09 - 08 - 2026

العَفوُ والمقدرة

العَفوُ والمقدرة

يختلطُ لدى الجميع في أيامنا هذه مفهومُ العفو مع مفاهيم التسامح دون إعادة الحقوق لأصحابها. ولا يدري الكثيرون أن العفو اقترنَ دائمًا بالمقدرة؛ فالرسولُ صلى الله عليه وسلم لم يعفُ عن قومه ومن آذوه وآذوا صحابتِهِ، بل وقتلوا عمه، إلا من بعد أن أقَدرَهُ اللهُ عليهم، فنراهُ داخلًا مكةَ فاتحًا منتصرًا عليهم كما بَلَّغَهُ رب العزة عز وجل. وهو مثالٌ من أبسطِ ما ينبغي أن نضربَ في المقدرةِ إذا ما أراد أحدٌ أن يهضمَ حقَّ الآخرين بإجبارهم على العفو والتسامح، في مقابلِ إلغاءِ أهم شروطهما ألا وهو المقدرة. 

وفي هضمِ حقوقِ الآخرين والاستئسادِ عليهم بهذا الجورِ والظلمِ ما يدفعنا إلى أن نؤكِّدَ على ضرورةِ عدمِ التسامحِ، بل والقصاصِ ممن يتلذذون بهذه الممارساتِ غير السويِّةِ؛ إذ أنَّ هذا الذي يدخلُ في إطار ما نُعَلِّقَ عليه بالحكمةِ: مَن أَمِنَ العقوبةَ أساءَ الأدب. وبإصرارنا على نشرِ التسامحِ والعفو عن هذه الفئة ما قد ينشرُ في الأرضِ الفسادَ، ولا يأتي بثمار العفو والتسامح الحقيقية على الفرد ولا على المجتمع، بل على العكسِ فالتمادي في مسامحةِ اللئام وعدم الضرب على أيديهم ليكفُّوا عن ظلم الآخرين ما يسيء إلى الجميع، وهنا نتذكرُ جميعًا ما قاله الرسولُ صلوات ربي وتسليمه عليه وعلى آله وصحابته من أن مثل القائم على حدود الله والواقعِ فيها كالذين رزقهم الله التحكم في سفينةٍ كانت ستغرق لولا أن ضرب الذين آمنوا منهم على أيدي مَن بغفلتهم وضياعِ حكمتهم أرادوا خرقَ نصيبهم في السفينة. وقد وصفهم الرسولُ في قوله بالواقعين في الظلم والجور بغفلتهم عن إقامةِ حدود الله، ومنها نرى أن التسامح والعفو في هذا الشأن كان سيودي بحياةِ من بالسفينةِ ويُعرِّضُها للغرق، لولا مَن ضربوا من المؤمنين على أيديهم وأصروا على أن يقيموا فيهم حدود الله عز وجل. 

من هنا يتضح أن قيم الإسلام التسامح والعفو، لكن الانبطاح والرضا بالظلم والانصياع للانكسارِ دون استنصار الله، كل هذا لم يقضِ بهِ الإسلامُ، بل على العكس حثَّ وحضَّ على القِصاصِ العادل، ونشر مفاهيم العدل والأخذ بالحق نصرةً للمظلومين على الظالمين؛ حتى يعلمَ الظالمُ أن نهايةَ ظلمِهِ ليست في العفوِ عنه ولا مسامحته، بل هناك عدلٌ وقضاءٌ يقضي اللهُ بهِ بين البشر، وهناك من بين البشر مَن يمثلون هذا العدل وهذا القضاء، وذلك لنشر قيم الإسلام الأهم في مُلكِ الله. إن معرفةَ حدودِ الله وتطبيقها بين البشر هو الأولى من فرضِ قيمٍ ظاهريةٍ لا عدلَ فيها ولا قضاء بين البشر مما قد يشوبُ علاقاتهم، ويُفسد عليهم فهمها، بل ويسيء إلى دينهم الذي يتبعون. ومقاومة الظلم ونشر العدل مِن أهم مَا نُطالبُ بهِ في مجتمعاتنا حيث لا يُقيمُ اللهُ دولةً مسلمةً إلا والعدلُ من أهم مواثيقها.
------------------------------------
بقلم: رانيا مسعود

مقالات اخرى للكاتب

العَفوُ والمقدرة