لم يكن وصول العرض المسرحي "منظمة آل يونسكو" إلى المنافسة الرسمية في الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري مجرد امتداد لنجاحه السابق بعد فوزه بجائزة أفضل عرض متكامل في الدورة الحادية والأربعين من مهرجان المسرح العالمي بالمعهد العالي للفنون المسرحية، بل جاء ليؤكد أن التجارب الطلابية قادرة على إنتاج خطاب مسرحي يمتلك من النضج ما يسمح له بمنافسة عروض المؤسسات والفرق المحترفة، فالعمل المأخوذ عن مجموعة من النصوص المسرحية للكاتب العبثي الرائد يوجين يونسكو، بإخراج محمد عادل يوسف (حنتيرة)، يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة المسرح على إعادة اكتشاف نصوص العبث بمنظور معاصر، دون الوقوع في أسر النقل أو التقليد.
ينتمي يوجين يونسكو إلى الجيل المؤسس لمسرح العبث، وهو المسرح الذي لا يقدم إجابات بقدر ما يكشف هشاشة الواقع وعبثية العلاقات الإنسانية، ومن هنا كانت المغامرة الحقيقية أمام صناع العرض؛ إذ إن التعامل مع نصوص يونسكو ليس مهمة تقنية تتعلق بالإخراج أو الأداء فقط، وإنما هو اختبار لفهم فلسفة النص وقدرة العرض على إنتاج دلالاته بلغة بصرية معاصرة.
ومنذ اللحظة الأولى، ينجح المخرج في بناء عالم لا تحكمه قوانين المنطق التقليدي، بل تسيطر عليه الفوضى المنظمة التي تبدو عبثية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها نقدًا قاسيًا للعزلة الإنسانية وفقدان القدرة على التواصل، كما لم يتعامل العرض مع العبث بوصفه حالة من الفوضى الشكلية، بل باعتباره بنية فكرية تكشف هشاشة الإنسان أمام عالم يتداعى تدريجيًا، ونلاحظ ذلك في الزوجين الذين لا يتعرفان على بعضهما البعض في الشارع ويتفاجآن بأنهما زوجان، ما يعبر عن الاغتراب والعزلة الداخلية حتى بين الأزواج.
أبرز ما يميز الرؤية الإخراجية هو أنها لم تستسلم لقدسية النصوص الأصلية، بل أعادت إنتاجه دراماتورجيًا بما يتلاءم مع طبيعة المتلقي المعاصر، فقد جرى تفكيك الحوارات التقليدية وإعادة صياغتها بحيث أصبحت أكثر كثافة من الناحية الدلالية، دون أن تفقد روح السخرية السوداء التي تُميز كتابات يونسكو. كذلك حافظ العرض على إيقاع درامي متماسك، في أغلب مشاهد المسرحية، وإن كان قد وقع في فخ الترهل وتكرار المعنى مثل كثير من العروض العبثية.
ولعل النجاح الأكبر يكمن في أن المخرج الذي استطاع تحويل "اللامعقول" إلى حالة قابلة للتلقي، فلم يشعر المشاهد بأنه أمام طلاسم فلسفية مغلقة، وإنما أمام تجربة تضعه في مواجهة أسئلته الخاصة حول الهوية والعلاقات الإنسانية واللغة التي فقدت قدرتها على التعبير الحقيقي، والقدرة على التواصل مع الآخرين، وذلك من خلال لغة حوار كوميديا قدمت المعاني الفلسفية بعيدًا عن استخدام لغة مقعرة أو حوار غامض.
أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد اعتمد العرض بصورة واضحة على العمل الجماعي أكثر من اعتماده على البطولة الفردية، وهو اختيار يتسق مع طبيعة النص العبثي الذي يجعل الشخصيات نماذج إنسانية أكثر منها أفرادًا ذوي ملامح نفسية مكتملة.
نجح الممثلون في توظيف أجسادهم بوصفها أدوات تعبير موازية للكلمة، فالحركة لم تكن مجرد انتقال فوق خشبة المسرح، وإنما لغة مستقلة تكشف الانهيارات الداخلية للشخصيات، وقد ظهر ذلك بوضوح في التناقض بين المظهر الخارجي المتماسك والانفعالات المكبوتة التي كانت تتسرب تدريجيًا عبر الإيماءة والنبرة والإيقاع الحركي.
كما برز الاستخدام الذكي للتحولات بين الحوار والمونولوج؛ إذ كانت الشخصيات تبدو وكأنها تتحاور، بينما يعيش كل منها داخل عزلته الخاصة، فيتحول الحوار إلى سلسلة من المناجيات المتوازية التي لا تلتقي أبدًا. وهنا تتجسد واحدة من أهم أفكار يونسكو؛ فالكلمات موجودة، لكن التواصل غائب، والجميع يتحدث دون أن يسمع الآخر.
ورغم صعوبة الأداء في مسرح العبث، الذي يتطلب دقة في الإيقاع أكثر من الاعتماد على الانفعال التقليدي، فإن الممثلين نجحوا في الحفاظ على التوازن بين الكوميديا السوداء والبعد التراجيدي، فلم تتحول السخرية إلى تهريج، ولم تتحول الفلسفة إلى جمود.
السينوغرافيا كانت أحد أهم عناصر القوة في العرض، وربما العنصر الذي منح النص بعده الحلمي المقلق. فقد تشكل الفضاء المسرحي بوصفه عالمًا غير مستقر، تتداخل فيه الواقعية مع الكابوس، بحيث يشعر المتلقي بأنه ينتقل بين مستويات متعددة من الإدراك.
وجاءت الإضاءة لتلعب دورًا دراميًا حقيقيًا، إذ لم تقتصر على الكشف عن الممثلين، بل شاركت في بناء الحالة النفسية للشخصيات وعلاقتها بقطع الديكور التي أخذت شكل كراسي ترتدي ملابس تعبر عن الشخصيات المختلفة للمسرحية، فكانت تنتقل بين الظلال والضوء بما يعكس اضطراب العالم الداخلي لكل شخصية وعلاقتها بما حولها، حتى وصلنًا إلى نقطة فقد القدرة على التواصل مع الرئيس أو الزعيم، والذي تجسد في شكل كرسي فخم يرتدي بدلة منمقة ومعلق في منتصف قاعة المسرح فوق رؤوس المشاهدين، ما يعمق فكرة انعدام القدرة على التواصل حتى مع الإله في عصرنا المادي المعاصر.
أما الديكور، فقد اتسم بالاقتصاد الذكي؛ إذ لم يعتمد على الامتلاء البصري، بل على الرمزية، تاركًا للممثل والحركة مهمة استكمال المعنى، وأسهم هذا الاختيار في الحفاظ على تركيز المتلقي داخل الحالة النفسية بدلًا من الانشغال بالتفاصيل الزخرفية.
الأزياء كذلك جاءت متسقة مع الرؤية العامة، فلم تكن مجرد ملابس تحدد هوية الشخصيات، بل عنصرًا بصريًا يكشف تآكل العلاقات الإنسانية وتكرار الأنماط السلوكية داخل العالم العبثي، ولم تقتصر الملابس على الممثلين ولكنها امتدت كما ذكرت من قبل لتشمل الكراسي التي تلعب دورًا محوريًا في مواجهة الشخصيات المتنوعة للمسرحية.
ومن النقاط اللافتة أيضًا أن العرض لم يحاول تقديم تفسير مباشر للأحداث أو فرض قراءة واحدة على الجمهور، بل ترك مساحة واسعة للتأويل، وإن كان فقد هذا العنصر في مونولوج واحد في آخر العرض، وهو ما أبعده قليلًا عن عالم يونسكو الذي لا يُفصح عن مكنونة بالكلمات ويترك التأويل للمشاهدين.
وربما يلاحظ بعض المتلقين أن الكثافة الفكرية للعمل تتطلب قدرًا من التركيز والمعرفة المسبقة بمسرح العبث، وهو ما قد يجعل بعض الرموز عصية على الفهم السريع، إلا أن هذه ليست نقطة ضعف بقدر ما هي سمة أصيلة لهذا النوع المسرحي، الذي يراهن على المتلقي بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، لا مستهلكًا سلبيًا له، كما أن بعض المقاطع كان يمكن اختصارها نسبيًا للحفاظ على درجة أعلى من التكثيف، خاصة في المشاهد التي اعتمدت على التكرار المقصود بوصفه أداة جمالية، إذ بدا أن هذا التكرار يقترب أحيانًا من إبطاء الإيقاع أكثر مما يخدم تطور الحالة الدرامية.
في المجمل، يقدم عرض "منظمة آل يونسكو" تجربة تؤكد أن المسرح الجامعي لم يعد مجرد مساحة للتدريب، بل أصبح معملًا حقيقيًا لإنتاج رؤى جمالية وفكرية قادرة على المنافسة، فقد نجح العرض في تقديم قراءة معاصرة لنص يوجين يونسكو دون أن يفقد خصوصيته الفلسفية، كما استطاع توظيف الأداء الجماعي والسينوغرافيا والإيقاع المسرحي في بناء عالم بصري وإنساني شديد التماسك.
واستحق العرض حضوره ضمن سباق الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، لأنه لا يقدم مجرد معالجة لنص كلاسيكي من نصوص العبث، بل يطرح رؤية إخراجية واعية تؤمن بأن المسرح لا يكتفي بعكس الواقع، وإنما يكشف ما يتخفى خلفه من قلق وأسئلة وجودية، وفي زمن تتزايد فيه الضوضاء وتتراجع فيه القدرة على التواصل الحقيقي، يبدو العرض تذكيرًا بأن الإنسان قد يمتلك اللغة كلها، لكنه يظل عاجزًا عن الوصول إلى الآخر، وهي المفارقة التي جعلت من مسرح يونسكو حيًا ومتجددًا حتى اليوم.
--------------------------------
بقلم: أمنية طلعت المصري






