من ثوابت وفضائل السياسة الخارجية المصرية، أنها ترفض الإنخراط في أية أحلاف عسكرية، لأن كافة الأحلاف التي طرحت في المنطقة، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نشأت في الحضن الأمريكي، وتنشط لخدمة الاستراتيجيات الأمريكية، ولاعلاقة لها بمواثيق الجامعة العربية، وفي المقدمة إتفاقية الدفاع العربي المشترك، بل تكون على حساب العمل العربي المشترك، وخصما من دوره.
كما أن هذه الأحلاف العسكرية تؤدي بالضرورة إلى العداء مع قوى عالمية أخرى، ليس من العقل أو المنطق الصدام معها، لأن لها ولمصر مصالح مشتركة، بل والأهم من ذلك كله أن الاستراتيجية الأمريكية تصب جانبا كبيرا من حساباتها وقوتها في خدمة إسرائيل.
وهنا لا ننسى دور مصر الناصرية في رفض الإنضمام إلى حلف بغداد أو "حلف السنتو" في الخمسينيات، بل كان لمصر دور كبير في إسقاط هذا الحلف.
وهذا ما ينطبق الآن على الحلف الثلاثي الجديد، الذي تشكل بين السعودية وباكستان وتركيا، وتم الإعلان عنه رسميا أمس الجمعة، بحضور قادة الدول الثلاث.
ان الحلف الجديد هو حلف أمريكي بإمتياز، ودوله الثلاثة تدور بإخلاص في الفلك الأمريكي، حتى عندما حاولت بعض أطرافه، وهي تركيا التمرد، من خلال المناورة بصفقة الصواريخ الروسية "إس400"، إضطرت مجددا إلى العودة مع أول وعد بالحصول على طائرات "إف 35" الامريكية.
ان علاقات الدول تحكمها المصالح، أولا وأخيرا، مهما كان الإسم أو الدين أو اللغة أو الشعارات التي ترفعها هذه الدولة أو تلك. فكل الدول تتحدث وتتعامل بالمصالح...ولاتفهم سوى المصالح فقط....وهذا هو مايحرك الدول الثلاث في هذا الحلف الجديد، من واقع تاريخها مع الأحلاف العسكرية الأمريكية في المنطقة.
أولا-تركيا:
تركيا "الشقيقة المسلمة"، هي دولة مدمنة أحلافا عسكرية، حيث سبق لها الانضمام إلى حلف بغداد في فبراير 1955، وهي أيضا عضو رئيسي في حلف شمال الأطلسي منذ فبراير 1952، وتملك ثاني أكبر جيش فيه، وتستضيف مقر قيادة القوات البرية الأطلسية.
ومن ثم فتركيا ملتزمة باستراتيجية حلف شمال الأطلسي في المنطقة والعالم، وهو حلف يخدم الأهداف الأمريكية الأوروبية في المنطقة والعالم، ويتماشى في أهدافه أيضا مع المصالح الإسرائيلية.
فقد أرسلت دول هذا الحلف حاملات طائراتها وأساطيلها محملة بالعتاد العسكري إلى المنطقة، فور حدوث عملية "طوفان الأقصى"، من أجل حماية إسرائيل، وفي رسالة تهديد لدول الإقليم.
والمدهش أنه عندما اعتبر الحلف أن الإسلام هو العدو الجديد بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، خلال التسعينيات وما بعدها، وأطلق عليه إسم "العدو الأخضر"، ظلت تركيا ضمن الحلف، ولم تنسحب منه، ولذا فليس غريبا أن تنضم تركيا إلى الحلف الثلاثي الجديد.
تركيا اليوم، مثل تركيا الأمس، خادم مخلص للمصالح الأمريكية في المنطقة، فقد كانت ولاتزال صاحبة دور رئيسي في التحالف الأمريكي البريطاني الإسرائيلي الخليجي، الذي أنفق المليارات لنشر الفوضى والتقتيل في سوريا، لنقلها من الحضن الروسي الإيراني إلى الحضن الأمريكي الإسرائيلي.
وحظي هذا الدور التركي، الذي نجح بامتياز في سوريا، بثناء خاص من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مؤتمر صحفي مشترك بالمكتب البيضاوي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في سبتمبر 2025.
وهنا أيضا يجب ألا ننسى دور تركيا في إضعاف العراق وسوريا، اعتبارا من أوائل الثمانينيات، من خلال إنشاء سد أتاتورك، وحرمانهما من حقوقهما التاريخية في مياه نهري دجلة والفرات، وذلك وفق إستراتيجية أمريكية إسرائيلية تعرف بإسم "إستراتيجية شد الأطراف".
وتقضي هذه الإستراتيجية في جوهرها بإشغال الدول العربية، في صراعات حروب مع دول الجوار غير العربية، عبر اختلاق أزمات، كي لا تظل إسرائيل هي العدو الوحيد للدول العربية، وكي لا تتركز قوة العرب في الصراع مع إسرائيل.
وقد تبلورت "إستراتيجية شد الأطراف"، بعد انتصار أكتوبر 1973، ونجحت بالفعل في توظيف تركيا ضد العراق وضد سوريا، ونجحت مع إيران ضد دول الخليج، ومع إثيوبيا في استنساخ تجربة "سد أتاتورك" ضد مصر والسودان، ونجحت في إشعال الحرب من السنغال ضد موريتانيا في أبريل1989.
وتعد هذه الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية هي النقيض السياسي والإقتصادي والعسكري لـ"استراتيجية دول الطوق العربية"، التي استحدثتها مصر، وظلت تحكم معادلة الصراع العربي مع إسرائيل منذ عام 1948، وحتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد في مارس1979.
وهذا كله يؤكد أن تركيا، سواء كانت "أردوغانية" أو "أتاتوركية" تتحرك في سياستها الخارجية، وفق ثوابت لاتتغير بتغير الرؤساء أو الأحزاب، وذلك على الرغم من الصورة الذهنية "الإسلامية" التي تحاول تصديرها إلى حسني النية من العرب والمسلمين.
ثانيا- باكستان:
الحال مع باكستان "الشقيقة المسلمة"، فيما يتعلق بالاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، لايختلف كثيرا مع تركيا "الشقيقة المسلمة"، وذلك على الرغم من محاولة باكستان العمل على بناء علاقات طيبة مع الصين وروسيا، لكنها تظل وفية جدا... جدا لواشنطن، في الملفات التي لاتتصادم مع مصالح بكين وموسكو في آسيا.
فباكستان تأسست على يد بريطانيا "العظمى"، بالتزامن مع انسحابها من الهند، ليس حبا للإسلام والمسلمين، ولكن لأسباب تخدم أهداف بريطانيا والغرب في آسيا، بعد الرحيل عنها.
وقد ظلت باكستان جزءا من الاستراتيجية البريطانية، ثم تحولت إلى الاستراتيجية الأمريكية، بعد تراجع الدور البريطاني عالميا، وذلك من أجل البحث عن الحماية من الأطماع والتهديدات الهندية.
ومن أجل ذلك انضمت باكستان إلى حلف بغداد في سبتمبر 1955، ثم حرصت على أن تكون لاعبا رئيسيا، حاضرا على الدوام، لصالح الأمريكان ضد الاتحاد السوفيتي، العدو الأول للغرب.
وكان لباكستان دور فعال بالتعاون مع السعودية ومصر "السادات"، وبالتوافق مع الأمريكان، في حرب العشر سنوات ضد الاتحاد السوفيتي، عندما قام بغزو أفغانستان، في ديسمبر 1979، حتى انهزم وانسحب في فبراير 1989. وكانت هذه الحرب سببا في تفكك الاتحاد السوفيتي، وانفراد أمريكا بالمنطقة العربية والعالم.
ولهذا كافأ الأمريكان باكستان بتملك السلاح النووي، شرط ألا يهدد إسرائيل، بأي حال من الأحوال، وهو ما ظلت باكستان وفية ومخلصة له حتى الآن.
وعندما حاول البعض وصف "القنبلة النووية الباكستانية" بأنها "قنبلة إسلامية"، رفضت باكستان هذا الوصف، مؤكدة أنها "قنبلة باكستانية خالصة"، وهذا حقها، وذلك على الرغم من أن هذه القنبلة تم تمويلها بالكامل من المال العربي، والسعودي على وجه الخصوص.
ولم تتوقف باكستان أبدا عن إظهار التزامها وإخلاصها للإستراتيجية الأمريكية في آسيا، ولذا سارعت في فبراير الماضي بإفتعال أزمة مع أفغانستان، وقامت بشن عدوان عسكري متكرر عليها، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبة الولايات المتحدة في العودة إلى قاعدة "بإجرام" الجوية، التي انسحبت منها قهرا في أغسطس 2021، وذلك بهدف الضغط على أفغانستان للقبول بالمطلب الأمريكي أو بهدف تجديد الولاء للاستراتيجية الأمريكية.
يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بادر بطلب الوساطة من باكستان، لتكون الجسر الدبلوماسي الموثوق فيه أمريكيا نحو إيران، بحثا عن خروج مشرف من الحرب التي بدأها في فبراير الماضي، ولاتزال مستمرة، وهو ما فنح المجال أمام باكستان لتكون جزءا من الحلف الثلاثي الجديد الموجه في المقام الأول ضد إيران.
ثالثا- السعودية:
ليس في الحديث عن دور المملكة العربية السعودية، "الشقيقة المسلمة"، والتي تحتضن أرض الحرمين الشريفين، جديد كثير بشأن إلتزامها المخلص والوفي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والعالم، لأكثر من 80 عاما.
كانت البداية عندما وقع الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود "اتفاق كوينسي"، مع الرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت في فبراير 1945، على متن الطراد الامريكي"يو إس إس كوينسي" في منطقة البحيرات المرة فوق مياه قناة السويس.
وتأسس هذا الاتفاق على مبدأين رئيسيين، هما: "حماية السعودية مقابل الطاقة"، و"تمكين السعودية من دور قيادي في المنطقة"، طبعا بدعم ومساندة تخضع لمعايير الإستراتيجية الأمريكية.
ومنذ هذا التاريخ أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر المملكة العربية السعودية، دولة شرق أوسطية ذات أولوية إستراتيجية.
ومن واقع "اتفاق كوينسي" صارت المملكة "صديقا" ومنفذا وفيا للأهداف الأمريكية في المنطقة. وكانت مصر الناصرية هي الهدف الأول للطرفين، وقد أكد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي السابق، أن المملكة تعاونت مع أمريكا في هذا الإتجاه.
وتواصل التحالف، فأصبحت العلاقات السعودية الأمريكية وثيقة جدا، وانتقلت من الدائرة العربية إلى الدائرة الإسلامية، ليصبح المجال الدعوي الإسلامي هدفا مشتركا للطرفين.
فتم توظيف عوائد البترول، في نشر الفكر الوهابي، في العالم العربي والإسلامي، وبين الجاليات المسلمة أينما كانت، مما ساهم في تهميش الإسلام الوسطي المعتدل، الذي يقوده الأزهر الشريف.
وحققت المملكة نجاحا واسعا في نشر "الوهابية" مستعينة بالأدوات والقدرات الأمريكية، فتم تمويل وتقوية جماعات ارتبطت بهذا الفكر، وجرى التوسع في إنشاء مؤسسات دعوية تخدم الهدف ذاته.
وقد أقر الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، بهذا التعاون الدعوي، في أول زيارة له إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مارس 2018، خلال لقاء صحفي مع جريدة "الواشنطن بوست الأمريكية"، مؤكدا أن الهدف كان مشتركا، وهو مواجهة الاتحاد السوفييتي والفكر الشيوعي.
ولقد كان هذا الفكر الوهابي المتشدد وراء العديد من التوترات الدامية التي عانت منها دول متعددة في المنطقة والعالم، حتى أن السعودية نالها نصيب منه، فاستعانت بالخبرات الأمنية الأمريكية.
وعلى مدى عقود، لم تتحمس المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج لمحاولات مصر تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك منذ التوقيع عليها في يونيو 1950. وفضلت السعودية أن تستقدم قوات باكستانية للدفاع عنها.
وعندما طرحت مصر، قبل سنوات، تشكيل قوة عربية مشتركة، تصدت السعودية لهذا الإقتراح، وأفشلته، بل ودعت إلى تحالف عسكري للدول الإسلامية، ولكن لم تستجب أي دولة إسلامية لهذا المقترح.
لقد اعتادت المملكة السعودية ألا تتفاعل كثيرا مع العمل المشترك من خلال الجامعة العربية، إلا في حالات محدودة، لأنها كانت ولاتزال أكثر إرتياحا لدور منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، نظرا لنفوذها المؤثر فيهما.
ولمن يريد معرفة حقيقة دور السعودية مع مصر قبل حرب أكتوبر 1973، فليقرأ مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، وصاحب خطة المآذن العالية، التي حاربت بها مصر، طيب الله ثراه، ورحمة رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى. فقد أرسلت السعودية إلى مصر عدة طائرات عجزت عن الطيران لأسباب فنية، ولم تتمكن من القيام بأي مهمة عسكرية، فقررت مصر إعادتها إلى المملكة.
رابعا- مصر:
لم تكن مصر يوما من الدول التي طلبت الحماية العسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكن مصر يوما طرفا في أي تحالف عسكري رسمي أمريكي أو غير أمريكي، بل أن أمريكا هي التي احتاجت إلى مصر من أجل تحرير الكويت من الإحتلال العراقي في يناير1991.
ولقد حرصت مصر من الخمسينيات، وبالتحديد في ظل ثورة يوليو 1952، على النأي بنفسها عن كل الأحلاف العسكرية في المنطقة، بل وقابلتها برفض ومقاومة عنيدة، واستطاعت دفن حلف بغداد في مهده، فمصر ليس لها سوى عدو واحد هو إسرائيل.
ومن أجل إسرائيل استحدثت مصر "إستراتيجية دول الطوق"، وسعت إلى تنويع مصادر السلاح، وإلى تجميع الصف العربي تحت مظلة الجامعة العربية.
وهذا النهج لايزال من ثوابت السياسة المصرية، فبوصلة العداء لإسرائيل هي التي مازالت تحكم تحركات مصر في الإقليم وفي العالم.
وأمام هذه الثوابت المصرية، والمتغيرات التي تضرب المنطقة والعالم، فإن مصر لاتزال تتمسك برفض التحالفات العسكرية، البعيدة عن اتفاقية الدفاع العربي المشترك وميثاق الجامعة العربية.
ولهذا فإن مصر تقف حاليا في الجانب الصواب، عندما ترفض الإنضمام رسميا إلى التحالف الثلاثي الجديد "السعودي الباكستاني التركي"، فالأفضل من ذلك كله هو العمل تحت مظلة الجامعة العربية، حتى تكون الأدوات والأهداف عربية، وضمن استراتيجية عربية، وليس ضمن الاستراتيجية الأمريكية، التي تحتضر في المنطقة.
ولاشك ان التحالف الثلاثي يحظى بمباركة أمريكية، كي يتولى نيابة عنها ملف الأمن الخليجي، بعد فشل جولتي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، واعتبارا من فبراير 2026، وحتى الآن.
وللأسف فإن الامور، في ظل تشكل هذا التحالف الجديد، غير مأمونة أو مضمونة، فليس هناك مايمنع، وفق الخطط الامربكية، من الإنزلاق في حرب مذهبية داخل الإسلام، في قادم الأيام، خاصة وأن هدف التحالف هو مواجهة إيران.
ووسط هذا المتغير الذي ينشأ مع التحالف الثلاثي، فإن السؤال المهم الواجب طرحه بلا خجل، على أطرافه الثلاثة، ماهو موقفه من إسرائيل؟ وماهو من موقفه من خطط التوسع ومن الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية.
لقد حرصت مصر دوما على بناء علاقات طيبة مع جميع الدول العربية، فمصر الشعبية والرسمية تتميز بالتسامح الديني، ولا تعاني من أي عقد مذهبية، ومن ثم فلا مبرر للإنخراط الرسمي في حلف مذهبي.
وإذا كانت اتفاقية كامب ديفيد قد فرضت على الحكومة المصرية التزامات محددة، فإن الرفض الشعبي لهذه الاتفاقية منح الدولة المصرية قدرة عالية على المناورة وعلى رفع سقف المواجهة السياسية والدبلوماسية مع إسرائيل، كما حدث خلال عامي " طوفان الأقصى"، بل أن مصر واجهت اختراقات إسرائيل للاتفاقية، بمواقف فرضت فيها كامل سيادتها على تراب سيناء، وأسقطت عند اللزوم كل الحواجز المناطقية.
خامسا- مصر والتحالف الثلاثي:
ترتبط مصر منذ عقود بعلاقات طيبة مع الهند المعادية لباكستان، وترتبط بعلاقات قوية مماثلة مع اليونان وقبرص المعاديتين لتركيا. كما أن لمصر مصالح مع كل هذه الدول، وتحرص على التعاون مع كل هذه الأطراف بمرونة عالية ومصلحية كاملة.
ولذا فإن إنضمام مصر إلى التحالف "السعودي التركي الباكستاني"، سيؤثر بلا شك على علاقات مصر مع الهند، ومع اليونان وقبرص.
ومن غير المستبعد أن يتسبب ذلك في خسارة الرصيد الذي بنته مصر مع هذه الدول طوال عقود طويلة، بل أن هذه الدول، في حالة انضمام مصر إلى التحالف، سوف تبني سياسات خارجية مناهضة لمصر في مناطقها الجغرافية، وهو ماقد يفقد مصر أرصدة كثيرة لدى دول متعددة.
صحيح أن الهند أصبحت على صداقة قوية مع إسرائيل، لكن هذا لا يعبر عن توجه حقيقي للنخب ومؤسسات الدولة الهندية، لأن هذا التقارب مصدره الوحيد حزب "بهاراتيا جاناتا" وقائده ناريندرا مودي. فليست كل النخب والمؤسسات والأحزاب الهندية ترحب بالتقارب مع إسرائيل، بل تنتقده وترفضه.
ان التقارب بين نيودلهي وتل أبيب لم يغير - حتى الآن - من موقف الدولة الهندية تجاه ثوابت القضية الفلسطينية، التي التزمت بها الهند منذ حكم جواهر لال نهرو وأنديرا غاندي.
ولو أن مصر، وهي القوة الحقيقية الوحيدة الباقية في سلة القضية الفلسطينية، انضمت إلى التحالف الثلاثي "السعودي التركي الباكستاني"، فسوف تقدم لحزب "بهاراتيا جاناتا" كل مسوغات المضي في تعميق العلاقة مع إسرائيل، وتفتح الباب نفسه أمام بقية النخب والمؤسسات والأحزاب الهندية لسلوك نفس الاتجاه، وبذلك تخسر مصر وتخسر القضية الفلسطينية.
كما أن انضمام مصر إلى التحالف الثلاثي، وفيه تركيا المعادية لليونان وقبرص، لن يضيف إليها أي مكسب، بل على العكس سيفقد مصر الكثير، خاصة في مجال مصادر انتاج وتصدير الغاز الطبيعي.
لقد أبرمت مصر عقودا مع قبرص لربط حقلي "أفروديت"و"كرونوس" للغاز الطبيعي بالشبكة المصرية، من أجل إسالته وتصديره مستقبلا، وهو ما يجعل مصر المركز المحوري في سوق الغاز الطبيعي بالبحر المتوسط.
ما يخفى على كثيرين أن الصراع الحقيقي القادم على المنطقة، ليس هو الصراع الجاري حاليا ضد إيران فقط، ولكنه الصراع المفتوح على الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، ومصر من جانبها انتزعت مكانة إستراتيجية في هذا المجال، وصارت فعلا هي المقر الإقليمي لسوق الغاز الطبيعي.
ولقد حاولت تركيا، طوال العقود والسنوات الماضية، اختطاف هذه المكانة من مصر في مجال الغاز، فنفخت النار في ملف الإخوان، وتعاونت في تمرير الغاز الروسي إلى أوروبا، إلا أن مصر استطاعت محاصرة وتحجيم هذا الطموح التركي، فأبرمت تعاقدات مع إسرائيل (ولست هنا أبرر التعامل مع إسرائيل، ولكن أصف ماحدث)، ورسمت الحدود البحرية مع قبرص اليونان لتحديد حقوق كل دولة، وأسست" منتدى غاز شرق المتوسط" في يناير 2019.
وقد نجحت مصر في استبعاد تركيا من غاز شرق المتوسط على مدى السنوات الماضية، حتى أدركت تركيا أن خسائرها سوف تتوالى، فاضطرت مكرهة إلى مراجعة سياساتها، والتخلي الجزئي عن ورقة تنظيم الإخوان، لكن طموحها في مجال الغاز لايزال قائما، على الرغم من تراجع دورها المرتبط بتراجع دور الغاز الروسي في أوروبا.
لقد اضطرت تركيا إلى العمل على تصفير المشكلات التي صنعتها مع مصر، كي تؤسس علاقات طبيعية تقوم على المصالح.. المصالح فقط. فكل الشعارات الإسلامية التي رفعتها أنقرة سقطت وانفضحت.
كانت تركيا الأردوغانية طوال العام الأول من "طوفان الأقصى"، أو ربما لأكثر من ذلك، هي أكبر مورد لوجستيات إلى إسرائيل وجيشها، دون أن تكترث بجرائم إسرائيل في غزة من قتل وتدمير. وهذا ما فضحه ومات من أجله النائب البرلماني حسن بيتماز، عن حزب السعادة التركي، عندما هاجمته أزمة قلبية، خلال جلسة 12 ديسمبر 2023، وهو يتهم الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه، بأنهم متواطئون مع إسرائيل على قتل أهل غزة.
وقد استمرت السياسة الرسمية التركية في هذا النهج المتواطيء تجاه إسرائيل حتى عاقب الناخبون الأتراك "حزب العدالة والتنمية" الحاكم في الانتخابات البلدية التي جرت في مارس 2024. وهنا إضطر الرئيس رجب طيب أردوغان إلى رفع راية المناهضة لإسرائيل.
ان من حق مصر ألا تتورط في أي حلف عسكري، يبعدها عن البوصلة الاستراتيجية الحقيقية التي تحكم سياساتها في العالم والإقليم.
ولقد حرصت مصر منذ ثورة 30 يونيو، ورغم الرفض للكثير من السياسات الداخلية غير الرشيدة، على أن تتسم السياسة الخارجية بالمرونة والانفتاح على جميع دول العالم، في علاقات متوازنة، تستهدف المصالح العليا للدولة. فالتعاون الخارجي يتم في ملفات محددة يجري التوافق بشأنها، على خلاف ما كان متبعا في فترات سابقة، الكل أو لا شيء. فالعالم يتغير والمصالح تتقلب بشكل سريع.
وتحرص مصر، وهي تفعل ذلك، على تتجنب كل أشكال ومصادر التوتر والنزاعات العسكرية، التي تستجلب التورط. ولهذا فإن تعاون مصر مع دول التحالف الثلاثي قائم بشكل منفرد مع كل دولة في العديد من المجالات، لكن الإنضمام إلى التحالف رسميا، يعد كارثة بكل المعايير، ويهز أسس الثوابت الوطنية المصرية.
-----------------------------
بقلم: أحمد الكناني






