أزمة الديون التي تعيشها مصر اليوم ليست مجرد مشكلة مالية يمكن تركها للحكومة والخبراء وصندوق النقد. إنها أزمة تمس حاضر الدولة ومستقبلها، لأن الدين حين يتجاوز حدود القدرة على السداد لا يعود مجرد رقم في الموازنة، وإنما يبدأ في التأثير في خيارات الاقتصاد وأولويات السياسة وقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها وفقًا لمصالحها الوطنية.
هذا ليس جديدًا على مصر.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقعت مصر في أزمة ديون خانقة، انتهت إلى وضع ماليتها تحت الرقابة الأوروبية، وتحولت الديون تدريجيًا من وسيلة للتمويل إلى أداة للتدخل في القرار المصري. ولم تكن النهاية بعيدة: فقد انتهى المسار كله إلى الاحتلال البريطاني سنة 1882.
في تلك الأزمة حدث شيء آخر بالغ الأهمية: تحولت الأزمة المالية إلى قضية وطنية.
أدركت القوى الوطنية المصرية أن الخطر لم يعد في حجم الدين وحده، وإنما في ما يترتب عليه من فقدان القدرة على إدارة شؤون البلاد.
ومن هنا خرجت قضية الديون من دفاتر الحسابات إلى المجال العام، وتداخلت مع قضية الاستقلال والإصلاح السياسي، واجتمعت كلمة قطاع واسع من الحركة الوطنية على ضرورة مواجهة النفوذ الأجنبي والحد من آثاره على مصر.
قد تكون الحركة الوطنية آنذاك قد هُزمت عسكريًا، وانتهت المواجهة إلى الاحتلال، لكن التجربة تركت درسًا لا ينبغي أن يضيع: أنه حين يتحول الدين إلى قيد على القرار الوطني، يصبح التعامل معه قضية وطنية لا ملفًا ماليًا.
هنا يفرض الحاضر سؤاله.
مصر اليوم أمام أزمة ديون ضخمة، تتجاوز آثارها المالية المباشرة إلى الاقتصاد كله: خدمة دين تلتهم جانبًا كبيرًا من الموارد، وحاجة مستمرة إلى التمويل الخارجي، وضغوط على العملة والاستثمار والإنفاق العام، وأعباء تنتقل في النهاية إلى المستقبل.
لا تكمن المشكلة في الاقتراض في ذاته؛ فالدول تقترض لتمويل التنمية والاستثمار.
المشكلة تبدأ حين يتحول الاقتراض إلى ضرورة مستمرة لسداد ديون سابقة، وحين يصبح جزء متزايد من موارد الدولة موجهًا إلى خدمة الدين بدلًا من زيادة قدرتها على الإنتاج.
السؤال المزعج هو: كيف نسدد الدين؟
لكن السؤال الأهم يكمن في كيفية الخروج من الحلقة التي تدفع بنا إلى مزيد من الديون؟
هذا هو المجال الذي ينبغي ـ وطنيًا ـ أن تتحرك فيه القوى الوطنية المصرية اليوم.
ليس المطلوب شعارات ترفض كل اتفاق مع صندوق النقد، ولا مواجهة سياسية بلا بدائل، ولا تكرار تجربة القرن التاسع عشر.
المطلوب بكل بساطة ووضوح أن تتحول قضية الدين إلى قضية نقاش وطني حقيقي:
ـ كيف تراكمت هذه الديون؟ وأين ذهبت؟ ما العائد الذي حققته؟
ـ وما السياسة القادرة على وقف استمرارها؟
ـ وما الذي يجب أن يتغير في بنية الاقتصاد حتى تصبح مصر قادرة على تمويل احتياجاتها من إنتاجها وصادراتها واستثماراتها، لا من الاستدانة المتكررة؟
الأهم أن يكون هناك اتفاق وطني على أن سداد الدين لا يمكن أن يكون الهدف الوحيد للسياسة الاقتصادية، فالاقتصاد الذي يسدد ديونه بينما يفقد قدرته على النمو والإنتاج ليس اقتصادًا يتعافى، وإنما اقتصاد يؤجل أزمته ويرحلها إلى المجهول.
القوى الوطنية ـ أو ما تبقى منها ـ لا تستطيع أن تترك هذه القضية للحكومة وحدها، ولا للاقتصاديين وحدهم، كما لا يصح أن تتركها للجهات الدولية التي تقدم التمويل وفق رؤيتها ومصالحها.
مسؤولية القوى الوطنية أن تبدع تصورًا مصريًا للخروج من الأزمة، وأن تجعل حماية الاقتصاد من آثار الدين جزءًا من معركة أوسع من أجل التنمية والاستقلال السياسي.
في القرن التاسع عشر، تأخرت مصر في إدراك أن أزمة المال أصبحت أزمة استقلال، وحين أدركت ذلك ـ متأخرًا ـ كان النفوذ الأجنبي قد أصبح عميقًا إلى حد انتهى بالاحتلال.
أما اليوم، فما زال أمام مصر وقت لتجنب أن يتحول الدين إلى قيد دائم على حاضرها ومستقبلها.
والدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من التاريخ ليس أن الدين يؤدي حتمًا إلى الاحتلال، وإنما أن ترك الأزمة تتفاقم دون مشروع وطني للخروج منها قد يجعل ثمنها أكبر بكثير من قيمتها المالية.
الدولة لا تفقد استقلالها في اللحظة التي تعجز فيها عن سداد ديونها فقط؛ قد تبدأ خسارة استقلال القرار قبل ذلك بكثير، عندما يصبح المستقبل مرهونًا بقدرتها على الاقتراض من جديد.
-------------------------------
بقلم: محمد حماد






