إذا ذُكِر "الانبساط" فى مصر فمعناه عندنا نحن المصريون السرور وانشراح الصدر والمزاج العال العال، وإذا ذُكِر "الانبساط" فى الإنسانيات فهو نوع من أخلاق النفس مضاد للانطواء، فالنفس "المنبسطة" هى تلك التى يبادر صاحبها لمواصلة الناس، ومؤالفتهم، والائتناس بهم، و"الانبساط" فى الفصحى يكون معناه بحسب السياق الذى يأتى فيه، فهو فى عبارة يعنى الطبيعة "الانبساطية" للنفس التى ذكرناها، وفى سياق آخر يفيد الانتشار، والتمديد، والشرح، والمصريون قد جمعوا فى حياتهم معانى "الانبساط" تلك جميعها، بل إنهم بحمد الله قد زادوا عليها معانى فوق المعانى.
فشعب مصر شعب "منبسط" بالمعنى المصرى، فنحن شعب ابن نكتة، كثير المزح، والضحك، والهزل، حتى صار طبعا لنا نُعرف به، وحتى إننا لنضحك ملء أشداقنا فى الموقف العصيب، وفى النازلة الشديدة؛ فتهون، وتمر، ويذهب الأسى، ويبقى منه "الانبساط" والضحكة الحلوة.
وشعب مصر شعب "انبساطى" بعضه إلى بعض، وإلى الأجنبى والغريب، فنحن سرعان ما نألف ونؤلف، ونأنس إلى الناس، ويأتنس بنا الناس، ومن فرط "انبساطنا" أنشأنا المثل القائل: "جنة بلا ناس ما تنداس"، فإنك ما إن تجلس إلى مصرى حتى يبادرك معرفا بنفسه، وعمله، وأهله، وولده، ويسألك عن مثل ذلك، ثم لا يلبث أن يدعوك إلى طعام أو شراب كأنه يعرفك قبل ثلاثين سنة.
وأهل مصر "انبساطيون" فى الفرح والحزن، فأفراحهم وأتراحهم "تنبسط" من بيت صاحبها حتى تتعداه إلى الجار، ثم إلى جيران الجار، حتى تبلغ ابن السبيل المارّ، فزغرودة ذات الفرح ترسلها صاحبتها تئز، وتطن، وتذبذب، فيطرب لها قلبك، وتهتز لها جوارحك ولو كنت مقيما فى شقة بعيدة، وذات الحزن كذلك "تبسط" حزنها حتى يبلغك حيثما كنت، وستتلو عليك من معلقات النواح ما يسوؤك، وستطلق من الصراخ أشده حتى تصم به أذنيك، وتخنق به نياط قلبك، فإذا ما جن الليل "انبسط" الفرح أو الحزن خارج الدار حتى تأخذ سراداقاته عليك طريقك، وتكلفك سبلا غير سبيلك، ومعلوم أن "بسط" السرادق يلزمه "بسط" الصوت لإحياء الليلة إلى نصفها أو ثلثها أو آخرها (أنت ونصيبك)، وبوق القارئ أو المغنى هذا لا منجى لك منه، ولا مهرب لك عنه، بل هو مدركك لا محالة وإن تواريت فى بطن أمك، فلمثلك قد أعدوا السماعات الكبار، والمكبرات العظام لتحمل إليك الصوت "فينبسط" نحوك منتشرا فى الهواء، أو عابرًا إليك جو السماء حتى يقتحم عليك غرفتك البعيدة، وينسل إليك من أسفل ملاحفك الغليظة، فلا تأخذك معه سِنة ولا نوم إلى مطلع الفجر، فإن أنت غالبت الصوت حتى غلبته ونمت فستجده حاضرا فى منامك، مقيما فى أحلامك، يقض مضجعك، ويقلق نومتك.
والمصرى "منبسط" فى أسواقه وطرقاته كمثل "انبساطه" فى فرحه وترحه، فهو إن رُخّص له كُشك أو متجر "بسط" بضاعته على الرصيف حتى يضيقه على المارة، وإن رُخّص له مقهى خمسون مترا مربعا "بسط" مقاعده، ومناضده، ونارجيلته على خمسمائة متر مربع من رصيف الناس، وطريق السيارات.
والطفل المصرى وريث هذا "الانبساط" كابرا من بعد كابر، فتراه ينبسط بألعابه وكرته وسُبابه ومفرقعاته فى طرقات الناس، وببن بيوتهم، وفى مداخل ديارهم، وأسفل نوافذهم، فيضرب، ويركل، ويفجر، ويصيح، ويسب، وهو لا يكتفى من هذا "الانبساط" مدة نهاره، بل "يبسط" هذا اللهو إلى الفجر أو ما بعده، فإن غضبت أو عاتبت القوم على فرط "الانبساط" الذى يقلق النائم، ويزعج اليقظان، ويقض مضجع السقيم، اتهمت بالجلافة والجفاء والانطواء، وبأنك غير "انبساطى"!
ومن "الانبساط" المباح أو المتجاوَز عنه فى مدن مصر أن "تنبسط" الدواب والدواجن بين الناس، وخلال الديار، فقد تكلم واحدا فى هاتف فيجيبك اثنان؛ صاحبك والحمار الذى عند بيته، وقد تريد المرور فى طريق فلا يتسنى لك الأمر إلا بعد مداورة ومخاتلة ومدافعة، وذلك؛ "لانبساط" الأغنام والضأن والأنعام فى عرض الطريق.
والضوضاء فى مصر كذلك "منبسطة" كأهل مصر، فأبواق المركبات فى الشوارع كأنها معزوفات فى مهرجان شعبى لا تفيدك طربا ولا معنى، ولا تفتر يد صاحبها عنها، ولكنها من لوازم الشارع المصرى، فإن تركت الشارع وهربت منه إلى مركبة عامة، فقد جمعت على نفسك ضوضائين فى الخارج وفى الداخل، فالمصريون فى المركبات العامة "ينبسطون" كأنهم فى بيوتهم، وينسون أنهم فى مكان عام، فالسائق يرفع مذياعه ليذيع على الناس ما يطلبه السائقون، وهو فى أكثره (ضرب حدادين)، ثم "يبسط" إليهم دخان سيجارته؛ لتكتمل جلسة الأُنس، ولن يكتمل "انبساطك" حتى يشارك بعض الركاب أحاديثهم فى الهاتف أو فيما بينهم على ملأ من الناس، فمن المألوف عند المصريين أن "يبسطوا" أحاديثهم فى المركبات العامة، فتجد جارك الراكب قد رفع صوته بالحديث فى هاتفه فتعرف اسمه، ومنشأه، وبلدته، وابنه، وابن عمه، وخبر أهل بيته، ولا تأتى محطة نزوله إلا وقد أحاط أهل العربة جميعا بأسراره.
وإنى إذ أود الإطالة و"الانبساط" فى ذكر "الانبساط"، لولا أنى أخشى أن "تنبسط" المقالة فتبلغ حد الإملال، ففى هذا القدر الكفاء والوفاء.
-----------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]






