كثيرٌ من الروائيين يبدأون الكتابةَ الروائيةَ بعد تجارب عديدة مع القصة القصيرة، ولنجيب محفوظ أكثر من عشرين مجموعة قصصية، وما يزيد عن الثلاثين رواية، وبعض الروائيين يطوِّر القصة القصيرة حتى تصير رواية (يوسف السباعي)، وقد بدأت الكاتبة بالقصة القصيرة، ونشرت مجموعتها الأولى تحت عنوان: ضوء مبهر العام 2001م عن دار ميريت بالقاهرة، ثم انجرفت لفردوس العصر الحديث، وهو الكتابة الروائية، وفي القصة القصيرة مسارات كثيرة يمكن للمبدع أن يتجول فيها كما يشاء، فإلي الآن لا يوجد تنظيمٌ يحتمُ على الكاتبِ عدد صفحات القصة القصيرة، إلا أنها في النهاية عمل سردي قصير، مكثف ومضغوط، ومركز حول أمر واحد أو عدة أمور على الأكثر.
أما الرواية فهي الانفتاح على العالم كله، عالمٌ داخليٌ للشخصيات وآخر خارجيٌ يشملُ كافةَ الأمورِ الميتافيزيقية المحيطة بالعالم الداخلي، يتشكلُ من خلاله أو يقوم بالمساهمة في تشكيله.
وهذان العالمان هما عالما رواية متاهة مريم، حيث نجدُ شخصيةً جوانيةً تغالبُ الشخصيةَ التي تودُّ التحررَ من الشخصية التي كوَّنتها الأمور الفيزيقية المحيطة (النشأة- الأسرة- البيئة)
ونفهم ذلك من جملة الإهداء التي تقول فيها: إلى الأخرى التي تسكنني.
فهذه الأخرى تشير إلى صراع داخلي بين شخصيتين تكونتا بفعل تأثيرات متباينة، وكثير من أبناء الفلاحين والقرى الصغيرة وحتى الكبيرة، حين ينزحون للدراسة الجامعية في القاهرة فإن صدمة حضارية كبرى تحبطهم في سنواتهم الأولى لعاصمة البلاد، فيودون خلق شخصيات جديدة مثقفة، وقد تتبدى تلك الثقافة في الانعتاق من عوامل التربية الأولى.
هذا التحرر أو الثورة على معطيات البيئة القروية الصغيرة قد يحيل الإنسان إلى شخصيات عدة، قد تتحاور وقد تتصارع. (تتبدى أغلب هذه الحريات في اعتناق مذاهب سياسية ودينية مختلفة عن القرية، وكذا التحرر الجسدي والجنسي والعاطفي)
في رواية متاهة مريم ومن سيميائية العنوان نجد أن هناك صراعاً لا حواراً بين شخصيتي مريم، الشخصية الأولى ذات الجذور القروية، والأخرى ذات الثقافة المتعددة.
كما أن البعض يختار ثقافة الجامعة والمدينة الكبيرة؛ لأنه يظن أن شخصيته هنا متحررة ومصنوعة بذاتها دون وصاية من الأهل والأسرة وقوائم طويلة من العيب والحرام وما يصحُ وما لا يصحُ.
أما في البيئة الجامعية فهناك اختيارات حقيقية لمسارات شخصية ذاتية عميقة، حتى لو اهتدت من خلالها لغير الصواب.
في متاهة مريم تفاجئنا منصورة عز الدين بمقدمات للمشاهد عن بيت التاجي الكبير، وكيف تأسس المنزل الكبير، وكذا كافة ما يعتري هذا البيت من تغيرات وتحولات، وأغلب هذه التحولات تكون للأسوأ.
تقول الكاتبة: "يُحكى أن التاجي عندما قرر بناء سراياه أحضر عدداً من قطع اللحم، ووزعها على مناطق مختلفة من الأرض. ثم اختار الأرض التي حفظت الطعام من الفساد لأطول مدة وبنى عليها السرايا الضخمة ذات القباب والواجهات الرخامية. "(الرواية: صـ9) وهذه الفكرة تراثية وردت كثيراً في كتب التراث عن أفضل الأماكن لبناء المستشفيات.
وتمتدُ الروايةُ في الزمن ما قبل ثورة يوليو 1952م، حيث تمَّ تطبيق قانون الإصلاح الزراعي على التاجي، وأخذوا منه جزءاً كبيراً من أرضه، لكنه لم يتأثر.
ومريم ابنة يوسف بن التاجي، فهي الجيل الثالث عقب الثورة، وتحيا في نهاية القرن العشرين، وتحولت من دراسة الطب والعلوم لدراسة الفلسفة في الجامعة، وهذا يسمح لها بالتعمق في الأشياء.
وفي أغلب التجارب الأولى للروائيين يستخدمون ضمير الغائب في السرد والراوي العليم، ويبتعدون عن استخدام ضمير المتكلم، أو الأصوات المتعددة؛ وذلك للغوص في الوصف الخارجي، وربما التسلل الداخلي للشخصية.
تبدأ الكاتبة الرواية قائلة:" قالوا مَن يمت إثر طعنة قاتلة في الحلم يُقتل في اللحظة نفسها في الواقع. ومَن يسقط في حلمه من مكان شاهق مرتطماً بالأرض يتوقفُ قلبُه على الفور. فلماذا بقيت مريم إذن على قيد الحياة؟ كان هناك أخرى في مثل سنها تقريباً وتحمل وجهها وجسدها تسير بمحاذاتها. "(الرواية: صـ 11)
وشخصيات الرواية ليست كثيرة، فنحن أمام أسرة مريم التي تتكون من جدتها ذات الأصول الألبانية، ووالدها يوسف الذي لقي حتفه في حادث سيارة، ونرجس أمها التي تأثرت بالحمل والولادة ونازعتها في زوجها عشيقة أخرى تدعى كوثر، وكان الفضول يأكلها لتسأل غريمتها عن علاقتها بيوسف، تقول الكاتبة: "منعت نرجس نفسها بصعوبة من أن تسأل غريمتها السؤال الذي لطالما أرّقها: هل يتفوه يوسف بأية كلمة بينما يمارس الجنس معكِ أم يظل على صمته؟" (الرواية: صـ34)
وهناك شخصية صالح المنكب على الجنازات طوال حياته، وحضر جنازة الزعيم جمال عبد الناصر والسادات وغيرهما من الكبار، وهذه الشخصية ذات دالة سيميائية على الفناء والنهاية، وربما الخراب لا العمران؛ فالموت هدم وليس بناء.
ثم هناك شخصيات جديدة من البيئة الجديدة، منها رضوى رفيقتها، ويحيى حبيبها، لكن لا ظهور لهما، وتجهد مريم نفسها فلا تعثر عليهما.
وتنفتح الرواية عن تأويلات متعددة، وهي تستخدم آليات متباينة في السرد، فتقدم لكل مشهد بقطعة عن بيت التاجي، وما يعتريه من تغيرات وتطورات وخاصة ما يرتبط بالزهور والورود والأشجار والطيور والطبيعة، والمكان حائر بين القاهرة التي لا تهتدي فيها حتى لعنوان يحيى ولا لعنوان رضوى، وتندهش لكل مكان تدخله فيها، على الرغم من معرفتها الجيدة به، وبيت التاجي في القرية في الدلتا، هذا البيت الذي تشعر فيه بالغربة النفسية، وتودُّ لو تهربُ منه، لكنه كالوتد الذي يشدُّ أهلَه إليه.
ومتاهة مريم تغوصُ في أعماق الفتاة الحائرة بين القديم المألوف والجديد المأمول، وهي لا تجيب على الأسئلة، بل تفتح مسامات الحياة للأسئلة، وتكثر فيها الأحلام هروباً من الواقع أو تفسيراً له.
إن التجربة الروائية الأولى تبقى صدمة للكاتب، مهما تمكن من أدواته، وسيطر على شخصياته، فالروائي لا يحاكم الشخصيات، بل يتفهمها ويتعايش معها، ويجتهد في فهم دوافعها الخاصة مبتعداً عن توجيهها أو إسداء النصح لها.
ومن ثمَّ تجئ رواية مريم لمنصورة عز الدين رواية فائقة وماتعة حين ندرك أنها التجربة الروائية الأولى وستليها العديد من الروايات مثل جبل الفردوس التي تبني على متاهة مريم في بيئتها وشخصياتها، ثم جبل الزمرد، وأخيلة الظل، وبساتين البصرة، حتى نصل لرواية أطلس الخفاء.
------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش






