09 - 08 - 2026

سقوط الشعار.. غزة واختبار الدول التي تتحدث باسم الإسلام

سقوط الشعار.. غزة واختبار الدول التي تتحدث باسم الإسلام

الدولة ليست الإسلام، والشعار ليس موقفًا، والهوية ليست فعلًا، والشرعية التي لا تصمد أمام لحظة أخلاقية كبرى تفقد كثيرًا من قوتها، مهما طال تاريخها ومهما ارتفع صوتها.

هنا يكمن اختصار واحد من أعمق التحولات التي كشفتها حرب غزة في الوعي الشعبي العربي. فالمسألة لم تعد متعلقة فقط بموقف هذه الدولة أو تلك من الحرب، ولا بمقدار ما قدمته من مساعدات أو بيانات أو تحركات دبلوماسية، وإنما أصبحت متصلة بسؤال أكثر جوهرية: على أي أساس يصدق المواطن أن دولة ما تمثل الإسلام أو تمثل القيم الإسلامية التي تقول إنها تستند إليها؟

لقد كانت الدول العربية والإسلامية، لعقود طويلة، تمتلك قدرة واسعة على إنتاج صورتها أمام مواطنيها. كانت تحدد خطابها، وتقدم روايتها، وتستخدم الإعلام والمؤسسات الرسمية والدينية لتثبيت هذه الصورة. وكانت الهوية الإسلامية أو التاريخية جزءًا من رأس المال الرمزي الذي يمنحها قدرًا من الشرعية.

لكن غزة جاءت لتضع هذا كله أمام اختبار مختلف. فحين ترى الشعوب الفلسطينيين يُقتلون ويُهجّرون ويجوعون أمام شاشاتهم، ثم تسمع في الوقت نفسه خطابات عن الإسلام والعروبة والقدس والأمة، فإنها تبدأ في إجراء مقارنة بسيطة، لكنها شديدة القسوة: ما الذي تقوله هذه الدولة أو تلك عن نفسها، وما الذي تفعله عندما تصبح القيم التي تتحدث عنها موضع اختبار؟

وهنا تبدأ المسافة بين الشعار والموقف في الظهور. فالدولة التي تقول إنها إسلامية ليست الإسلام، والدولة التي تتحدث باسم أهل السنة والجماعة ليست هي السنة والجماعة، والدولة التي ترفع راية العروبة ليست هي الأمة العربية. هذه كلها هويات سياسية ورموز شرعية تستخدمها الدول لتقديم نفسها، لكنها لا تمنحها حصانة أخلاقية دائمة.

بل يمكن أن يحدث العكس تمامًا: كلما ارتفع الشعار، ارتفع معه سقف المحاسبة وتوجيه الاتهامات بالتخاذل والتوطؤ وأحيانا التآمر. فيما الدولة التي لا تقدم نفسها باعتبارها صاحبة رسالة دينية قد تستطيع تفسير موقفها باعتبارات المصلحة الوطنية. أما الدولة التي تجعل من الإسلام جزءًا أساسيًا من صورتها، فإنها تضع نفسها أمام سؤال أخلاقي إضافي: هل تنسجم ممارستها مع القيم التي تقول إنها تمثلها؟

وهنا لا يصبح السؤال: لماذا لم توقف هذه الدولة الحرب؟ فهذا قد يكون فوق قدرتها. وإنما يصبح: هل استخدمت ما تملكه من قدرة ونفوذ بالقدر الذي يتناسب مع خطابها ومكانتها؟

هذه النقطة تحديدًا أسهمت في تعميق فقدان الثقة، وفي إسقاط كثير من الخطابات التي قدمت نفسها طويلًا باعتبارها حامية للإسلام والمسلمين، إذ وجد أصحابها أنفسهم أمام واقع يكشف الفجوة بين ما يقولونه وما يراه الناس في مواقفهم. ولم تعد هذه الفجوة شأنًا داخليًا؛ فقد أصبحت مرئية أمام شعوب العالم، بفضل التدفق الهائل للمعلومات والصور والشهادات من قلب الحدث.

فالمواطن العربي، وكذلك قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، لا يعيش اليوم في عالم البيانات الرسمية المغلقة. إنه يرى الأحداث مباشرة، ويقارن بين الدول، ويتابع التصريحات والإجراءات، ويرى العلاقات والتحالفات والمصالح. ولذلك لم يعد من السهل إقناعه بأن الفجوة بين الخطاب والفعل مجرد نتيجة حتمية لتعقيدات السياسة الدولية.

لقد تغيرت طبيعة المعرفة السياسية نفسها. وللمرة الأولى، ربما بهذا الاتساع، أصبح المواطن العربي قادرًا على أن يقول للدولة: أنا لا أكتفي بما تقولينه عن نفسك؛ أريد أن أرى ما تفعلينه.

وهنا تنتقل الشرعية من مجال الهوية إلى مجال الأداء. فالدولة لا تصبح قوية في الوعي الشعبي لأنها إسلامية فقط، ولا لأنها سنية تمثل أهل السنة والجماعة فقط، ولا لأنها عربية فقط، وإنما لأنها تنجح في تحويل هذه الهوية إلى سلوك يراه الناس منسجمًا معها. وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة: الهوية ليست فعلًا.

إن غزة لم تكن اختبارًا لإسرائيل وحدها، وإنما كانت اختبارًا للدول العربية والإسلامية أيضًا، كل دولة وفق موقعها وقدرتها وخطابها. لكن الأهم أنها كانت اختبارًا لمفهوم التمثيل:

ـ من يمثل المسلمين؟

ـ ومن يمثل العرب؟

ـ ومن يمثل الأمة؟

ـ ومن يملك حق الحديث باسم فلسطين؟

كانت الإجابة التقليدية تأتي دائمًا من الدولة أو المؤسسة الدينية أو الحركة السياسية أو الحزب أو التنظيم. أما اليوم، فإن قطاعات واسعة من الشعوب تبدو أقل استعدادًا لقبول هذا الاحتكار.

لقد تم الانتقال من الاصطفاف إلى المساءلة. ومن هنا يمكن فهم الغضب الشعبي المعلن والمتصاعد من بعض الدول التي تقدم نفسها باعتبارها حامية للإسلام وممثلة لأهل السنة والجماعة. فالمشكلة لم تعد فقط في موقف سياسي محدد، وإنما في انهيار صورة تراكمت عبر سنوات.

وهكذا فإن الدولة التي قدمت نفسها بوصفها مرجعية إسلامية تجد نفسها مطالبة بإثبات هذه المرجعية. والدولة التي قدمت نفسها بوصفها حامية للقضية الفلسطينية مطالبة بإثبات ذلك. والدولة التي بنت نفوذها على الوساطة مطالبة بإظهار نتائج الوساطة. والدولة التي اختارت التطبيع مطالبة بتفسير معنى العلاقة في زمن الحرب. والدولة التي رفعت خطاب المقاومة مطالبة بإظهار حدود قدرتها على تحويل الخطاب إلى فعل. وهكذا أصبحت كل دولة، إلى حد كبير، أسيرة الصورة التي صنعتها لنفسها.

إن جزءًا من الغضب الشعبي المتصاعد نابع من الشعور بأن بعض الدول استخدمت الدين بوصفه مصدرًا للشرعية، لكنها لم تقدم في لحظة الاختبار ما يتوقعه الجمهور من هذه الشرعية.

وهنا يحدث الفصل الضروري بين الإسلام والدولة. فالإسلام ليس مسؤولًا عن سياسة حكومة، كما أن فشل دولة ذات خطاب إسلامي لا يعني فشل الإسلام. وبالمثل، لا تصبح دولة ما ممثلة للإسلام لمجرد أنها تضع الإسلام في خطابها الرسمي.

إنها نقطة بالغة الأهمية؛ لأن الخلط بين الدولة والدين يسمح للسلطة بأن تجعل نقد سياساتها يبدو وكأنه نقد للدين نفسه. بينما الحقيقة أن الدولة كيان سياسي قابل للمساءلة، أما الإسلام فليس حكومة ولا سياسة خارجية ولا تحالفًا دوليًا.

وفي الأوقات العادية تستطيع الدولة أن تعيش على رصيد الماضي، وعلى رمزية المؤسسات، وعلى الخطاب السياسي والديني. أما في لحظة أخلاقية كبرى، فإن الماضي لا يكفي.

غزة كانت من هذه اللحظات. لقد وضعت الدول أمام اختبار لا تستطيع فيه الكلمات أن تخفي الفجوة طويلًا بين المبدأ والممارسة. وربما لهذا كان تأثيرها في الوعي العربي أقوى وأوسع من حدود الحرب نفسها. فما سيبقى ليس فقط السؤال عما حدث في غزة، وإنما سؤال آخر ستظل الشعوب تطرحه على دولها: عندما جاءت اللحظة التي كان لا بد فيها من الاختيار بين الشعار والموقف، ماذا اخترتم؟

وهذا هو السؤال الذي قد يغير، على المدى الطويل، مفهوم الشرعية السياسية في العالم العربي. لأن الدولة التي اعتادت أن تقول: "أنا أمثل الأمة الإسلامية"، أو "أنا أمثل أهل السنة والجماعة"، ستجد نفسها أمام مواطن يقول: مثّلها بالفعل أولًا، ثم تحدث باسمها. والدولة التي تقول: "أنا دولة إسلامية"، ستجد سؤالًا آخر: هل سلوكك ينسجم مع القيم التي تجعل الإسلام أكثر من مجرد شعار؟.. والدولة التي تقول: "أنا مع فلسطين"، ستواجه السؤال الأبسط والأكثر قسوة: ماذا فعلت حين احتاجت فلسطين إلى الفعل؟

هنا بالضبط تتغير المعادلة. الدولة ليست الإسلام. الشعار ليس موقفًا. الهوية ليست فعلًا. والشرعية ليست ميراثًا أبديًا.

فالشرعية الحقيقية هي تلك التي تستطيع أن تعبر لحظة الاختبار الأخلاقي وهي لا تزال قادرة على النظر إلى الناس في أعينهم. أما إذا سقط الفعل وبقي الشعار، فقد يبقى الشعار طويلًا في الخطاب الرسمي، لكنه لن يبقى بالضرورة في وجدان الشعوب؛ بل قد يتحول، مع تراكم الغضب وتآكل الثقة، من مصدر للشرعية إلى مصدر للنفور، وربما إلى الكراهية والاحتقار. وعندها لا يعود الشعار قادرًا على حماية الدولة، بل يصبح هو نفسه شاهدًا على المسافة التي اتسعت بينها وبين الناس.
-------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي


مقالات اخرى للكاتب

سقوط الشعار.. غزة واختبار الدول التي تتحدث باسم الإسلام