09 - 08 - 2026

الاتفاقيات الأمنية الإقليمية.. انعكاس لتحوّل موازين القوى لا استعراضٌ للقوة

الاتفاقيات الأمنية الإقليمية.. انعكاس لتحوّل موازين القوى لا استعراضٌ للقوة

تشير التطورات الأخيرة في المنطقة إلى أن البنية الأمنية لغرب آسيا تدخل مرحلةً جديدة، تسعى فيها العديد من الدول الإقليمية إلى بناء تحالفات جديدة بهدف خفض كلفة أمنها الوطني وتعزيز قدراتها على الردع الجماعي. وفي هذا السياق، يمكن فهم الاتفاق الأمني بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان (ميثاق مكة) وتحليله.

فلو كانت هذه الدول الثلاث ترى نفسها في موقعٍ مريح من حيث التفوق والاطمئنان الاستراتيجي، لما كانت بحاجة إلى إنشاء آلية للدفاع الجماعي. وتؤكد تجارب العلاقات الدولية أن التحالفات الأمنية تنشأ غالباً عندما تشعر الدول الأعضاء بأنها غير قادرة، منفردةً، على إدارة بيئتها الاستراتيجية، أو عندما تواجه تهديدات متزايدة تستدعي تنسيقاً أمنياً مشتركاً.

على مدى العقود الماضية، لم تكن مواقف هذه الدول متطابقة في جميع الملفات المرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنها تبنّت في بعض المحطات سياساتٍ اعتبرتها طهران متعارضة مع مصالحها الوطنية؛ بدءاً من دعم بعض دول المنطقة للنظام البعثي خلال الحرب المفروضة على إيران، مروراً بالتعاون الأمني مع الولايات المتحدة، ووصولاً إلى الخلافات بشأن عددٍ من الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة السورية.

واليوم، ومع التحولات التي طرأت على موازين القوى في المنطقة، وتعاظم القدرات الردعية الإيرانية، أصبحت الحسابات السابقة عرضةً لإعادة التقييم. فالواقع يؤكد أن أياً من دول المنطقة لا يستطيع بناء أمنٍ مستدام على أساس المواجهة الدائمة مع إيران.

فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، بحكم موقعها الجيوسياسي، وإمكاناتها الدفاعية، ودورها المحوري في معادلات الإقليم، تُعد لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوز تأثيره في صياغة الترتيبات الأمنية في غرب آسيا، بل وفي عددٍ من التوازنات الدولية كذلك.

ومن هذا المنطلق، فإن أمن المنطقة لا يتحقق عبر تشكيل تحالفات تقوم على هواجس متبادلة تجاه دولةٍ مجاورة، وإنما عبر الحوار، وبناء الثقة، وتعزيز التعاون الإقليمي. وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الاعتماد المفرط على الأحلاف الأمنية أو القوى الخارجية لم يؤدِّ إلى تحقيق أمنٍ مستدام، بل أسهم في كثير من الأحيان في تعميق حالة عدم الاستقرار.

إن مستقبل غرب آسيا مرهونٌ بقيام نظامٍ أمني إقليمي مستقل، يقوم على مبادئ التعايش، والاحترام المتبادل، والتعاون المشترك، بدلاً من سياسات الاحتواء والمواجهة. وفي هذا الإطار، فإن بناء علاقاتٍ بنّاءة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يكون أكثر قدرةً على ترسيخ الاستقرار والأمن الدائم في المنطقة من أي تحالفٍ ظرفي أو مؤقت.
--------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي ـ إيران

مقالات اخرى للكاتب

الاتفاقيات الأمنية الإقليمية.. انعكاس لتحوّل موازين القوى لا استعراضٌ للقوة