حين نتأمل مشهدنا الفكري والثقافي اليوم، فإن أول ما يواجهنا ليس كثرة الإجابات التي طرحت في الأذهان المغلقة أو المفتوحة، بل في عقم الأسئلة ذاتها.
نحن لسنا أمام مجرد تباين في وجهات النظر، بل أمام أزمة وعي جذرية أزمة تجعل الإنسان العربي يدور في حلقة مفرغة من ردود الفعل، عاجزاً عن أن يكون فاعلاً في صياغة واقعه، ومكتفياً بأن يكون صدى لواقع يصنعه الآخرون.
يا لها من مفارقة موجعة أن يعيش الإنسان العربي هذا العصر وهو يحمل في ذاكرته تراثاً من المعرفة والجمال لم تعرفه أمم كثيرة، ومع ذلك يشعر نفسه تائهاً في زمن لم يعد يفهمه ولا يفهمه هذا الزمن.
وحين نتأمل أزمة عقولنا المعاصرة، يبرز في أفق التاريخ صوت سقراط وهو يقرع عقول أثينا محذراً من خطر المعارف الجاهزة، إذ كان يؤمن أن "الحياة غير الممسوكة بالتأمل لا تستحق العيش".
لم يكن سقراط يبحث عن إجابات جاهزة، بل كان يوقظ في الناس لوعة التساؤل المستمر.
وحين نرى اليوم أمماً تحفظ المقولات ولا تفهمها، ندرك كم نحن بحاجة إلى تلك الشجاعة السقراطية التي تجرؤ على هدم البدايات الواهية، لتجعل من "الجهل الواعي" باباً حقيقياً نحو المعرفة، ومن الشك الناقد أول درجات الخلاص الفكري.
وعلى نفس الطريق، وضع ابن خلدون يده بدقة مذهلة على علة انهيار الأمم وجمود فكرها في مقدمته الخالدة، حين حذر من اللحظة التي يتحول فيها العلم من "الملكة الحية والقدرة على الفهم" إلى مجرد "حفظ للمتون والتكرار الأعمى".
ولقد أدرك ابن خلدون بعقليته أن التقليد الأعمى للماضي والهروب من مواجهة الواقع هما اللذان يهدمان أساسات العمران البشري.
فالتاريخ لا يصنعه من يعيدون تلاوة ما كتبه الراحلون، بل من يملكون شجاعة الابتكار والاشتباك الحي مع تساؤلات عصرهم.
ولعل أعمق ما يصدم وعينا المعاصر في هذا السياق هو كيف تحولت منظومة القيم في مجتمعاتنا فحين تفرغ المجتمعات من تقدير الفكر الحقيقي، وتنزل العلماء والمفكرين من منازلهم الرفيعة لتخضع قيمة العلم لمنطق السوق والمادة، تصبح قيمة العلم من قيمة هؤلاء العلماء المهمشين في وجدانها العام.
إننا لا نحترم العلم إلا حين نحترم حامله، وحين يتحول العالم إلى موظف عابر أو سلعة موسمية، يفقد المجتمع بوصلته وتتهاوى المعرفة تحت وطأة الاستهلاك الرخيص.
نحن لم نخسر عقلاً، بل خسرنا الجرأة على استخدامه كما ينبغي، خسرنا تلك الروح التي كانت يوماً تجعلنا ننظر إلى الكون بعين المستكشف لا عين الدخيل.
أين ذهبت تلك الروح التي كانت تبني، وتسائل، وتحلم؟ لقد غابت تدريجياً تحت ركام من التردد، وتحت ضغط عالم لا يرحم، وتحت ثقل تاريخ لم نعد نعرف كيف نحمله وكيف نتجاوزه في الوقت ذاته.
إن أشد ما يؤلم في أزمتنا الفكرية ليس أننا لا نفكر، بل أننا نفكر بأسلوب من لا يثق بفكره.
نحن نتكلم كأننا نستعير الكلمات من آخرين، ونكتب كأننا نخشى أن يسمعنا أحد، ونحلم كأن الحلم عيب في زمن بات يقيس الإنسان بقدرته لا على التأمل والإبداع، بل بقدرته على الاستهلاك المجرد.
هناك في كل بيت عربي سؤال لم يطرح بعد، وجملة لم تكتب بعد، وحلم لم يحلم به بعد.
إن الخروج من هذه الأزمة لا يبدأ بمؤتمر ثقافي ولا ببيان فكري، بل يبدأ بلحظة صدق مع الذات لحظة يسأل فيها الإنسان نفسه ماذا أريد أن أفهم؟ وماذا أريد أن أغير؟ وماذا أريد أن أترك خلفي حين أرحل؟
إن الفكر الذي نحتاجه ليس ذلك الفكر الذي يحفظ في الكتب وينسى على الرفوف، بل هو الفكر الذي يسري في الدم كالحياة، والذي يحرك الأقدام نحو التغيير.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم من جديد كيف نتساءل، وكيف نشك دون أن نخرب، وكيف نقرأ بعمق دون أن نرهق.
لن يتغير شيء في هذا العالم إلا حين يتغير شيء داخلنا.
حين يقرر الإنسان العربي أن فكره ليس زينة للمناسبات، بل طريق يسلكه كل يوم.
حين يؤمن أن السؤال قوة، وأن الشك بداية الحقيقة.
وحين يفهم أن المستقبل لا يبنى بالحفظ والتكرار، بل بالتأمل والإبداع والشجاعة على أن تكون مختلفاً.
وهذا هو التحدي، وهذا هو الأمل، وهذا هو الطريق الوحيد.
-----------------------------
بقلم: أسامة محمد
* الباحث بقسم فلسفة آداب العاصمة






