09 - 08 - 2026

الوضع الفلسطيني بعد حرب غزة | أزمة سياسة أم أزمة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني؟

الوضع الفلسطيني بعد حرب غزة | أزمة سياسة أم أزمة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني؟

تستعد منطقة الشرق الأوسط لحدث سيكون له تأثير كبير على مستقبلها، الانتخابات الإسرائيلية، المزمع أن تُجرى يوم 27 أكتوبر القادم، والتي تأتي بعد من حرب غزة وتداعياتها، والتي تلقي هذه الحرب بظلالها على الانتخابات التي تتنافس فيها كتل تنتمي، أساساً، إلى أحزاب اليمين ويمين الوسط، مع استمرار غياب أحزاب اليسار ويسار الوسط، فيما تراود البعض آمال في أن تنشأ في إسرائيل قوة سياسية جديدة تحافظ على ما تبقى من الملامح الأساسية التي ميزت الدولة منذ تأسيسها، خاصة أن حكومة نتنياهو الأخيرة كشفت عن مخاطر تهدد الأسس التي قامت عليها الدولة لتدشين مرحلة جديدة في المشروع الصهيوني، الذي جرى تجديده بمكونات متشددة، وتخشى قوى سياسية عديدة في الوسطين اليهودي والعربي أن تتعرض الصيغة السياسية للتعايش لمخاطر غير مسبوقة في ضوء سلسلة من الحوادث التي تبرز التناقضات القائمة بين إسرائيل كتجسيد للفكرة الصهيونية والدولة اليهودية وبين العالم كله الذي استقرت فيه فكرة دولة المواطنة المدنية الديمقراطية. 

الخريطة السياسية الراهنة في إسرائيل تشير إلى أننا بصدد هوامش محدودة للتغيير المحتمل في السياسة الإسرائيلية الخارجية والداخلية، وأنه هذا الأمر قد يتغير بحدوث تحول في موقف فلسطينيي الداخل والوضع الفلسطيني العام في المناطق المحتلة، ينهي حالة الفراغ السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون والتي عمقتها تداعيات حرب غزة. فالحالة الفلسطينية الراهنة تعاني، ولأول مرة في تاريخ المشروع الوطني الفلسطيني من "فراغ سياسي" ومن "فراغ في مشروع المقاومة"، في نفس اللحظة، حسبما أشار كثير من المشاركين في حلقة نقاش نظمها صباح الخميس مركز "مسارات"، وهو مركز أبحاث فلسطيني في مقره في بلدة البيرة وعبر الزوم بمشاركات من غزة والضفة وأماكن أخرى خارج فلسطين، لمناقشة مسودة دراسة أعدها باحثون في المركز عن معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني. 

ما أريد أن أطرحه في هذا المقال يمس موضوعًا لا يُذكر، عادة، في النقاش العام الخاص بالانتخابات الإسرائيلية، يتعلق بقابلية الوضع السياسي في إسرائيل للتأثر بالتطورات السياسية على الساحة الفلسطينية، ليس فقط في الوسط العربي الفلسطيني في الداخل، وإنما أيضا بالوضع السياسي الفلسطيني في المناطق المحتلة، وربما بالتطورات السياسية في بلدان أخرى في المنطقة، على خلفية الحروب التي لم تتوقف والمرشحة لأن تتسع أو على الأقل أن تستمر لفترة، ولا أقصد فقط حدوث تطورات إيجابية في هذا الوضع، فهناك تأثير حتى للوضع الفلسطيني المأزوم، فالفراغ له أيضًا تأثير ومن الممكن أن يؤدي إلى تحركات قد تؤدي إلى تغييرات بعيدة المدى. ومن ثم، قد يكون تناول الوضع السياسي الفلسطيني وتغير الخريطة السياسية الفلسطينية بعد حرب غزة، تمهيد ضروري لفهم ما قد يحدث في الانتخابات الإسرائيلية المزمعة وما قد يترتب على نتائجها. ويُعد فلسطينيو الداخل حلقة وصل أساسية، على الرغم من الانقسام الفعلي بين فلسطيني الداخل وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وغلى الرغم من المشكلات والأزمات التي يعانون منها.

الإطار المؤسسي للهوية الفلسطينية 

إن وجود أقلية فلسطينية كبيرة نسبياً، ومؤثرة سياسيًا واجتماعياً داخل إسرائيل، أمر يدرك خطورته جيدًا التيار اليميني الأكثر تشددًا في إسرائيل. فوجود هذه الأقلية التي تتمتع بحقوق سياسية ومدنية نتيجة للتطور السياسي على مدى العقود الخمسة الأخيرة، رغم مظاهر التمييز ضدهم، ينفي الزعم بأن إسرائيل دولة "يهودية"، أو دولة "لليهود". ومن الواضح أن محاولة الأحزاب الصهيونية والدينية في إسرائيل للتغلب على هذا الأمر، من خلال قانون يهودية الدولة، لن يغير من هذه الحقيقة، رغم حصول هذا القانون على أغلبية في الكنيست الإسرائيلي في 19 يوليو 2018، وصوتت له القائمة العربية الموحدة التي يتزعمها منصور عباس وتسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في الجنوب، فيما رفضه الدروز، الذين يشكلون مكونا أساسيا من مكونات المجتمع والدولة في الداخل، كما رفضته أغلبية فلسطينيي الداخل. فهذا القانون الذي يعني فرض السيادة اليهودية على الدولة ومكوناتها، لا ينفي حقيقة أن إسرائيل دولة ثنائية القومية، الأمر الذي يدفع غلاة الصهاينة إلى توسيع سياسة الترحيل والتهجير التي يطبقونها لتشمل فلسطيني الداخل وكل من يحمل الجنسية الإسرائيلية من غير اليهود، عبر سياسات التضييق والحصار للأقلية الفلسطينية، والانتقال إلى سياسات تنذر بتأسيس نظام للفصل العنصري شبيه بنظام الفصل العنصري الكريه في جنوب القارة الأفريقية، والذي تحالف العالم للقضاء عليه. 

على الرغم من أن هجوم السابع من أكتوبر 2023، وضع هذه الأقلية في وضع صعب لإثبات ولاءهم للدولة في مواجهة حماس والفصائل الفلسطينية التي نفذت الهجوم، وإظهار رفضهم ومعارضتهم لما أقدمت عليه تلك الفصائل الفلسطينية، لاسيما أن الهجوم استهدف فلسطينيين من الداخل أيضا، إلا أن ذلك لم ينف حقيقة أن فلسطيني الداخل هم جزء من مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، وأنهم في طليعة مواجهة المشروع الصهيوني سياسيًا، على الأقل لكونهم التجسيد العملي للصمود الفلسطيني على الأرض، وللنضال من أجل الحقوق السياسية والقومية للفلسطينيين. ولم يغفل المشروع الوطني الفلسطيني الذي صاغته حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية عن هذه الحقيقة، فمد جسور التواصل مع المكونات السياسية والاجتماعية والفكرية لفلسطيني الداخل وحرص على دعم صمودهم وتمكينهم سياسيا واجتماعيا. واستفاد فلسطينيو الداخل، رغم مظاهر التمييز والسياسات العنصرية، من الفرص التي أتاحتها الصيغة السياسية في إسرائيل، ومن تطور وضعهم من سكان خاضعين للاحتلال العسكري إلى مواطنين يكتسبون حقوقا سياسية واجتماعية مكنتهم من لعب دور مؤثر في الداخل، وخصوصا في البلدات والمدن التي تسكنها أغلبية عربية في المثلث والجليل في الشمال وفي النقب في الجنوب. 

إذا كانت السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تتمحور حول فكرة تصفية الهوية الوطنية الفلسطينية، فإن النجاح الأساسي الذي حققته منظمة التحرير الفلسطينية يتمثل في أنها أصبحت الإطار المؤسسي لتلك الهوية الوطنية، ولعبت حركة فتح بوصفها التيار الفلسطيني الرئيسي في صياغة هوية وطنية جامعة للفلسطينيين. وعليه، فإن رفض منظمة التحرير الفلسطينية يعني رفض الإطار المؤسسي للهوية الوطنية الفلسطينية، والتي تعد ركيزة أساسية لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني. تجدر الإشارة هنا إلى أن التركيز على مسألة الانقسام بين فتح وحماس، ينطوي على تجاهل لمسألة الهوية الوطنية والتي تبلورت كاستجابة للتحدي المزدوج الذي واجهه الفلسطينيون بعد حرب عام 1948. لم يواجه الفلسطينيون حركة صهيونية تنكر وجودهم السياسي والقانوني المستقل وتنكر وجود هوية وطنية فلسطينية، فقط، بل واجهوا أيضًا إنكار التيار القومي العربي لهذه الهوية المستقلة، على أساس أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية، ونتيجة لذلك ما كان يمكن للحركة الوطنية الفلسطينية أن تتبلور إلا في عام 1969، أي بعد عامين هزيمة التيار القومي العربي في حرب عام 1967، لكن سرعان ما واجهت تحديا آخر من التيار الإسلامي الذي ينظر إلى القضية الفلسطينية كقضية إسلامية. 

لم تترتب أي نتائج عملية على مثل هذه الادعاءات القومية أو الإسلامية، بل فرضت وصاية على الفلسطينية ورهنت القضية الفلسطينية بانقسامات أخرى خارجية، وأدت إلى انقسامات داخلية قادت إلى الوضع الراهن حيث يواجه الشعب الفلسطيني تحديًا وجوديًا، لخصته الدراسة المشار إليها في تذويب وجود الشعب الفلسطيني ككتلة عضوية متماسكة، وإنهاء تمثيله السياسي المستقل، وتصفية كياناته الاجتماعية، وتحطيم "الوطنية الفلسطينية" برمتها، سواء من خلال سياسة الإبادة الجماعية والتهجير في قطاع غزة، أو من خلال سياسات التهويد الشامل والبنيوي للجغرافيا الفلسطينية، في الضفة الغربية والقدس، وضم معظم مساحتهما، وحشر الوجود الفلسطيني في معازل محكمة الإغلاق، فيما يواجه فلسطينيو الداخل اندفاعة غير مسبوقة لتهميشهم سياسيًا وحرمانهم من أي وجود مؤثر في الكنيست، على غرار ما حدث في انتخابات 2022، التي مكنت بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومته الائتلافية الأكثر تطرفًا، علاوة على الانقسامات العشائرية وما يتعرضون له من قتل وتصفية جسدية على يد عصابات الجريمة المنظمة المتفشية، التي لا تواجه بحسم من قبل الدولة ومؤسساتها. 

رأب الانقسام الفلسطيني واستعادة المبادرة 

القضية الفلسطينية الآن في مفترق طرق تاريخي، ولم تقدم القوى التي دأبت على إدانة ورفض اتفاقيات أوسلو وأداء السلطة الفلسطينية بديلًا عمليًا وتقلصت هوامش المناورة أمام مشروع المقاومة المسلحة الذي اكتسب زخما في أعقاب فشل مفاوضات حول بنود الحل النهائي في عام 2000، نظراً للفجوة الكبيرة بين الحد الأقصى الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل مقابل التسوية في ملفات القدس واللاجئين والحدود، وبين الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون، وأيضًا بسبب تغييب أي مرجعية أخرى لتسوية القضية غير مرجعية المفاوضات التي تجري في ظل اختلال شديد في موازين القوة بين إسرائيل والفلسطينيين، وتعثرت هذه المفاوضات نتيجة لصعود المواقف الراديكالية الأكثر تشددا لدى الجانبين على خلفية "انتفاضة الأقصى" التي اندلعت في عام 2000، وأدى ذلك إلى تقليص هامش المناورة السياسية فلسطينيًا، خصوصًا بعد انتخابات عام 2005 وما أعقبها من انقسام بين السلطة الفلسطينية في رام الله وبين سلطة حماس في قطاع غزة، لاسيما بعد انقلاب حماس على السلطة في عام 2007. 

باءت كل المحاولات لرأب الانقسام الفلسطيني بالفشل، بسبب جولات التفاوض بين السلطة وحماس التي جرت بوساطة مصرية أو قطرية، بسبب هيكلة تلك المفاوضات التي تجاهلت فكرة الهوية الوطنية الفلسطينية التي تبلورت من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، وجرى تصوير المفاوضات على أنها تجري بين فصيلين سياسيين، وليس بين مشروعين للتحرر الوطني الفلسطيني والتركيز على كيفية المزاوجة بينهما. وزادت الانقسامات فيما بين القوى الإقليمية من حدة الانقسام الفلسطيني، لكن الأخطر أن هذا الانقسام بدأ يمس فكرة الهوية الوطنية الفلسطينية واستقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وتعرضت القضية الفلسطينية لأشكال جديدة من الوصاية الخارجية ومن المزايدات، من قبل فصائل وقوى سياسية فلسطينية في الداخل ومن قبل قوى إقليمية تسعى لتوظيف القضية الفلسطينية لخدمة طموحاتها الإقليمية. ولم تؤثر التحديات المتزايدة الناجمة عن التحولات في البيئة الإقليمية والدولية على مواقف القوتين الرئيستين على الساحة الفلسطينية، ولم يؤد إلى وضع تصور مشترك لكيفية التعامل مع تلك التحديات، أو لوقف التدهور في الوضع الفلسطيني. بل لم يتم الانتباه حتى لما تسعي إليه السياسة الإسرائيلية، خصوصا فيما يخص سياسة "الإبادة السياسية" التي انتهجتها حكومة الليكود بزعامة أرئيل شارون، والتي كانت مقدمة لسياسات الإبادة العرقية اللاحقة.

كان من الأولى أن تتركز المفاوضات بين السلطة وحماس على تجسير الفجوة بين مشروعي التحرر الوطني الفلسطيني ووضع استراتيجية تزاوج بين المقاومة المسلحة والنضال السياسي من أجل التغيير، يبدأ بالحفاظ على ما تحقق من مكاسب محدودة، في مقدمتها الاعتراف بالإطار المؤسسي للهوية الوطنية الفلسطينية ومشروع الدولة الفلسطينية الذي وضعت بذرته في أوسلو، ولأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية، والاستفادة من الأوراق القليلة المتاحة للفلسطينيين بدلًا من التناحر على تقاسمها، والصراع على تقاسم سلطة لم تُستكمل بعد، بالانتخابات تارة وبالقوة المسلحة تارة أخرى. وعلى الرغم من التدهور الشديد في الوضع الفلسطيني نتيجة لحرب غزة وما ترتب عليها من تداعيات، لاسيما فيما يخص المقاومة المسلحة في ضوء التسوية الراهنة المطروحة بخصوص مستقبل غزة، إلا أن هناك فرصة سانحة أمام الفلسطينيين لاستعادة زمام المبادرة، لكن الأمر يستدعي تغيير الأفكار، وطرح مشروع سياسي جديد يستجيب للتحديات، لكن يجب الانتباه إلى أن موقف فلسطيني الداخل في انتخابات أكتوبر هو نقطة الانطلاق لمشروع سياسي لاستعادة الفاعلية السياسية الفلسطينية، وتشكل تيارات جديدة يمكن أن تسهم في إحداث التغيير المنشود.

هناك من يرى أن الحل يكمن في بروز تيار ثالث غير فتح وحماس، انطلاقًا من فكرة فشل مشروع أوسلو الذي تدافع عنه فتح، وفشل مشروع المقاومة المسلحة الذي قادته حماس انطلاقا من قطاع غزة، والعمل على تمكين هذا التيار الثالث من خلال الانتخابات. في تقديري، أن هذا التصور لا يتناسب مع المرحلة الراهنة للقضية الفلسطينية، وهي مرحلة التحرر الوطني التي تمتلك نقاط قوة على الأرض بالرغم من التدهور الشديد في موازين القوة الذي يغري إسرائيل بالمضي قدمًا لفرض واقع جديد فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا، وحان الوقت لوجود استراتيجية فلسطينية للتحرر تؤسس على فكرة المشروع الذي يتحقق على مراحل وفق خطة منهجية وخطوات مدروسة. التيار الفلسطيني المنشود الآن، والذي يجب أن تسخر له كل القوى المؤمنة بالسلام العادل والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وبالتعايش في إطار دول ديمقراطية تعلي من شأن المواطنين، هو التيار السياسي القادر على وضع هذه الاستراتيجية والقادرة على تنفيذها.

نحو استراتيجية بديلة

يمكن التفكير في بعض النقاط التي تبنى عليها هذه الاستراتيجية. أولى هذه النقاط هي التركيز على السياسة بوصفها مشروع للتغيير، لا تنحصر مهمتها فقط في تمثيل القوى الاجتماعية والتيارات الأيديولوجية أو تنظيم الصراع أو التنافس فيما بين تلك القوى رغم أهمية ذلك، وإنما تتوسع لترتيب أولويات العمل الوطني الفلسطيني التي تتصدرها أولوية وقف التدهور الراهن ووضع الأسس لاستعادة زمام المبادرة، وتأكيد استقلالية القرار الوطني الفلسطيني وتحريره من أي وصاية خارجية. وإذا كانت السياسة تعرف بأنها فن الممكن، فإن المشروع السياسي المطروح يجب أن ينطلق من الواقع ومعطياته، وأن يبتعد بقدر الإمكان عن أي تصورات أيديولوجية أو طموحات أو أحلام مهما يكن الإيمان بمشروعيتها. اللبنة الأولى في هذا الصدد هي الحفاظ على تجربة الصمود الفلسطيني في الداخل وما استتبعها من شروط لتجربة التعايش الفلسطيني اليهودي على الأرض والدروس المستفادة من هذه التجربة. 

أول هذه الدروس يتعلق بالكيفية التي تطور بها الوضع السياسي والاجتماعي لفلسطيني الداخل من خلال صيغ سياسية تأسست على فكرة النضال من خلال الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ودمج الفلسطينيين في هذا المشروع، ثم الانتقال إلى القوائم العربية اليهودية المشتركة، وصولا إلى القوائم العربية الخالصة مع بروز أحزاب سياسية عربية. في سياق هذه العملية برز فلسطينيو الداخل كقوة مؤثرة في الانتخابات من خلال التصويت، إلى الحد الذي دفع بعض الأحزاب الصهيونية، بما في ذلك حزب الليكود إلى التودد إلى الناخبين العرب ووضع مرشحين عرب في قوائمهم الانتخابية. اللحظة الراهنة قد تستدعي التفكير في بناء قائمة عربية يهودية مشتركة لخوض انتخابات الكنيست إلى جانب القوائم العربية والعمل على حشد الناخبين العرب للتوجه إلى صناديق الاقتراع، لأن في ذلك الحل للمشكلات، بدءا من المخصصات للمناطق العربية في الميزانية، ومواجهة الجريمة المنظمة إلى التأثير في تشكيل حكومة ائتلافية أقل يمينية وأقل عدوانية تجاه الفلسطينيين.

الدرس الثاني يتمحور حول أساليب المقاومة اللاعنفية وأساليبها. هناك تراث طويل وممتد لفلسطيني الداخل في تطوير استراتيجيات للمقاومة والتغيير بوسائل سياسية وسلمية، نظرا لعدم مشروعية العنف في العمل السياسي داخل الدولة، مهما تكن المبررات والإغراءات للجوء إلى العنف. لقد انتبه التفكير الاستراتيجي الفلسطيني لهذه المسألة في مطلع ثمانينات القرن الماضي في تجربة المركز الفلسطيني للدراسات الذي أسسه الأكاديمي الفلسطيني مبارك عواد في القدس في عام 1983، والذي مهد نشاطه الفكري وفعالياته لانتفاضة أطفال الحجارة في ديسمبر عام 1987. إن التأثير الذي أحدثته هذه الانتفاضة يفوق كثيرًا تأثير الكفاح الفلسطيني المسلح. وتقدم نظريات المقاومة غير العنيفة مخزونا من الخبرات والأدوات التي يمكن للنضال الفلسطيني أن يستفيد منها في ظل الوضع الراهن. 

ثالث هذه الدروس مستمد من تحليل مسار الصراع اليهودي الفلسطيني الممتد والذي يعود إلى نهايات القرن التاسع عشر، والذي يكشف عن قوة النهج التدرجي لفكرة المشروع. تشير الدراسات إلى وضع أسس وركائز الدولة وتثبيتها على الأرض قبل عقود من خطوات الإعلان عن الدولة مع وعد بلفور في عام 1917، ثم قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1947، ثم حرب 1948 وإعلان قيام الدولة والقبول بخطوط الهدنة في اتفاقية رودس في عام 1949. هذا النهج التدرجي أثبت فعاليته وقدرته على إحداث التغيير في مواجهة نهج مطالب الحد الأقصى الذي كانت تطالب بها التيارات الراديكالية في الحركة الصهيونية. ويمكن للسلطة الفلسطينية أن تسعى لوضع أسس لمؤسسات فلسطينية تقدم نموذجًا مغايرًا في ممارسة الحكم وفي تمكين المواطنين بالرغم من واقع الاحتلال مع العمل على تكثيف الضغط على إسرائيل من أجل التوصل إلى تسوية أخرى ممكنة والاستناد إلى مرجعية الأمم المتحدة والقانون الدولي، لدعم الموقف التفاوضي الفلسطيني.  

النقطة الثانية، تتعلق بمسألة تدني أسقف ما يمكن تحقيقه فلسطينيا والهوامش المحدودة للتحرك داخليا وإقليميا، والتي قد يعوضها توسع هوامش المناورة على الصعيد العالمي، من تنامي حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني وقضيته وتزايد الضغوط على إسرائيل وقادتها بسبب سياساتهم. صحيح أن حركة التضامن هذه حركة شعبية بالأساس وليس لها تأثير كبير على سياسات الحكومات، لكن من المتوقع أن يزداد تأثيرها في السنوات القادمة، حتى في الولايات المتحدة التي تحكمها الآن إدارة هي الأكثر دعما لسياسات اليمين الإسرائيلي، والتي تخلت عن كثير من الثوابت التي حكمت السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية على مدى عقود. غير أن انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي وتزايد الأصوات المنتقدة للسياسة الإسرائيلية في إدارة الرئيس دونالد ترامب.

النقطة الثالثة، تتمثل في مشروع لإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية للحد من مظاهر الفساد وترشيد القرارات بما يخدم أولويات العمل الوطني الفلسطيني في مرحلة ما بعد حرب غزة، التي لم تتوقف بعد، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، إذ تواصل إسرائيل هذه الحرب، دون سقف، بزعم أنها ستواصل سياساتها الأمنية والعسكرية، والتي تعني إعادة احتلال القطاع فعليا، إلى يتحقق نزع سلاح حماس وتفكيك البنية التحتية للفصائل الفلسطينية المسلحة، وتصعيد سياساتها في الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات اليهودية وسياسات القمع التي يمارسها جيش الاحتلال هناك. خطة الإصلاح هذه يفضل أن تكون بمبادرة من القيادة الفلسطينية الحالية كبادرة على الرغبة في إحداث تغيير لصالح مشروع بناء الدولة والتحرر الوطني الفلسطيني. 

من شأن هذه المبادرة أن تحول الأزمة التي تمر بها القضية الفلسطينية بسبب الحرب والتغيرات في البيئة الإقليمية والتحولات في السياسة الإسرائيلية إلى فرصة لاستعادة زمام المبادرة والدفاع عن استقلالية القرار الفلسطيني واستثمار التحول في الرأي العام العالمي الذي وقع لشهور تحت تأثير الدعاية الإسرائيلية التي وظفت هجوم السابع من أكتوبر لتنفيذ خطتها لتصفية القضية تمهيدا لتصفية الوجود الفلسطيني. الاستراتيجية الفلسطينية لمواجهة ذلك تقوم على فكرة دعم الصمود الفلسطيني على الأرض وتعزيزه، والاستفادة من التأثير الإيجابي لهجوم السابع من أكتوبر والمتمثل في تذكير العالم بأن القضية الفلسطينية هي قضية شعب يناضل من أجل البقاء ويتطلع إلى الاستقلال. هذه الاستراتيجية هي أقل ما يمكن تقديمه كي يكون للتضحيات التي قدمها ولا يزال يقدمها الفلسطينيون في غزة وفي الضفة الغربية والقدس.  
----------------------------------
بقلم: أشرف راضي


مقالات اخرى للكاتب

الوضع الفلسطيني بعد حرب غزة | أزمة سياسة أم أزمة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني؟