08 - 08 - 2026

لماذا الآن؟ ماذا تكشف رسائل التحذير من الفوضى؟

لماذا الآن؟ ماذا تكشف رسائل التحذير من الفوضى؟

في السياسة لا تكون أهمية التصريحات فيما تقوله فقط، وإنما فيما يكشفه توقيتها أيضًا. فحين تصدر رسالة تحذير بهذا الوضوح من إعلامي ونائب برلماني يُنظر إليه باعتباره قريبًا من دوائر صنع القرار، فإن توقيتها يصبح جزءًا من مضمونها، واستحضار شبح الفوضى في هذا التوقيت لا يبدو تفصيلًا عابرًا، وإنما رسالة تستحق التوقف عندها.

لا تلجأ السلطات عادة إلى خطاب التخويف أو رسائل التحذير إلا عندما تشعر بأن هناك ما يستدعيه، أو عندما ترى أن المجتمع يمر بمرحلة من الضيق والاحتقان تجعل من الضروري توجيه رسائل استباقية. ومن هنا، لا تبدو تصريحات الإعلامي مصطفى بكري مجرد تعليق على الأوضاع، بقدر ما تبدو تعبيرًا عن رؤية سياسية وأمنية تحاول قراءة المزاج العام، وفي الوقت نفسه التأثير فيه.

ينبه بكري ويحذر من وجود محاولات لاستغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة لدفع المواطنين إلى الاحتجاج، ويربط أي حراك محتمل بإعادة إنتاج سيناريو الفوضى الذي أعقب 25 يناير، متحدثًا عن طيف واسع من القوى والتيارات التي قال إنها تتحين الفرصة لإشعال الأوضاع، ومؤكدًا أن ما جرى عام 2011 يجب ألا يتكرر مهما بلغت معاناة الناس.

السؤال الأهم هنا هو: إذا كانت السلطة تدرك حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطنون، فلماذا يتركز الخطاب على التحذير من نتائج الغضب أكثر مما يركز على معالجة أسبابه؟

ثم هل يكفي استدعاء ذاكرة الفوضى وحدها لضمان الاستقرار في ظل أزمة معيشية مستمرة، ومجال عام يكاد يخلو من قنوات التعبير السياسي والإعلامي القادرة على استيعاب الاحتقان قبل أن يتحول إلى انفجار؟

ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه التصريحات أنها تتضمن اعترافًا ضمنيًا بحقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن المواطنين يعيشون أوضاعًا اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة. فالمتحدث لم ينفِ معاناة الناس، بل أقر بها صراحة، وتحدث عن الغلاء، واتساع الفوارق الاجتماعية، ووجود قرارات ومظاهر تثير غضب المواطنين. 

وهذا يعني أن السلطة، أو على الأقل من يعبرون عن رؤيتها، يدركون أن البيئة التي تُنتج الاحتقان الشعبي قائمة بالفعل.

لكن الاعتراف بالأزمة لم يقترن بحديث موازٍ عن سبل الخروج منها، وإنما اقترن بالتحذير من استغلالها. 

وهنا ينتقل الخطاب من معالجة الأسباب إلى التركيز على النتائج، ومن البحث في جذور الغضب إلى التخويف من التعبير عنه، وكأن المشكلة ليست في الأزمة ذاتها، بل في رد فعل المجتمع عليها.

ومن اللافت أيضًا أن قائمة الأطراف التي قيل إنها تتربص بالبلاد جاءت شديدة الاتساع؛ إذ ضمت جماعات الإسلام السياسي، وبعض التيارات السلفية، ومنظمات مجتمع مدني، وإعلاميين، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، ولجانًا إلكترونية، ورجال أعمال، وحتى بعض المحسوبين على النظام السابق. 

هذه القائمة المتباينة لا يجمعها مشروع سياسي واحد ولا مرجعية واحدة، وهو ما يجعل المقصود منها أقرب إلى توسيع دائرة الاشتباه، بحيث يصبح أي حراك اجتماعي أو سياسي، مهما اختلفت دوافعه، قابلًا للتفسير باعتباره جزءًا من مؤامرة تستهدف الدولة.

غير أن هذه التحذيرات تؤكد كما قلنا إن السلطة تدرك حجم الضيق الاقتصادي والاجتماعي، وتخشى من استغلاله لإشعال الشارع، والسؤال المنطقي: فلماذا لا تفتح في المقابل مسارات سياسية وإعلامية وقانونية تسمح بتصريف هذا الاحتقان بصورة سلمية ومنظمة؟

المجتمعات لا تستقر لأنها تخلو من الأزمات، وإنما لأنها تمتلك مؤسسات قادرة على استيعابها وامتصاص آثارها. فالأحزاب السياسية، والنقابات، والإعلام المهني، والبرلمانات الفاعلة، ومنظمات المجتمع المدني، ليست عبئًا على الدولة، بل هي صمامات أمان تنقل الغضب من الشارع إلى السياسة، وتحول الاحتجاج إلى حوار، والاختلاف إلى منافسة سلمية داخل إطار الدولة والقانون.

أما حين تضيق هذه المساحات أو تغيب، فإن الاحتقان لا يختفي، وإنما يفقد قنواته الطبيعية للتعبير.

الغضب الذي لا يجد حزبًا يتحدث باسمه، ولا إعلامًا ينقل صوته، ولا برلمانًا يناقش قضاياه، يظل يتراكم في صمت، حتى يصبح المجتمع أشبه بمرجل ترتفع درجة حرارته تدريجيًا، بينما تبدو السكينة على سطحه خادعة أكثر منها مطمئنة.

لا أحد ينكر أن هناك دائمًا أطرافًا قد تحاول استغلال الغضب الشعبي، فهذا احتمال تعرفه كل الدول، خاصة تلك التي تعصف بها الأزمات. لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: كيف يمكن منع استغلال هذا الغضب إذا كانت القنوات الشرعية القادرة على استيعابه محدودة أو مغلقة؟

فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا طويلًا، بل سرعان ما تتسلل إليه قوى أكثر تنظيمًا، أو أكثر تطرفًا، أو أكثر قدرة على استثمار الإحباط واليأس.

وهكذا يتحول الخطاب من البحث في علاج الأزمة إلى إدارة آثارها، ومن مواجهة أسباب الاحتقان إلى الاكتفاء بالتحذير من نتائجه.

والقاعدة أن إدارة النتائج لا تغني عن معالجة الأسباب. فالخبرة تؤكد أن الأمن يستطيع أن يؤجل الفوضى، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق الرضا، كما تشير السوابق إلى أن الردع قد يؤخر الانفجار، لكنه لا يزيل أسبابه إذا بقيت تتراكم عامًا بعد عام.

لن يفيد أحدًا أن نراهن على ذاكرة الخوف، ونستدعي صور الفوضى التي أعقبت يناير حتى تمنع تكرارها، بينما يعيش قطاع واسع من المجتمع تحت وطأة ذاكرة المعاناة بما تحمله من غلاء وضيق اقتصادي وتراجع في مستويات المعيشة. 

وحين تتقابل ذاكرة الخوف مع ذاكرة المعاناة، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على أيهما أقوى، وإنما على أيهما يفرض منطقه على الواقع. ويعلّمنا التاريخ أن الدولة الأكثر حكمة ليست تلك التي تراهن على الخوف، وإنما تلك التي تعالج أسباب المعاناة قبل أن يصبح الخوف هو اللغة الوحيدة في إدارة الأزمات.

وفي الختام، قد تنجح رسائل التخويف في تأجيل الاحتجاج، لكنها لا تستطيع أن تلغي أسبابه. فالاستقرار لا يُبنى بالخوف وحده، كما أن الأمن، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن السياسة، ولا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عنها. فالدول لا يحميها الخوف بقدر ما يحميها الرضا العام، ولا تصون استقرارها بالتحذير من الأزمات وحده، وإنما بالقدرة على معالجة الأسباب التي تُنتجها.

والله من وراء القصد.
---------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

محمد صلاح.. سجين أحلامنا