تُعرف جريمة الاختلاس بأنها تصرف الموظف العام في المال العام الذي وقع تحت حيازته بسبب وظيفته، وذلك بتحويل حيازته الناقصة إلى حيازة كاملة والتصرف فيه تصرف المالك بغير وجه حق.
وأن صفة الموظف العام تعد ركنًا في جريمة الاختلاس المنصوص عليها في نظام عقوبات جرائم الوظائف العامة، ولا تقوم هذه الجريمة إلاّ بتوافرها، وإذا انتفت هذه الصفة عن الشخص، لا يمكن إدانته بجريمة "اختلاس المال العام"، بل قد يكيف الفعل كجريمة أخرى مثل السرقة، أو النصب والاحتيال، أو خيانة الأمانة حسب الأحوال.
ولا يكفي أن يكون الجاني موظفاً عاماً فقط، بل يجب أن يكون المال الذي تم اختلاسه قد أُودع بين يديه أو وُجد تحت حيازته بسبب وظيفته أو بمقتضى منصبه.
من هو في حكم الموظف العام؟
لقد وسّع النظام السعودي مفهوم الموظف العام ليشمل فئات أخرى لتوفير حماية كاملة للمال العام، ومنهم: (موظفو الوزارات والمؤسسات الحكومية - مستخدمو الشركات التي تديرها الدولة أو تساهم في رأس مالها- العاملون في الجمعيات الأهلية ذات النفع العام- أي شخص مكلف بخدمة عامة مؤقتة أو دائمة بأجر أو بدون أجر).
ينظـم النظام السعودي جريمـة الاختلاس من خلال عدة أنظمة وتشريعات، أبرزهـا:
نظام عقوبات جرائم الوظيفة العامة.
نظام مكافحة الرشوة.
نظام وظائف مباشرة الأموال العامة.
نظام تأديب الموظفين.
نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة.
نظام الإجراءات الجزائية ولائحته التنفيذية.
نظام الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية.
ويُعد نظام عقوبات جرائم الوظيفة العامة الصادر بالمرسوم الملكي رقم 43 لسنة 1377هـ النظام الأساسي المعمول به لمعاقبة جرائم الاختلاس، رغم إلغاء بعض مواده بعد صدور نظام مكافحة الرشوة عام 1412هـ.
أركان جريمة الاختلاس: لكي تتحقق جريمة الاختلاس، لا بد من توافر ثلاثة أركان رئيسية:
الركن المادي: يتمثل في استيلاء الموظف على المال العام وتحويل حيازته الناقصة إلى حيازة كاملة، بحيث يتصرف فيه كأنه مالك له، سواء بالإنفاق أو البيع أو الإقراض أو أي شكل آخر من أشكال التصرف غير المشروع.
الركن المعنوي (القصد الجنائي): يتطلب أن يكون لدى الجاني نية تملك المال العام بغير وجه حق، أي أن يكون لديه قصد جنائي عام يتمثل في علمه بأن المال الذي يستولي عليه هو مال عام، وقصد خاص يتمثل في نيته الاستيلاء عليه لمصلحته الشخصية.
الركن المفترض (صفة الفاعل والمال المختلس): صفة الفاعل: يجب أن يكون الجاني موظفًا عامًا أو مكلفًا بإدارة المال العام، حيث تُعد هذه الصفة شرطًا أساسيًا لقيام الجريمة، وليست مجرد ظرف مشدد فيها .
صفة المال: يجب أن يكون المال المختلس (مال عام، مملوك للدولة أو لأحد الجهات الحكومية).
ثالثاً: التفرقة بين الاختلاس المشدد والاختلاس المخفف
يمكن تصنيف جريمة الاختلاس إلى صورتين، وفقًا لصفة الجاني ومسؤولياته الوظيفية:
الصورة المخففة: إذا كان الموظف العام (المختلس) لا يشغل منصبا رفيعا، فيُعد اختلاسه جريمة اختلاس عادية.
الصورة المشددة: إذا كان المختلس من الفئات التي تتولى مسؤولية مباشرة عن الأموال العامة، مثل أمناء الصناديق، مأموري الصرف، محصلي الأموال العامة، وأمناء المستودعات، فإن العقوبة تكون أشد، لأنهم مؤتمنون على المال العام بحكم وظيفتهم.
ويتم إثبات جريمة الاختلاس من خلال وسائل الإثبات المعتمدة، ومنها:
شهادة الشهود: كأفراد شاهدوا واقعة الاختلاس أو لديهم معلومات تفيد التحقيق.
الأدلة والوثائق: مثل المستندات المالية والتقارير المحاسبية التي تثبت الاستيلاء على المال العام.
وسائل الإثبات الأخرى: كالتسجيلات الصوتية أو المرئية، أو المراسلات الرقمية التي تثبت تورط الجاني.
يُعاقب مرتكب جريمة الاختلاس وفقًا للنظام السعودي بـ:
1-السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات.
2-غرامة تصل إلى 20 ألف ريال سعودي.
3-أو بالعقوبتين معًا.
في الختام، يُعد الاختلاس جريمة خيانة للأمانة الوظيفية، تهدد نزاهة الوظيفة العامة وتعدم الثقة في مؤسسات الدولة، مما يستوجب تشديد العقوبة عليه إلى جانب توعية الموظفين بأهمية النزاهة والشفافية نظرًا لما يترتب عليه من آثار خطيرة على المال العام والثقة في الوظيفة العامة.
-------------------------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبد الرحمــن
* كاتب وباحث، دكتوراة في القانون التجاري جامعة القاهرة، محام بالنقض ومستشار قانوني
بريد الكتروني: [email protected]






