09 - 08 - 2026

الشرق الأوسط بين الأحلاف الجديدة وشبح الحرب الكبرى: هل بدأت ولادة نظام دولي جديد؟

الشرق الأوسط بين الأحلاف الجديدة وشبح الحرب الكبرى: هل بدأت ولادة نظام دولي جديد؟

لم يعد ممكناً النظر إلى التحركات العسكرية والسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط على أنها أحداث منفصلة أو ردود فعل ظرفية بل تبدو كقطع متكاملة في لوحة استراتيجية يجري رسمها بعناية عنوانها إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وربما إعادة هندسة النظام الدولي بأسره.

فالاتفاق الثلاثي للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مع فتح الباب أمام انضمام دول أخرى ليس مجرد تفاهم أمني تقليدي بل قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تتداخل فيها المصالح الإقليمية مع الصراع الدولي المحتدم بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والصين وروسيا وشركائهما من جهة أخرى.

السؤال المحوري ليس ماذا يعني هذا الاتفاق اليوم بل ماذا يمكن أن يصبح غداً؟

*هل الهدف الحقيقي هو إيران؟*

أحد أبرز السيناريوهات المطروحة يتمثل في أن هذا التحالف قد يوفر إطاراً سياسياً وعسكرياً يمكن الاستفادة منه في حال اندلاع مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

فإذا استخدمت واشنطن أراضي أو أجواء دولة حليفة في عمليات عسكرية ضد إيران ثم جاء الرد الإيراني على تلك الدولة فقد يُقدَّم ذلك باعتباره اعتداءً على عضو في تحالف دفاعي بما يخلق ظروفاً سياسية مختلفة عن المواجهات السابقة ولا يعني ذلك أن هذا السيناريو هو النتيجة الحتمية للاتفاق لكنه يبقى احتمالاً يستحق الدراسة في ضوء طبيعة التنافس الإقليمي والدولي.

أم أن المنطقة تتحرر من الوصاية الأمريكية؟

في المقابل، هناك قراءة معاكسة ترى أن الاتفاق قد يعكس رغبة قوى إقليمية في بناء منظومة أمنية مستقلة نسبياً عن المظلة الغربية خصوصاً إذا تطور ليضم دولاً إسلامية وآسيوية أخرى وتمنح مشاركة باكستان الاتفاق بعداً استراتيجياً إضافياً نظراً إلى مكانتها العسكرية وامتلاكها قدرات نووية وإن كان ذلك لا يعني وجود "*مظلة نووية*" مشتركة أو التزامات من هذا النوع إذا صح هذا المسار فقد يكون الشرق الأوسط أمام بداية انتقال من مرحلة الاعتماد على القوى الخارجية إلى مرحلة إنتاج توازنات إقليمية أكثر استقلالاً.

تركيا... الحلقة الأكثر تعقيداً

تبقى تركيا اللاعب الأكثر حساسية في هذا المشهد فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وفي الوقت نفسه تسعى إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن يؤدي أي اشتباك يطال تركيا نتيجة التزاماتها الإقليمية إلى توسيع دائرة الأزمة؟

الإجابة ليست بسيطة فآليات حلف الناتو تخضع لإجراءات وقرارات سياسية معقدة ولا يُفترض أن تنطبق تلقائياً على كل نزاع تخوضه دولة عضو خارج إطار الحلف ومع ذلك فإن وجود تركيا يمنح أي أزمة بعداً دولياً يصعب تجاهله.

ماذا ستفعل إيران؟

يصعب تصور أن تقف طهران مكتوفة الأيدي إذا شعرت بأن شبكة من الأحلاف تُبنى بهدف محاصرتها أو تقليص نفوذها

ومن المرجح أن تعمل على تعميق علاقاتها مع شركائها الإقليميين والدوليين وتعزيز التعاون مع روسيا والصين مع مواصلة تطوير أدوات الردع التقليدية وغير التقليدية ضمن حدود سياساتها المعلنة.

لكن يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تستطيع إيران المحافظة على علاقات متوازنة مع كل من تركيا وباكستان إذا دخلتا في منظومة أمنية جديدة؟ أم أن المصالح المشتركة ستمنع الانزلاق نحو مواجهة مباشرة؟

الصين وروسيا هل تسمحان بتغيير قواعد اللعبة؟

إذا كانت الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة بوصفها بوابة لتقييد النفوذ الإيراني فإن موسكو وبكين تنظران إليها بوصفها إحدى أهم ساحات التوازن الدولي

فإضعاف إيران لا ينعكس على طهران وحدها بل قد يؤثر في شبكة المصالح الروسية والصينية الممتدة من آسيا الوسطى إلى الخليج والبحر المتوسط

ومن هنا فإن أي تصعيد واسع قد يدفع القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب تحالفاتها بما يشبه من حيث المنطق اصطفافات الحرب الباردة وإن اختلفت الأدوات والظروف.

لبنان وسوريا... خطوط تماس مفتوحة

في قلب هذه المعادلة يقف لبنان حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على مساحة جغرافية صغيرة ما يجعله شديد التأثر بأي تحول في البيئة المحيطة

أما سوريا فما تزال تمثل عقدة استراتيجية تجمع ملفات الوجود العسكري الأجنبي والتنافس الإقليمي والممرات البرية والقضية الكردية والعلاقة مع العراق وتركيا وإيران.

وتبقى المسألة الكردية أحد أكثر الملفات قابلية لإعادة خلط الأوراق لأنها تمس الأمن القومي لعدة دول في آن واحد، وقد تتحول إلى عامل ضغط أو مساومة في أي ترتيبات مستقبلية.

فلسطين... القضية التي لا تغيب

رغم كثافة التحولات تبقى فلسطين المحور الذي تتقاطع عنده الحسابات الكبرى فاستمرار الحرب أو اتساعها ومسار التسويات أو تعثرها سيؤثران في شكل التحالفات وفي أولويات القوى الإقليمية والدولية.

البريكس... من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية

إذا استطاعت دول البريكس تحويل ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي فقد تصبح أحد أبرز أركان النظام الدولي الجديد. أما إذا بقي التعاون محصوراً في الاقتصاد فقد تظل الكلمة الفصل للأحلاف العسكرية التقليدية.

*خلاصة القول*

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرحلة قد تكون الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة فالتحالفات الجديدة قد تتحول إلى أدوات ردع تمنع الانفجار وقد تصبح إذا أسيء توظيفها شرارة مواجهة إقليمية واسعة

غير أن المؤكد هو أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة التموضع وأن السنوات المقبلة لن تشبه ما سبقها. فإما أن تنجح القوى الإقليمية في بناء منظومة توازن جديدة تقلل فرص الصدام وإما أن يتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى الساحة الرئيسية للصراع بين القوى الكبرى

وفي خضم هذا المشهد يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة: هل تُبنى الأحلاف لمنع الحروب، أم أن الحروب هي التي تفرض ولادة الأحلاف؟
---------------------------------
بقلم: يوسف أبو سامر موسى


مقالات اخرى للكاتب

3 جوائز جديدة جديدة للفيلم اللبناني