لا يمكن النظر إلى تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني باعتباره مجرد تغيير إداري أو اختيار مسؤول لإدارة مؤسسة مهمة؛ فهذا التعيين يحمل رسالة استراتيجية بشأن توجهات الأمن القومي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مرحلة بالغة الحساسية من تطورات المنطقة.
فاللواء الدكتور محسن رضائي، قائد سنوات الدفاع المقدس (الحرب الایرانیة العراقية)، وأحد أبرز الشخصيات العسكرية المعروفة في الجمهورية الإسلامية، يمثل بالنسبة إلى شريحة واسعة من المجتمع الإيراني رمزاً لإدارة الحرب، والتنظيم الدفاعي، والصمود في مواجهة التهديدات الخارجية.
إن عودة شخصية بهذه الخبرة إلى إحدى أهم دوائر صنع القرار في مجال الأمن القومي يمكن أن تكون مؤشراً على دخول السياسة الدفاعية الإيرانية مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يعود فيها «الردع» مجرد مفهوم عسكري، بل يتحول إلى منظومة متكاملة سياسية وأمنية واقتصادية.
وتتضح أهمية هذا التعيين بصورة أكبر عند قراءة التطورات المحيطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا سيما في الخليج ومضيق هرمز، ضمن إطار التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري؛ بل هو أحد أهم الاختناقات الجيوسياسية في العالم، وأي تطور يطرأ على أمنه ينعكس بصورة مباشرة على معادلات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وفي مثل هذه الظروف، فإن حضور شخصية ذات خبرة طويلة في قيادة الحرب، ومعرفة عميقة بمنطق الردع، يمكن أن يحمل رسالة مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتجاوز في إدارة ملفات الأمن القومي المقاربات المرحلية، وتتجه نحو بناء هندسة أكثر تماسكاً لمنظومة الدفاع الوطني.
لكن ربما تكون الرسالة السياسية لهذا التعيين أهم من التعيين نفسه.
ففي الأسابيع التي حاولت فيها بعض التيارات الإعلامية تصوير وجود انقسامات وخلافات بين مكونات النظام، فإن تولي شخصية عسكرية معروفة قيادة أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي يمكن أن يشكل مؤشراً واضحاً على استمرار التنسيق بين المؤسسات الأساسية للنظام في مجال الأمن القومي.
وينبغي فهم هذا التعيين في إطار العلاقة بين القيادة والحكومة والمؤسسات الأمنية والدفاعية؛ أي في المجال الذي لا يمكن فيه للسياسة الخارجية والأمن القومي والدفاع الوطني أن تتحول إلى ساحة للصراعات الحزبية أو المنافسات المستنزفة.
والرسالة واضحة: في القضايا الاستراتيجية، تمتلك الدولة قيادة سياسية ـ أمنية متماسكة، وتُتخذ القرارات الكبرى في إطار السياسات العامة للنظام.
ومن هذا المنظور، يمكن أن يشكل تعيين رضائي رداً على كثير من الشائعات والتكهنات التي أُثيرت خلال الأشهر الماضية بشأن وجود خلافات داخلية على مستوى صناعة القرار الاستراتيجي.
فخصوم الجمهورية الإسلامية لطالما حاولوا تحويل الاختلافات الطبيعية في أي نظام سياسي إلى «انقسام بنيوي» و«أزمة في القيادة»، لكن ما يهم في مجال الأمن القومي هو قدرة النظام على تحويل اختلاف وجهات النظر إلى قرار موحد وتحرك منسق.
وهنا تكمن حقيقة الاقتدار. فالدولة القوية ليست الدولة التي تخلو من اختلاف وجهات النظر؛ بل الدولة التي تستطيع، عند لحظة الأزمة، تجاوز الخلافات والوصول إلى قرار وطني موحد.
ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى تعيين اللواء محسن رضائي، ليس باعتباره اختياراً شخصياً فحسب، بل باعتباره «رسالة استراتيجية» مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مواجهة التهديدات الخارجية، ليست في حالة ارتباك، ولا تعاني من تفكك داخلي، وإنما تعمل على إعادة تنظيم آلياتها الأمنية والدفاعية بما يتناسب مع الظروف الجديدة في المنطقة.
إن مضيق هرمز، وأمن الطاقة، والتطورات في الخليج، والحروب الهجينة، والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية، كلها أجزاء من معادلة واحدة.
والتعامل مع هذه المعادلة لا يحتاج إلى مقاربة مجزأة أو جزيرية، بل يتطلب قيادة وتنسيقاً على المستوى الاستراتيجي.
ومن هذا المنظور، فإن الدكتور محسن رضائي ليس مجرد أمين جديد للمجلس الأعلى للأمن القومي؛ بل إن حضوره يمكن أن يمثل عودة «منطق الدفاع الوطني» إلى مركز صناعة القرار الأمني في البلاد.
ورسالة هذا التعيين إلى الداخل والخارج واضحة: إن إيران تحافظ على تماسكها في مواجهة التهديدات؛ والمؤسسات الأساسية للنظام تتحرك في اتجاه واحد؛ والحكومة ومؤسسات الدولة تعمل في إطار السياسات العامة التي تحددها القيادة؛ والجمهورية الإسلامية تستعد لمرحلة جديدة من المعادلات الأمنية في المنطقة.
في السياسة الدولية، يكون تعيين واحد أحياناً أكثر بلاغة من عشرات البيانات. وقد يكون تعيين اللواء محسن رضائي واحداً من تلك الرسائل.
--------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي ـ إيران






