09 - 08 - 2026

مسرح العبث الدولي | عندما أطاحت فلسطين بأوهام النظام العالمي

مسرح العبث الدولي | عندما أطاحت فلسطين بأوهام النظام العالمي

العالم اليوم لم يعد بحاجة إلى براهين إضافية لإثبات عجز المنظومة الدولية حيث أصبحت المواجهة مباشرة مع حقيقة أكثر رعباً، "هذه المنظومة لم تفشل بالصدفة". لكنها تؤدي وظيفتها الهيكلية كما كُتبت لها في الأصل.

ما يشهده الميدان الفلسطيني ليس مجرد أزمة إنسانية طارئة أو نزاع جيو-سياسي عابر؛ بل هو "المختبر المفتوح" الذي جُرِّدت فيه الشعارات البراقة من زيفها ليظهر النظام العالمي على حقيقته الفارغة، هيكلاً محكوماً بشريعة القوة، ومفتقداً لأدنى مقومات المشروعية القانونية والأخلاقية.

في هذا المشهد تظهر لنا ازدواجية المعايير وضوح عقيدة سياسية راسخة للقوانين الدولية والمواثيق الأممية التي تُستدعى فوراً لشل حركة الخصوم وإشهار السلاح الأخلاقي في وجه المنافسين، هي ذاتها التي تتجمد وتتوارى عندما يتعلق الأمر بالحق الفلسطيني.

تتوقف شرايين التجارة وتُستنفر المؤسسات المالية وتُفرض العقوبات خلال دقائق معدودة لحماية سيادة بلد ينتمي إلى المركز الغربي بينما تتحول القرارات الدولية وأحكام محكمة العدل ومذكرات الجنايات الدولية إلى مجرد حبر يُمسح تحت وطأة الضغوط والتهديدات السياسية حين يتعلق الأمر بإبادة شعب على مرأى ومسمع من الشاشات.

تتجسد ذروة هذه الهزلية في مجلس الأمن، الهيئة التي قيل إنها أُنشئت لحماية السلم والأمن الدوليين صُممت بنيوياً لمنح المعتدي حصانة كاملة ما دام يحتمي بظل حليف يملك حق الرفض "الفيتو"، إن إفشال إرادة المجتمع الدولي ويظهر جليا أن تجميد دخول المساعدات لا يعني سوى شيء واحد أن الجاني ينصب نفسه قاضياً وأن النظام الذي يدعي حماية الإنسان ينظر إلى حق الفلسطيني في الحياة باعتباره استثناءً قابلاً للتفاوض أو بنداً هامشياً في جردة حسابات القوة.

لم تعد أدوات السيطرة في هذا العصر مقتصرة على القصف والميدان بل اشتبكت مع ترويكا الحداثة الفائقة المال، البيانات والتكنولوجيا.

يواجه الإنسان الفلسطيني اليوم آلة حرب متكاملة تُساندها خوارزميات المنصات العالمية التي تحجب الرواية الوطنية وتُكمم الأصوات المناهضة للهيمنة بينما تُسخر تقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الفائقة لتتبع الضحية وتجريدها من حق التعبير. إنه نموذج مكتمل للقهر الرقمي والاقتصادي حيث تتصل مصالح الشركات التكنولوجية بالمجمع الصناعي العسكري لتصفية القضايا العادلة عبر التجويع والتجهيل.

وعندما نصل إلى "الإنسانية الانتقائية" تصل السخرية إلى مداها.

لقد قسّم هذا النظام البشرية إلى درجات إنسان يُبكى عليه وتُفتح له الحدود وتُحرك من أجله المؤتمرات، وإنسان آخر يُطالب بأن يُثبت أدنى مقومات آدميته قبل أن يُسمح له بطلب الغوث. طوابير التجويع، وشاحنات الإغاثة المعطلة بقرار سياسي، والمستشفيات التي تُخرج عن الخدمة عمداً كلها شواهد حية على أن الدم الفلسطيني صُمم ليكون بلا سعر في بورصة المصالح والتحالفات الكبرى.

ويعد الدرس الأهم الذي يكتبه واقع اليوم هو أن هذه المنظومة قد فقدت صلاحيتها الأخلاقية والسياسية بالكامل، ما يجري من فشل طارئ هو نتاج طبيعي لنظام لم يُبْنَ يوماً ليحقق العدالة للضعفاء لكن ليضمن استمرار موازين القوى.

ومن هنا فإن أي حديث عن "سلام عادل" أو "نظام جديد" لن يصدر من أروقة الدبلوماسية المكبوتة لكنه سيتشكل من الحقيقة الصارخة التي كشفتها دماء المحاصرين ، الحرية لا تُمنح بقوانين الأقوياء ، لكنها تُنزع عبر تفكيك أركان هذا المسرح العبثي كلياً.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
--------------------------------

بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

مسرح العبث الدولي | عندما أطاحت فلسطين بأوهام النظام العالمي