13 - 08 - 2026

إبداعات | الفصل 17 من رواية مايا - الجزء الثاني

إبداعات | الفصل 17 من رواية مايا - الجزء الثاني

17

15 أغسطس 2015

يوم جميل يا دفتري العزيز.. صباحك سعادة ومساءك ورد

كلما هممت بالكتابة، أحسست بالكلمات تقفز من خلايا جسمي وتتزاحم من حولي في مرح طفولي، يشاغب بعضها بعضا، ابتسم لها وأبادلها نظرات غبطة وهي تتدافع فيما بينها وتتسابق لتنام وتتمدد على سطور الورق. 

 يتهجى قلبي الكلمات ويلهو بفقاعات حروفها في الهواء، ثم يسحبها دفعة واحدة وينثرها على الورق. لا أعرف كيف أصف ما أشعر به هذه الليلة من صفاء وسعادة وتفاؤل. صار الكون ملكي، وما الكون بكبيرٍ على قلبي. في لحظات الفرح يكبر قلبي، يتسع ويتسع، ويصبح الكون نقطة صغيرة في أحد زواياه. بعكس لحظات الضيق، تضيق نفسي عليّ، وبالكاد أتنفس.. يا إلهي!.. قلبي فضاء رحب يحتوي الأرض والسماء. 

تغمرني مشاعر إيجابية قليلاً ما تزورني، ويختلني صفاء شف معه جسمي وصار حزمة من نور، خفيفًا كَذَرْ أو أدني، تلهو به الريح، فيرسم أشكالاً هلامية من قلوب وزهور في الفراغ.

ليست السعادة إحساس أو شعور، إنما هي طاقة هائلة تفجر فينا مشاعر إيجابية بالغة القوة والفوران تكسح في طريقها كل رواسب اليأس والإحباط والانكسار، لأتحول في لحظة من يأس مدمر حالك السواد إلى ذروة سنام السعادة في جنات عَدن!

بل دعني أخبرك يا دفتري العزيز بأنني اتعمد، وأنا في قمة سعادتي هذه، أن اتفقد مواطن هزائمي وأحزاني، أتفقدها تَفَقُدَ المعاند الجسور، فتصغر في عينيي ما كنت أخشاه وأرهبه من قبل.

كل شيء من حولي اختلف وتغير مائة وثمانين درجة، ذاكرتي.. ما عادت ذاكرتي.. كأنما ولدت من جديد، صافية كذاكرة مولود بعد حملٍ طال أمده.

حتى بيروت التي ولدت بها وسكنتها وسكنتني وتحولت طرقاتها وشوارعها وميادينها إلى غرفٍ سرية في تلافيف الذاكرة، أفتحها في لحظات الحنين، فتحتها الليلة فتداعت في أذنيّ زقزقة العصافير في الصباحات الباكرة، أصواتها العالية في الشرفة حول أطباق الحب والماء التي تضعها أمي لها كل مساء، ليتناولوا فطورهم في الصباح الباكر. صوت سيارة يشق صمت الشارع في هدوء، نحنحة جارنا العجوز، صوت اصطكاك نوافذ جاراتنا وهن يفتحنها على مصاريعها لتدخل منها الشمس ونسيم بحر بيروت، فترتطم بالجدار ويتداعى صوت اصطكاكها، كأنما هو إعلان الاستيقاظ. رائحة القهوة تتسرب من مطبخنا إلى حيث يجلس أبي منتظرًا فنجان الصباح. ارتداء مريول المدرسة على عجل، وصيحات أمي من ورائي وهي تناولني علبة الساندويتشات والفاكهة. ضحكات البنات على النكات البذيئة، ووجه (ميس) ريم الصارم. دموع الوداع في اليوم الأخير للدراسة، واكتشافنا أن أيام المدرسة لا تعوض مقارنة بحبسة البيت، ثم محاصرتنا بالأسئلة حين نفتعل سببًا للخروج. صوت البائع ينادي على النعناع تحت نافذتي ظهيرة كل خميس، وصعود السبت بحزم النعناع والحبق البري الطازج الشهي.

أسترجع شريط الذكريات وأغوص أغوص في الماضي البعيد من دون توقف أو ملل، أصبحت أُحب كل شيء من دون خوف أو قلق.. 

"ليش هلّق رجعتي تتذكّري؟"، همست لنفسييمكن لأنّي عم برجع، أو يمكن لأنّي ما مشيت أصلاً من بيروت. في أبو ظبي أشعر أنني أتنفس هواءً غريبًا، أرسم ابتسامات لا تتجاوز صفحة وجهي، لأثبت لنفسي أنّني أُجيد فن الحياة، لكنّني كنت في الحقيقة أعيش في الماضي المحفور في الذاكرة، وليس في الواقع.

كلّ شيءٍ في أبو ظبي يبدو لي مؤقتًاالشوارع، الوجوه، حتى ضوء الغروب. أحيانًا كنت أظن أنني سأنسى بيروت، وأنني سأستيقظ يوماً وقد فقدت لغتي وعطري ولهجتي، لكنّ شيئًا ما في داخلي كان يرفض ويصر على حيوية الماضي. أستيقظ على رائحة القهوة التي تُذكرني بأمي، وأُطفئ المصباح قبل خلودي للنوم، كما كانت تفعل معي، وتقول "مايا، النوم سفر، نامي وسافري أد ما بتقدري".

ومع هذا اعترف أنني لم أتعافَ بعد. كنت أظن أن الغربة ستمحو ماكان من آلام، فإذا بها تضخمها. هنا في أبو ظبي، كلّ شيء يُعيدني إلى ما كنت أهرب منه؛ ملامح رجلٍ يشبه هاشم، أو رائحة مطرٍ تشبه أول لقاء لنا في صباح شتوي جميل من صباحات بيروت الرائعة. حتى المرايا لم تعد تنصفني، صرت أرى فيها أكثر من وجه؛ أرى وجه امرأة تقاوم كي لا تنكسر، وأحيانًا أراه خلفي وقد لف ذراعيه حول خصري ودفن أنفه في شعري، واستغرق يتنفس مغمض العينين.

"مايا، شو صار فيكِ؟يلاحقني صوتي الداخلي كما لو كان ظلّي. أجيبه بهمسٍ خائف؛ "تعبت.. تعبت من الحكي، من الذكريات، من الدوران حول الجرح دون سكون. يمكن لأنّي ما بدي أشفى، يمكن لأنّي بخاف إذا شفيت أنسى هاشم. أحيانًا الخلاص يعني النهاية، وأنا بعدي بدي أعيش شويّ.

الحبّ ليس ما جرى بيني وبين هاشم فقط. إنما هو ما وقع بيني وبين نفسي. علّمني حبي لهاشم أن أرى العالم بعينيّ رجلٍ واحد، وأن أرى نفسي بوضوحٍ في مقلتيه. في البداية كان حضوره طمأنينة، ثم صار مرآة، ثم صار سؤالاً ملحًا، لا ينتظر الجواب قدر أن يكون حاضرًا.

أحيانًا يُحبطني شعوري أن كلّ ما أكتبه من مذكرات لن يصل إليه، ومع هذا أكتب، كأنما أكتب إليه، وأحيانًا أكتب لنفسي وإلى الله، أسأله عدله ورحمته ولطفه، وأتمنى لو استطاع هاشم قراءة رسائلي تلك، ولو طال الزمن.. المهم أن يقرأها.

الزمن خدعة جميلة اخترعناها من باب هوس التصنيف الذي نعيش فيه ليل نهار، ولا أظن أن هناك بلدًا أصابه هذا الهوس أكثر من لبنان، هناك بلاد كثيرة تحتوي أعراقا وأجناسا ومذاهب وديانات، لكنها تعيش في انسجام، لا سؤال عن هوية يقض مضجعك، أو يجعلك هدفًا لقناص في وقت الحروب.

كذلك الزمن، اخترعنا له تصنيفًا يليق به، قسمناه إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، ولا أدري كيف يكون ذلك التقسيم في لحظة تجتمع فيها الأزمنة الثلاث، لحظتك الحاضرة كانت مستقبلا، وصارت ماضٍيا، نتنقل بينها في خفة عصفور قلق ينقر الذاكرة، أحيانًا يأتي على هيئة طيف في نوم أو صحو، وأحيانًا صوت لا يسمعه غيري في منتصف الليل، وأحيانًا على هيئة رائحة، وأحيانًا في نظرةٍ عابرةٍ من غريبٍ يشبه من أحببنا.

"بتخافي ترجعي ع بيروت؟"، سألت نفسي ذات يوم، ووجدتني أُجيب بمنتهى الجدية؛ "يمكن شويّ". بيروت بالنسبة لي ليست مدينة، هي اختبار دائم. في كلّ مرة أظن أنني تجاوزته، أكتشف أنني سقطتُ فيه من جديد. بيروت تعرفني أكثر مما أعرف نفسي، تعرف كذبي الأبيض، وتبريري الدائم لكلّ ما كسرني. لكنّني أعود إليها دائمًا، ربما كي اطمئن أن جُرحي لم يندمل بعد، وأنه لا يزال طازجًا.

لم يعد يعنيني أن أكون قويّة. القوة لم تعد تعني لي سوى غياب القدرة على البكاء. وأنا الليلة أريد أن أبكي، لا لأرتاح، بل لأتذكّر أنني ما زلت إنسانة. كلّما كتبت كلمة شعرتُ أنني أتلو أصواتا جنائزية. صارت الكتابة نوعًا من التراتيل المقدسة. لا أكتب بحثًا عن خلاص، بل عن شكلٍ ما للسلاموربما، عن طريقةٍ كي أقول: أنني ما زلت هنا، رغم كلّ ما فقدته.

أحيانًا أسأل نفسي، هل كنتُ سأكتب ما كتبت في غياب هاشم؟ ربما لا. وربما كنت سأكتب عن شيءٍ آخر، لكنّي كنت سأظل أكتب لأنّ الكتابة وحدها تجعلني أصدق أنّني لم ما زلت على قيد الحياة. كان هاشم مرآتي، ودكتور صبره صوتي حين يصمت عقلي. عشت بينهما عمري الحقيقي، عمرًا لا يُقاس بالسنوات بل بالوجع الذي يحتمله القلب.

الليلة، وأنا أرتّب حقيبتي الصغيرة، وضعت دفتري بين الثياب القديم. تردّدت لحظة ثم همست، "خليه يرجع يشمّ ريحة بيروت"، ضحكتُ من نفسي، ومن سذاجتي المفرطة في التعامل مع الدفتر. تحول الدفتر في حياتي إلى كائنٌ حيّ له ذاكرة ولون صوت. لكن ربما هو كذلك فعلًا؛الورق يعرفنا أكثر مما يعرفنا الناس. من هنا أُعدُ كلّ ما كتبته فيه محاولات للنجاة، وليس تاريخًا.

حين أصل بيروت، سأفتح الصفحة الأولى وأكتب بخطٍ مرتجف، "عزيزي دكتور صبره"، ثم أترك الفراغ الأبيض بعدها طويلاً، كأنّه صمت ما قبل البوح، أو كأنّي أحتاج أن أسمعه يجيب أولا.ً أحيانًا أتخيّله جالسًا أمامي، يرفع نظارته ويقول، "احكي يا مايا". فأتنفس بعمق وأبدأ، "رح بلّش من الأوّل..."، ثمّ أتراجع. لأنّ البداية ليست في الحكاية، بل في القرار أن نحكي. وها أنا أقرّر الليلة أن أبدأ من جديد. ربما كانت كلّ رحلةٍ في النهاية مجرّد ذريعةٍ لنعود إلى النقطة التي هربنا منها. وربما لا عودة أصلاً، بل استمرار بأشكالٍ مختلفة من الغياب. لكنّي سأعود، ولو إلى الورق. وغدًا، حين تلامس قدماي أرض بيروت، سأعرف أنّني عدت إلى مكاني الحقيقي، إلى الوجع الذي يصنعني،إلى المدينة التي تشبهني في عنادها، إلى الكتابة التي تُعيد ترتيب فوضاي. سأكتب، لا لأخبر العالم من أنا، بل لأتذكّر أنا نفسي من أكون.

* * *

18

5 سبتمبر 2015

من أجمل أيام حياتي ..

أعذرني أن لا وقت لدي لأحكي لك... تحياتي يادفتري العزيز!

* * *

19

14 سبتمبر 2015

بل هذا أجمل أيام عمري .. خايفة الفرحة تتسرق ..فاهمني يادفتري العزيز؟

* * *
(يتبع)
---------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط