبل والأمل

لكن التحليل العلمي، كما تثبت مقارنات البنك الدولي، يؤكد أن هذه الحلقة ليست قدراً جغرافياً، بل نتاج قرارات سياسية وهياكل اقتصادية تختار إدامة الفجوات، ففي دول تتبنى سياسات حماية اجتماعية شاملة، ينخفض معدل انعدام الأمن الغذائي بنسبة تصل إلى 30% في غضون خمس سنوات، بينما تظل النسب مرتفعة حيث تسود سياسات التقشف غير المدروسة، وإذ تختلف الأرقام بين بلد وآخر، فلا تختلف إلا بمقدار ما تختلف السياسات، وهذا وحده كافٍ لإسقاط أي حجة عن الحتمية الطبيعية في تفسير الفقر.

ثم يأتي المرض، ذلك العامل المركزي في استدامة الفقر، فتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الفجوة الصحية بين الفئات الاجتماعية ليست عارضة، بل منظمة، إذ ترتفع معدلات الأمراض المزمنة والإعاقة بين الفقراء بأكثر من الضعف، ليس لأن الجينات تختلف، بل لأن الظروف المعيشية، وجودة التغذية، والحصول على الرعاية الصحية الأولية، كلها تتوزع بتفاوت صارخ، فالمرض لا يقتل الصحة فقط، بل يقتل فرص العمل، ويضاعف النفقات العلاجية، ويحوّل الأسر الفقيرة إلى دائرة ديون تغرقها قبل أن تتعافى من وهنها

أما الجهل، فيأتي ليكتمل المشهد، ففي الدول ذات معدلات التسرب المدرسي المرتفعة، تترسخ دورة الفقر عبر الأجيال، حيث ينقطع الطفل عن التعليم ليس لأنه أقل قدرة، بل لأن أسرته تحتاج يده العاملة، وتشير تقارير اليونيسكو إلى أن طفل الأسرة الفقيرة أقل عرضة لإكمال تعليمه الأساسي بأكثر من 60% مقارنة بنظيره الأكثر دخلاً، وهو ما يُترجم إلى عوائد اقتصادية مدى الحياة تقل بنسبة تتراوح بين 20% و30%، وهي فجوة تتضاعف مع كل جيل، وهكذا يصبح الجهل ليس مجرد غياب معرفة، بل بنية اجتماعية تعيد إنتاج التهميش، وتُضيّق الأفق، وتدفع الأبناء إلى حياة مشابهة لحياة الآباء.

ثم يأتي ما هو أخطر من الجوع وأكثر إيلاماً: التحوّل الذي يطبع الفقر في النفوس كوصمة، ويحوّل المحرومين إلى "الآخر" المستباح، ففي مجتمعات الفقر المدقع، تنمو بذور التعصب في تربة الخوف والندرة، وتتشكل هويات ضيقة تمنح الفقير شعوراً زائفاً بالانتماء، وتعوضه عن جوع بطنه بكرامة وهمية، وتشير أبحاث علم النفس الاجتماعي، كما وثقتها دراسات جامعة كامبريدج وكلية لندن للاقتصاد، إلى أن الفقر يعيد تشكيل الإدراك الاجتماعي، فيغدو الفقير هدفاً للتجريد من الإنسانية (Dehumanization)، وتترسخ صور نمطية تحمّله مسؤولية فقره، وتُبرر تهميشه. وهنا تبرز "الخديعة الكبرى": لا يبقى التعصب مجرد شعور، بل يتحول إلى أداة للسيطرة، وفي هذا السياق، يتحدث خبراء الأمم المتحدة عن "تحويل الفقر إلى سلاح" (Weaponisation of Poverty)، حيث تُستخدم الانقسامات الاجتماعية عمداً لتفتيت النسيج المجتمعي، وتصبح الهويات الطائفية أو الجهوية دروعاً وهمية، يُلهى بها الفقير عن سؤال الجوع الحقيقي، ويُوجه غضبه المشروع نحو جاره لا نحو من ينهب قوته، وكما يخلص تقرير الأمم المتحدة، فإن تقويض الحماية الاجتماعية يخلق أرضاً خصبة للتطرف، ويحوّل الاحتياج إلى أداة لتفكيك التضامن المجتمعي، وهكذا يصبح الجائع حليفاً لجلاده، ويُدفن وهو يلعن أخاه، دون أن يسأل: من أكل خبزي؟

وفي زمن باتت فيه النزاعات المسلحة تُكتب بلغة الحصار، لم يعد الجوع مجرد نتيجة عارضة للحرب، بل صار أحد أسلحتها الأكثر فتكاً، سلاح صامت، لا يترك أثراً للرصاص، لكنه يمحو الأرواح ببطء، ويُسقط المدنيين في ميدان معركة لا يختارونها، ففي غزة والسودان واليمن، تحولت المساعدات الإنسانية إلى "مصائد موت سادية"، وأصبح الوصول إلى الغذاء رهاناً مع الموت، بينما تُستخدم سياسات الحصار لتجويع السكان عمداً، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، فالقانون الدولي يجرم استخدام الجوع كوسيلة للحرب، وتُعدّ المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف أن "تجويع المدنيين كأسلوب حرب محظور"، كما أن قرار مجلس الأمن 2417 لعام 2018 دان بشكل قاطع تجويع المدنيين المتعمد، لكن هذه النصوص، رغم وضوحها، تظل حبراً على ورق أمام واقع لا يعترف إلا بقانون القوة، وهنا يأتي صوت البابا ليو الرابع عشر، في زيارته لمقر منظمة الأغذية والزراعة في روما، ليصف استخدام الغذاء كسلاح حرب بأنه "استراتيجية قاسية" تحرم الناس من حقهم الأساسي في الحياة، محذراً من أن المجاعة ليست ضرراً جانبياً، بل "استراتيجية واعية" يجب أن تسمى باسمها، لكن الجوع كسلاح لا يقبع في خنادق المعارك فحسب؛ بل يمتد بدهاء إلى سياسات التقشف التي تُمارس في غرف الاجتماعات، حين تُفرض على الدول الفقيرة شروط صندوق النقد الدولي، التي ترفع أسعار الغذاء والطاقة دفعة واحدة، وتربط القروض بخفض الإنفاق الاجتماعي، يتحول الجوع إلى أداة ضغط سياسي، وقيد اقتصادي، يجلد ظهور الجياع

فالدراسات تشير إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء العالمي بنسبة 20% يمكن أن يدفع أكثر من 20 مليون شخص إلى هوة انعدام الأمن الغذائي الحاد، وحين تُباع أصول الدولة بأسعار بخسة للمستثمرين، بينما يتضور المواطنون جوعاً، تُباع الكرامة الإنسانية بأكملها، تُباع الحقول التي روتها دموع الفلاحين، والمصانع التي منحت الأمل لعمالها، والبنية التحتية التي بنيت بأرواح الأجيال، فالاستعمار المالي، كما وصفه مراقبون، يحول الدولة إلى تلميذ مطيع، والشعب إلى رهينة مالية.

وفي خضم هذه الإشكاليات، تؤكد الأدبيات الحقوقية المعاصرة أن حماية الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تتحقق بإعلاء النصوص وحدها، بل تتطلب مقاربة تكاملية تضع القانون الدولي لحقوق الإنسان في صلب القانون الإنساني وقانون الأمن الغذائي، ذلك أن القانون، في جوهره الفلسفي، لا يمكن أن يقوم بمعزل عن الأخلاق، ولا ينبغي للنصوص أن تتصلب أمام حقائق مؤلمة تتجدد كل صباح، فالعدالة ليست نظاماً من القواعد، بل سلوكاً في التطبيق، وممارسة في الوجود، وكما يلاحظ الباحثون في فلسفة القانون، فإن النصوص القانونية، وهي في مقام التجريد، يمكن أن تتواطأ مع الظلم عبر صمتها عن تفاصيل المعاناة، فلا توجد صياغة قانونية، مهما بلغت دقتها، تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية في رد الاعتبار للكرامة الإنسانية. 

ومن ثمة فإن غياب الضمير المؤسسي، وانكفاء الإرادة أمام حسابات القوة والمنفعة، يحول النصوص القانونية إلى أداة شرعية للهيمنة لا إلى آلية للحماية، فالطعام في النهاية لا يدخل المعدة عبر نصوص قانونية، بل عبر سياسات عامة وإرادات تنفيذية ومخصصات مالية موجهة، ولئن كانت المجاعة في الحروب نتيجة مباشرة للحصار، فإن جوع الفقراء في أوقات السلم هو نتيجة اختيارات اقتصادية تجعل الفقراء مجرد أرقام إحصائية في المعادلات التنموية، وهنا تكمن المأساة الكبرى، حيث يصبح الغذاء أداة لتهذيب الشعوب وإخضاعها، وتتحول الكرامة الإنسانية إلى سلعة في سوق المساعدات الدولية، وتصبح العدالة الاجتماعية شعاراً تردده وفود المؤتمرات، بينما تظل حياة الجائعين رهينة سياسات لا ترى فيهم سوى أرقام عجز.

وبذا لا يكون سلاح الجوع مجرد أداة حربية في الميادين، بل هو امتداد لمنطق سياسي تحكمه ثنائية القوة والضعف، وتديره مراكز صنع القرار، وتستفيد منه شبكات المصالح التي تتغذى من رقّة المجتمعات وتفككها، وحين يصبح الخبز أداة للضغط، يصير الأكل مقاومة يومية، وحين تصير الكرامة رهناً بالمزادات، يصير الصمود ثورة صامتة، وحين ترتفع الأصوات لتطالب بالعدالة، تصير الكلمات بذور تغيير لا يمكن قمعها، لأن الجياع، حين لا يجدون الخبز، يصنعون من الألم وقوداً لتغيير ما لا يطاق.

وفي النهاية، تتجلى دروس التاريخ التي لا تُمحى في مفارقة مركبة: فالأمم لا تنهار بسبب الجوع وحده، بل حين يصبح الجوع مرآة لضمير غائب، فالإمبراطوريات التي امتدت قروناً لم تسقط حين نقصت حبوبها، بل حين اكتمل جوع ضمائر قادتها، وراحوا يأكلون وحدهم، بينما شعوبهم تقف خلف الجدران تراقب، والثورات لم تنطلق فقط لأن الناس جاعوا، بل لأنهم أدركوا أن جوعهم ليس قدراً كونياً، بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها، وكما قال الشاعر العربي: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر"، لكن القدر، في منهج التاريخ، لا يستجيب إلا حين تتحرك الضمائر، وتفيق الإرادات، ويصرخ الصامتون بأصوات لا تُسكت

وما يجعل المأساة المصرية أكثر إيلاماً هو وعي التاريخ نفسه، ذلك الحضور الدائم الذي يحكم على الحكام بما فعلوا، فمصر بثقلها الحضاري، وجغرافيتها التي جعلتها ملتقى العالم، ومواردها التي تفيض، ليست فقيرة بأهلها، ولا بعقولها، ولا بترابها، بل فقيرة بمنظومة سياسية تضع الإنسان دائماً في مؤخرة الأولويات، وتُبقي الباب موارباً لتكرار الأخطاء ذاتها، كما لو أن التاريخ يُعلِّم ولا يُتعلم، فهل يليق بمصر، بهذا الإرث، أن تبقى رهينة حلقة مفرغة من الجوع والمرض والجهل، بينما تملك ما يكفي لكسرها؟ الجواب ليس معقداً: إنها الإرادة وحدها، لكن الإرادة لا تسكن في النفوس وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات، وقضاء مستقل، ومحاسبة علنية، وديمقراطية حقيقية تغير المسار حين يفشل

وفي غياب هذه الأطر، تظل الكرامة حلماً، والجوع واقعاً، والتاريخ شاهداً لا يرحم، شاهد يكتب كل خطيئة، ويحفظ كل دمعة، ويحاسب كل قرار، فهو لا ينسى ولا يغفر ولا يسكت، بل يسجل الأسماء، ويحفظ الأفعال، ويكتب النهايات التي لا مفر منها، وفي زمن يلتقط فيه الجائع صور جوعه، ويكتب ألمه، وينشره بلمسة زر، يصبح التاريخ أكثر دقة، أكثر حضوراً، أكثر قدرة على الإدانة، فالهوامش تتحول إلى مصادر، والأصوات الخافتة إلى روايات لا يمكن طمسها، مما يضع الحكام أمام مرآة لا تعكس إلا الحقيقة، وهنا يبرز سؤال المصير الذي لا يمل من التكرار: هل من إرادة؟ وإذا كانت الإرادة غائبة، فمن يضمن ألا يصبح الخراب قدراً محتوماً، يحمل معه دروساً لا تُقرأ إلا بعد فوات الأوان؟ فالتاريخ يكتب، ولكن من يقرأ؟
--------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

الجوع إهانة للكرامة: قراءة في سياسات الجوع وهندسة الفقر