لم يعد الشرق الأوسط كما كان.. هذه ليست مبالغة إعلامية أو صحفية، ولا عنوانًا يبحث عن الإثارة، بل قراءة لمشهد إقليمي تتغير فيه موازين القوة أمام أعين الجميع.
السعودية وتركيا وباكستان تقترب من تشكيل مثلث استراتيجي ثقيل الوزن، يجمع بين المال والنفوذ السياسي، والتصنيع العسكري المتقدم، والقدرة على الردع الاستراتيجي. وإذا تحولت هذه الشراكة إلى منظومة دفاعية حقيقية وفاعلة، فإنها ستكون واحدة من أهم التحولات في المشهد الأمني الإقليمي خلال السنوات الأخيرة.
وشهدت مكة يوم أمس الجمعة توقيع اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية تجمع بين ثلاث من أبرز القوى الإقليمية: السعودية وتركيا وباكستان. ولا تبدو هذه الاتفاقية مجرد تحالف تقليدي أو خطوة بروتوكولية عابرة، بل تمثل تطورًا استراتيجيًا لافتًا في منظومة العلاقات الدفاعية بالمنطقة، خصوصًا أنها تأتي بعد أكثر من عام من المفاوضات والمباحثات المكثفة بين الأطراف الثلاثة.
كما يمكن النظر إلى الاتفاقية باعتبارها امتدادًا للتفاهمات الدفاعية التي سبق أن جمعت الرياض وإسلام آباد، ولا سيما اتفاق الدفاع الاستراتيجي بين البلدين، والذي يقوم على مبدأ أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الدولة الأخرى.
ومع دخول تركيا إلى هذا الإطار الثلاثي، تكتسب المعادلة أبعادًا أوسع، سواء على مستوى التعاون العسكري أو التنسيق الاستراتيجي والأمني، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكات الدفاعية في المنطقة.
تركيا تدخل المعادلة بجيش كبير وصناعة دفاعية أصبحت من أكثر القطاعات نموًا وتأثيرًا في المنطقة. الطائرات المسيّرة التركية لم تعد مجرد سلاح تجريبي، بل تحولت إلى منتج عسكري أثبت حضوره في ساحات صراع مختلفة، بينما تواصل أنقرة تطوير المقاتلات والصواريخ والسفن وأنظمة الدفاع.
ثم تأتي باكستان، الدولة الإسلامية النووية، التي تمتلك واحدًا من أهم عناصر الردع الاستراتيجي في العالم الإسلامي. إلى جانب ترسانتها النووية، تمتلك إسلام آباد جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية واسعة وشراكة دفاعية عميقة مع الصين، ما يمنحها وزنًا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم في معادلة إقليمية. أما السعودية، فهي «الخزينة» و«العقل السياسي» في هذا المثلث. قوة اقتصادية هائلة، ومكانة دينية لا ينافسها فيها أحد، ونفوذ متصاعد في ملفات الطاقة والاستثمار والسياسة الدولية.
لكن وسط هذه المعادلة كلها، يظل هناك اسم واحد يجعل الصورة أكثر اكتمالًا: مصر.
وهنا لا نتحدث عن دولة تبحث عن مقعد إضافي حول الطاولة. مصر تملك أحد أكبر الجيوش في المنطقة، وخبرة عسكرية ممتدة، وقدرات جوية وبحرية وبرية متنوعة، فضلًا عن موقع جغرافي يجعل أمنها مرتبطًا مباشرة بأمن البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس والمنطقة العربية بأكملها.
وجود مصر في أي منظومة دفاع إقليمية لن يكون مجرد زيادة في عدد الجنود والطائرات، وإنما إضافة لثقل عسكري وجغرافي وسياسي قادر على تغيير الحسابات.
والرسالة هنا ليست بالضرورة «نحن نستعد للحرب».
بل الرسالة الأكثر ذكاءً هي: لن تكون الحرب سهلة.
وهذه هي فلسفة الردع الحقيقية.
فالتحالف القوي لا ينجح عندما يستخدم قوته، وإنما عندما ينجح في إقناع خصومه بأن استخدام القوة ضده ستكون تكلفته باهظة. ومن هنا، فإن الحديث عن تشكيل منظومة أمنية تضم قوى مثل السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال مشاركة مصر مستقبلًا، يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره تحركًا عسكريًا. إنه جزء من سؤال أكبر: هل تستطيع دول المنطقة أن تنتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة صناعة المعادلة؟
إسرائيل، بطبيعة الحال، ستراقب أي تحول من هذا النوع بحسابات دقيقة، خصوصًا إذا تحول التعاون الدفاعي إلى تنسيق استراتيجي واسع. لكن اختزال المشهد في «كابوس لإسرائيل» وحدها لا يكفي، لأن القضية الأوسع هي قدرة دول المنطقة على حماية أمنها ومصالحها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
وفي وسط هذا التحول، قد تكون القاهرة هي قطعة الشطرنج التي لا تكتمل من دونها الرقعة.
السعودية وتركيا وباكستان تستطيع أن تصنع مثلثًا ثقيلًا. لكن إذا دخلت مصر إلى المعادلة؟ فقد يتحول المثلث إلى درع.. والدرع إلى معادلة ردع جديدة. والسؤال الآن ليس: هل تتغير المنطقة؟
السؤال الحقيقي هو: من سيكتب قواعد المنطقة الجديدة؟
---------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






